St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 276- هل قول السيد المسيح "لاَ تكَرِّرُوا الكَلاَمَ بَاطِلًا كَالأُمَمِ" (مت 6: 7) يتعارض مع صلوات الأجبية وصلوات القداس الإلهي؟ وهل يتعارض مع قول السيد المسيح "أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ" (لو 18: 1)، ومع وصية "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (1 تس 5: 17)؟

 

س276: هل قول السيد المسيح "لاَ تكَرِّرُوا الكَلاَمَ بَاطِلًا كَالأُمَمِ" (مت 6: 7) يتعارض مع صلوات الأجبية وصلوات القداس الإلهي؟ وهل يتعارض مع قول السيد المسيح " أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ" (لو 18: 1)، ومع وصية "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (1 تس 5: 17)؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

 ج: 1ــ عندما قال السيد المسيح: "لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلًا كَالأُمَمِ" لم يُنهي عن تكرار الصلوات، ولكنه نهى عن تكرار الصلوات باطلًا، بلا مشاعر كالأمم، وقديمًا قال سليمان الحكيم: "الْجَاهِلُ يُكَثِّرُ الْكَلاَمَ" (جا 10: 14)، كما أوصى: "لاَ تَسْتَعْجِلْ فَمَكَ وَلاَ يُسْرِعْ قَلْبُكَ إِلَى نُطْقِ كَلاَمٍ قُدَّامَ اللَّه لأَنَّ اللَّه فِي السَّمَاوَاتِ وَأَنْتَ عَلَى الأَرْضِ فَلِذلِكَ لِتَكُنْ كَلِمَاتُكَ قَلِيلَةً" (جا 5: 2)، بينما أطال سليمان الملك صلاته في تدشين الهيكل دون أن يكرر كلامه باطلًا، وقُبِلت صلاته وحل مجد الرب في الهيكل، وتكرار الكلام باطلًا يذكرنا بكهنة البعل الذين دخلوا في مباراة مع إيليا النبي الناري على جبل الكرمل: "فَأَخَذُوا الثَّوْرَ الَّذِي أُعْطِيَ لَهُمْ وَقَرَّبُوهُ وَدَعَوْا بِاسْمِ الْبَعْلِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الظُّهْرِ قَائِلِينَ يَابَعْلُ أَجِبْنَا.. وَكَانُوا يَرْقُصُونَ حَوْلَ الْمَذْبَحِ.. فَصَرَخُوا بِصَوْتٍ عَال وَتَقَطَّعُوا حَسَبَ عَادَتِهِمْ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ حَتَّى سَالَ مِنْهُمُ الدَّمُ" (1 مل 18: 26 - 28). وكان الربيون يعلمون الناس إن لم يكن صلواتهم طويلة فلن تُستجاب، وكانوا يرتبون صلواتهم في الأماكن المزدحمة مثل زوايا الشوارع والأسواق. والدرجات العليا لسلالم المجامع.

 وعن عدم تكرار الصلاة باطلًا يقول: "المشرقي": "لا يُقصد بها الصلاة لأجل خلاص النفس أو صلوات الليتورجية بل الطلبات الدنيوية من طلب سلطان وقتي، ورئاسة وإنتقام وطول الحياة على الأرض" (655). كما أن قول السيد المسيح " لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلًا" ينطبق على الذين يصلون بلا أحاسيس ولا مشاعر ولا وعي، فتتحوَّل صلواتهم إلى حروف وألفاظ مهرقة في الهواء بلا فائدة. أما الصلاة مهما طالت ويصاحبها الوعي والمشاعر فأنها تأتي بالاستجابة المرجوة. لقد ظل يعقوب يصارع اللَّه في صلوات قوية: "لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي" (تك 32: 26)، وحنة أم صموئيل النبي: "أَكْثَرَتِ الصَّلاَةَ أَمَامَ الرَّبِّ" (1 صم 1: 12)، وكان داود يسبح اللَّه: "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز 119: 164) حتى قال: "أَمَّا أَنَا فَصَلاَةٌ" (مز 109: 4)، والمرأة الكنعانية لم تكف عن اللجاجة وتكرار الطلب من أجل شفاء ابنتها (مت 15: 22 - 28)، وظل بارتيماوس بن تيماوس يصرخ من أجل أن ينال البصر والبصيرة، ولم يفلح المعارضون في إسكاته (مر 10: 47 - 52) , وكل هذه الصلوات وغيرها الكثير والكثير لا يدخل ضمن تكرار الكلام باطلًا. بل أن السيد نفسه كرَّر الصلاة في البستان ثلاث مرات (مت 26: 44)، وصلى بولس الرسول ثلاث مرات لينزع اللَّه عنه الشوكة التي أصابته في الجسد (1 كو 12: 18)، وبلا شك صلواتنا "كيريا ليصون" 41 مرة التي نقلت جبل المقطم بعيدة كل البُعد عن تكرار الكلام باطلًا. لقد أوصانا مخلصنا الصالح أن نُصلي بلجاجة، واللجاجة لا تخلو من التكرار، وفي مَثَل قاضي الظلم عقَّب الرب يسوع قائلًا: "أَفَلاَ يُنْصِفُ اللَّه مُخْتَارِيهِ الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلًا وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ" (لو 18: 7).

 ولا تتعارض وصية السيد المسيح: "لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلًا" مع صلوات الأجبية والقداس الإلهي، فصلوات الأجبية (السواعي) ما هيَ إلاَّ مزامير وتسابيح وصلوات من كلام اللَّه، وما أجمل أن نخاطب اللَّه بكلماته، وصلوات الأجبية هيَ التي تساعدنا في الاستمرار في الصلاة مدة أطول، وفيها نمارس أنواع الصلوات من شُكر وتسابيح وطلبات وتوبة وإنسكاب وتضرعات.. إلخ. كما أن صلوات الأجبية تعطينا الفرصة أن نعيش قضية الخلاص مع مخلصنا الصالح، فصلاة باكر تذكار قيامة السيد المسيح من الأموات، والثالثة تذكار حلول الروح القدس على الكنيسة، والسادسة تذكار رفع السيد المسيح على الصليب من أجل خلاص جنسنا، والتاسعة تسليمه الروح، والغروب إنزال جسد يسوع من على الصليب، والنوم دفن المسيح، ونصف الليل تذكار مجيئه الثاني. وأيضًا القداس الإلهي جميع العبارات المستخدمة فيه هيَ آيات من الكتاب المقدَّس أو ترجمة لهذه الآيات.

 

2ــ وصية: "لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلًا" لا تتعارض مع قول السيد المسيح: "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ" (لو 18: 1) ولا مع وصية: "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ"، فقد ظن البعض أن تكرار الكلام يعمل كعمل التعويذة التي تحقق طلباتهم، والحقيقة أنه فرق شاسع بين المثابرة في الصلاة وبين تكرار كلام، مجرد كلام، بارد فاتر بلا روح، لا يصل إلى سقف المكان الذي نُصلي فيه، ويقول "الدكتور القس منيس عبد النور": "قد زعم الأمم أن قيمة الصلاة في عدد كلماتها وكثرتها، ولذا كانوا يكررون أقوالًا وعبارات كثيرة بطريقة ميكانيكية دون أن تُعبّر أقوالهم عن معانٍ في قلوبهم، فوبخ المسيح صلاة كهذه بأسلوب صارم للغاية.

ولكن توجد في الوقت نفسه صلاة مستمرة مقبولة عند اللَّه ومرضية أمامه، وهيَ صراخ القلب إليه باشتياق وإخلاص. وصاحب هذه الصلوات لا يفشل إذا أبطأ الرب في الإجابة. مع أن المؤمن عند عدم استجابة صلاته سريعًا مُعرَّض لخطر الشك في استماع اللَّه له فيكفَّ عن الصلاة. ولذا يحدثنا السيد المسيح في (لو 18: 5 ــ 7) عن الاستمرار في الصلاة حتى ولو ظهر كأن أبواب السماء موصدة في وجوهنا. والخلاصة أن المسيح يوبخ صلاة الأمم المطولة المجرَّدة من المعنى وما يشابهها، ومن الجهة الأخرى يحضَّ على اللجاجة في الصلاة الصادرة من قلب واثق مُخلص.

ويحسن بنا أن نذكر أن بولس في (1 تس 5: 17) يحض على المواظبة على الصلاة قائلًا: "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" وكأنه يقول: لتكن حياتكم بالجملة حياة صلاة، ولتكن لكم دائمًا شركة دائمة مع اللَّه"(656).

 وعندما يندمج الإنسان في الصلاة وينشغل بالسمائيات ويبعد عن طياشة الفكر يستطيع أن يُصلي دون أن يُكرر الكلام باطلًا، ويقول: "م. فؤاد نجيب يوسف": "هنا أيضًا مفارقة قد تكون غير مفهومة في إطالة الصلاة وتكرار الكلام باطلًا، وبين الصلاة بلا انقطاع. مجرد تكرار الكلام وإطالة الصلاة بشكل ممل مع عدم التركيز في الحضور أمام اللَّه أمر مضر وضياع للوقت والهدف. لكن الأمر يختلف عند حضور الإنسان الحقيقي أمام اللَّه.. بقدر إمكان استمرار الإنسان في الوجود أمام اللَّه في حالة تسبيح وصلاة وإنتشاء وفرح وتوبة بقدر ما يعيش الأبدية.. هناك من يستعذب الوجود في حضرة اللَّه حتى أنه يستمر دون قدرة على أن يمنع نفسه عن التوقف في حب وعشق ووله.. عرفت إنسانًا كان يعيش في حضور أمام اللَّه مستمر، إنه أبونا "ميخائيل إبراهيم" حتى عندما تكلمه فلا تنقطع صلته المستمرة باللَّه بشكل ظاهر، لذلك كنا نشعر أن كلماته من فوق، كانت له إجابات قوية أكبر كثيرًا من إمكانياته مع إمكانيات فكرنا المحدود"(657).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(655) أورده القس يوسف البراموسي - تساؤلات حول إنجيل متى ص49.

(656) شبهات وهمية حول الكتاب المقدَّس ص295، 296.

(657) وثيقة الحرية - الموعظة على الجبل - دراسة تحليلية روحية نقدية ص81.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/276.html