St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 284- قال السيد المسيح للصائمين: "فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ" (مت 6: 16)، فكيف يستطيع الإنسان أن يغيّر وجهه؟ وما علاقة دهن الرأس وغسل الوجه بالصوم: "وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ" (مت 6: 17)؟! وهل قول السيد المسيح: "وَمَتَى صُمْتُمْ"، و"مَتَى صُمْتْ" يعتبر نهي عن الأصوام العامة، وأن الإنسان حر يصوم أو لا يصوم؟

 

س284: قال السيد المسيح للصائمين: "فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ" (مت 6: 16)، فكيف يستطيع الإنسان أن يغيّر وجهه؟ وما علاقة دهن الرأس وغسل الوجه بالصوم: "وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ" (مت 6: 17)؟! وهل قول السيد المسيح: "وَمَتَى صُمْتُمْ"، و"مَتَى صُمْتْ" يعتبر نهي عن الأصوام العامة، وأن الإنسان حر يصوم أو لا يصوم؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

 ج: 1ــ كان اليهود يصومون يومي الإثنين والخميس أسبوعيًا، الإثنين ذكرى صعود موسى النبي للجبل لإستلام الشريعة. والخميس ذكرى نزوله بعد أربعين يومًا، وكان السوق في أورشليم يوافق هذين اليومين، وكان اليهود لكيما يظهروا للناس أنهم صائمون كانوا يطلقون لحاهم ولا يغتسلون ويرتدون ثيابًا غير مهندمة ويهملون شعرهم فلا يصففونه فينالون إستحسان الناس ومديحهم، وهم يُعَبِّسُون وجوههم ويُظهِرون انسحاقهم، وفي داخلهم يفرحون ويسرُّون بتطويب ومديح الناس لهم، وهذا هو ما قصده السيد المسيح بأنهم يغيرون وجوههم، فالداخل شيء والخارج شيء آخر، من الداخل يشعرون بالغرور والكبرياء والعظمة، ومن الخارج يظهرون الكآبة والعبوسة.

 ويقول "متى هنري": "كان المراؤون يدعون للصوم مع عدم وجود أثر لإنسحاق القلب وإتضاع النفس الأمر الذي هو روح وحياة الصوم.. كان لهم مظهر الصوم وظله ولم يعرفوا جوهره.. وكانوا يعلنون عن صومهم ويدبرونه بطريقة تجعل كل من رآهم يعلم أنهم صائمون. كانوا يظهرون في الشوارع حتى في هذه الأيام التي كان يجب أن يعتزلوا فيها في مخادعهم وكان يطرقون بأبصارهم إلى أسفل، ويتظاهرون بالكآبة، يتئدون في سيرهم، وبالإجمال فأنهم كانوا يغيرون هيأتهم لكي يعطوا فكرة للناس عن طول أصوامهم وعن تقواهم ومقدار تعذيبهم لأنفسهم.. وهنا أيضًا نرى للمرائين " أَجْرَهُمْ " وهو مدح الناس الذي يطمعون فيه كثيرًا، وهنا أيضًا نرى أنهم " قَدِ اسْتَوْفَوْا " هذا الأجر، وهو كل ما ينالونه" (689).

 ويقول "دكتور وليم إدي": "فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ: أي لا تظهروا كأنكم مغمومون مكتئبون حزانى بخلاف عوائدكم المعتادة وإنفعالاتكم الحقيقية لكي يعرف الناس أنكم صائمون. فلا يندّد المسيح هنا بصومهم ولكن بإعلانهم ذلك الصوم للناس بمنظرهم ولا سيما تظاهرهم بحزن لا يشعرون به. فإن عَبَسَ المسيحيون واكتأبوا شهدوا بذلك زورًا على ديانتهم كأنهم غير راضين بسيدهم وبأجرتهم، وإذا لم يكن المسيحي سعيدًا، فمن له الحق بذلك؟!" (690).

 

2ــ قال السيد المسيح: "وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ" (مت 6: 17) فقد اعتاد اليهود دهن الرأس، ولذلك عندما عاتب السيد المسيح سمعان الفريسي قال: "بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي وَأَمَّا هيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ" (لو 7: 46)، فالسيد المسيح عندما قال: "أدهن رأسك" لم يقصد الاهتمام الزائد الذي يحدث في الأفراح والاحتفالات الخاصة، إنما قصد اللياقة والنظافة العادية التي اعتاد عليها الإنسان، فيظهر الإنسان بمظهره اليومي الذي اعتاد عليه، فلا يلحظ أحد أنه صائم.

 

3ــ لا يعتبر قول السيد المسيح "متى صمتم" أو "متى صمت" نهي عن الأصوام الكنسية العامة، لأن هذه الأصوام هيَ معلومة لدى الجميع، والجميع يشاركون فيها، فليس هناك مجال لأحد أن يتفاخر على الآخر، لأن الصوم الجماعي يجعل الكل سواسية، حتى وإن كان كل واحد يصوم حسب طاقته، فليس من المعقول أن يتساوى الشباب بالأطفال أو بالشيوخ، والمبدأ السائد في الكنيسة أن لا يدين أحد الآخر: "لاَ يَزْدَرِ مَنْ يَأْكُلُ بِمَنْ لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَدِنْ مَنْ لاَ يَأْكُلُ مَنْ يَأْكُلُ" (رو 14: 3)، وقد مارست الكنيسة الأصوام العامة في العهدين القديم والجديد، فعندما بدأ عزرا في العودة من السبي على رأس الفوج الثاني يقول: "وَنَادَيْتُ هُنَاكَ بِصَوْمٍ عَلَى نَهْرِ أَهْوَا لِكَيْ نَتَذَلَّلَ أَمَامَ إِلهِنَا لِنَطْلُبَ مِنْهُ طَرِيقًا مُسْتَقِيمَةً لَنَا وَلأَطْفَالِنَا وَلِكُلِّ مَالِنَا" (عز 8: 21)، وفي أيام نحميا قرأ عزرا في سفر الشريعة: "وَفِي الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ اجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالصَّوْمِ وَعَلَيْهِمْ مُسُوحٌ وَتُرَابٌ" (نح 9: 1)، وعندما تعرض شعب اللَّه للإبادة في زمن الملك أحشويرش بسبب مؤامرة هامان: "وَفِي كُلِّ كُورَةٍ حَيْثُمَا وَصَلَ إِلَيْهَا أَمْرُ الْمَلِكِ وَسُنَّتُهُ، كَانَتْ مَنَاحَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ الْيَهُودِ وَصَوْمٌ وَبُكَاءٌ وَنَحِيبٌ" (أس 4: 3).. " فَقَالَتْ أَسْتِيرُ أَنْ يُجَاوَبَ مُرْدَخَايُ. اذْهَبِ اجْمَعْ جَمِيعَ الْيَهُودِ الْمَوْجُودِينَ فِي شُوشَنَ وَصُومُوا مِنْ جِهَتِي وَلاَ تَأْكُلُوا وَلاَ تَشْرَبُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَيْلًا وَنَهَارًا" (أس 4: 15، 16). وعند صدور الأمر الإلهي بهلاك مدينة نينوى لأن شرها صعد إلى السماء: "فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ" (يون 3: 5). وعندما سأل تلاميذ يوحنا السيد المسيح: "قَائِلِينَ لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيرًا وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ. وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ" (مت 9: 14، 15)، وفعلًا حدث هذا: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ. فصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا.." (أع 13: 2، 3) فمن صوم إلى صوم. كما جاء في سفر الأعمال عن بولس الرسول ومن كانوا معه في السفينة التي تعرضت للغرق: "وَلَمَّا مَضَى زَمَانٌ طَوِيلٌ وَصَارَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ خَطِرًا إِذْ كَانَ الصَّوْمُ أَيْضًا قَدْ مَضَى" (أع 27: 9)، والصوم الذي مضى هو صوم يوم الكفارة العظيم في اليوم العاشر من الشهر السابع (لا 16: 29) مع أن الأصوام الكنسية أصوام جماعية، ولكن يظل لكل إنسان مُطلق الحرية في الصوم من عدمه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ويقول "م. فؤاد نجيب يوسف": "متى صمتم: توضح أمرين. أولًا أن الصوم له وقت نلتزم به كواحد من أركان العبادة المسيحية الثلاثة التي يقرر المسيح ضرورته الروحية لبني الملكوت. وأيضًا الصوم قرار شخصي رغم ضرورته، ففي ممارسته الكثير من الحرية مثل الصلاة والصدقة.. الصلاة والصوم والصدقة معًا ومشاركة المتألمين في آلاماتهم هو عمل روحي متكامل نلتقي فيه مع اللَّه ونتلامس فيه مع بره" (691).

 

4ــ عندما قال السيد المسيح " متى صمتم"، و" فَمَتَى صُمْتَ" لم يقصد على الإطلاق من كلمة "متى" التخيير، بمعنى أن الإنسان له مُطلق الحرية أن يصوم أو لا يصوم على الإطلاق، ومع هذا يكون مبرَّرًا، لأن الصوم وسيلة بها تنشط الروح وبالصوم نشارك الآخرين الذين لا يجدون كفايتهم من الطعام.. إلخ، فالمعنى الذي قصده الرب يسوع هو: "عندما تصومون". ولاحظ قول السيد المسيح عن الصدقة: "وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً" (مت 6: 3)، وقوله عن الصلاة أيضًا: "وَمَتَى صَلَّيْتَ" (مت 6: 5)، ولا يتصوَّر أحد أن الرب يسوع يخير الإنسان بين ممارسة الصدقة والصلاة والصوم، وبين عدم ممارسة تلك الوسائط، وكأن هذه الوسائط وعدمها سيان، وهل يمكن أن يمضي الإنسان حياته بلا صدقة وبلا صلاة وبلا صوم؟!! وهل عندما قال السيد المسيح: "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ" (مت 25: 31) كان معنى كلامه هنا للتخيير، أي أنه يمكن أن يأتي ويمكن أن لا يأتي في مجيئه الثاني؟!! بالقطع لا، لأن مجيئه الثاني أمر مؤكد في الكتاب المقدَّس، فأنه سوف يأتي ليدين الأحياء والأموات ويُعطي كل إنسان حسب أعماله.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(689) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 1 ص192، 193.

(690) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - شرح بشارة متى ص91.

(691) وثيقة الحرية - الموعظة على الجبل - دراسة تحليلية روحية نقدية ص86، 87.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/284.html