St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 266- هل الطلاق يُسمح به في حالة زنى أحد الطرفين كقول السيد المسيح: "مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي" (مت 5: 32)، وهذا ما أخذت به الكنيسة الأرثوذكسية، أم أنه غير مسموح بالطلاق على الإطلاق بحسب قول السيد المسيح: "مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا" (مر 10: 11)، و"كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُل يَزْنِي" (لو 16: 18) وهو ما أخذت به الكنيسة الكاثوليكية التي تبيح الانفصال وتحرّم الطلاق؟ وكيف من طلق امرأته لغير علة الزنا يجعلها تزني؟

 

س266: هل الطلاق يُسمح به في حالة زنى أحد الطرفين كقول السيد المسيح: "مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي" (مت 5: 32)، وهذا ما أخذت به الكنيسة الأرثوذكسية، أم أنه غير مسموح بالطلاق على الإطلاق بحسب قول السيد المسيح: "مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا" (مر 10: 11)، و"كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُل يَزْنِي" (لو 16: 18) وهو ما أخذت به الكنيسة الكاثوليكية التي تبيح الانفصال وتحرّم الطلاق؟ وكيف من طلق امرأته لغير علة الزنا يجعلها تزني؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ كان الزواج مكرَّمًا لدى اليهود الأتقياء لأنه إتمام للوصية الإلهيَّ: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تك 1: 28) وبالرغم من أن اللَّه سمح في العهد القديم بتعدد الزوجات: "إِنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ أُخْرَى لاَ يُنَقِّصُ طَعَامَهَا وَكِسْوَتَهَا وَمُعَاشَرَتَهَا" (خر 21: 10)، كما سمح بالطلاق بشرط أن يكتب الرجل لمطلقته كتاب طلاق حتى يمكنها أن تتزوج بآخر، وإذا طلقها لا يستطيع أن يرجعها ثانية، فإن اللَّه حذر من الطلاق وأعلن كراهيته له: "فَاحْذَرُوا لِرُوحِكُمْ وَلاَ يَغْدُرْ أَحَدٌ بِامْرَأَةِ شَبَابِهِ. لأَنَّهُ يَكْرَهُ الطَّلاَقَ قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ" (ملا 2: 15، 16)، حتى أنهم قالوا: "إن المذبح نفسه يفيض دموعًا عندما يطلّق إنسان امرأة شبابه" (610). أما الكثيرون من اليهود فقد استهانوا بالطلاق، وهو ما عبَّر عنه الفريسيون في سؤالهم للسيد المسيح: "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَب" (مت 19: 3)، فقد تساهلت "مدرسة هليل" بالطلاق، حتى قالوا أن المرأة إذا أفسدت الطعام بمزيد من الملح فمن حق الرجل أن يطلقها، وقال "الرابي عقيبة": "إذا رأى أي رجل امرأة أكثر جمالًا من زوجته فيمكنه أن يطرح زوجته بعيدًا، لأنه قيل في الناموس إن لم تجد نعمة في عينيه (فليعطها كتاب طلاق)" (611).

ويقول "القديس أغسطينوس": "فالشريعة الموسوية لم تأمر بالطلاق، بل أمرت من يطلق امرأته أن يعطيها كتاب طلاق، لأن في إعطائها كتاب طلاق ما يهدئ من ثورة غضب الإنسان. فالرب الذي أمر قساة القلوب بإعطاء كتاب طلاق أشار إلى عدم رغبته في الطلاق ما أمكن.. لأنه مهما بلغت قسوة قلب الراغب في طلاق زوجته، إذ يعرف أنها بواسطة كتاب الطلاق تستطيع أن تتزوج من آخر، لذلك يهدأ غضبه ولا يطلقها.

ولكيما يؤكد رب المجد هذا المبدأ - وهو عدم طلاق الزوجة باستهتار - جعل الاستثناء الوحيد هو على الزنا. فقد أمر بضرورة احتمال جميع المتاعب الأخرى (غير الزنا) بثبات من أجل المحبة الزوجية ولأجل العفة. وقد أكد رب المجد نفس المبدأ بدعوته من يتزوج بمطلقة يزني"(612).

لقد أقرَّ السيد المسيح في العهد الجديد شريعة الزوجة الواحدة ولم يسمح بالطلاق إلاَّ لعلة الزنا (مت 5: 32، 19: 4 - 11)، فالزنا هو الخطية التي تفصم العلاقة الزوجية، ويقول "الأب متى المسكين": "أما تحديد خطية الزنا أنها تفسخ هذا العقد، وهذا السر، فلأن الذي وثَّق السر هو الروح القدس، ويستحيل أن يجتمع الروح القدس والزنا، فالروح القدس يظل ساهرًا على سر الزيجة يمدَّه بالمشورة والمعونة للتغلب على صعاب الحياة، ولكن بمجرد أن تحدث خطية الزنا ينسحب الروح القدس من السر وتنفك الوحدة من تلقاء ذاتها حتى بدون طلاق، فالطلاق هنا إنما يأتي تحصيل حاصل، فخطية الزنا تُحسب أنها ضربة من الشيطان عنيفة موجَّهة لقداسة السر وعمل الروح القدس. لذلك أصبحت الكنيسة ملزمة أن تجري الطلاق بكل حزن وأسى، وكأنها تجرح نفسها وتقطع جسدها بيدها" (613).

وتمسكت الكنيسة الكاثوليكية بمفردها دون بقية الكنائس الأرثوذكسية، والروم الأرثوذكس، والإنجيلية بما جاء في (مر 10: 11، 12، لو 16: 18) وأخذته بالمعنى الضيق وتغافلت ما جاء في (مت 5: 32، 19: 4 - 11)، ولذلك منعت الطلاق بتاتًا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وفي حالة وقوع الزنا سمحت بالانفصال، فعرفت الكنيسة الكاثوليكية زوجين منفصلين سواء لعلة الزنا أو غيرها ولم تعرف زوجين مطلقين، ومن جانب آخر توسعت في بطلان الزواج، كأن يتذكر أحد الطرفين أنه عندما تزوج لم يكن بكامل رغبته وإرادته، بل سقط تحت بعض الضغوط التي توجب بطلان الزواج بعد سنين طويلة من الزواج والإنجاب، وانتشر في بلاد الغرب الزواج المدني وصار الزواج الديني نادرًا، لأن تطبيق الزواج المدني يمكن لأي طرف لأي سبب أن يُنهي علاقة الزواج القائمة، وفي الوقت الذي منعت فيه الكنيسة الكاثوليكية الطلاق فأنها سمحت بالزواج من غير المؤمنين الذين تسمح شريعتهم بالطلاق.

 

2ــ عندما قال السيد المسيح: "كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي" (لو 16: 18) كان يتحدث عن القاعدة العريضة وليس عن الاستثناء، فالقاعدة العريضة أنه لا طلاق، والاستثناء هو السماح بالطلاق لعلة الزنا فقط، فلا يوجد تعارض بين هذا النص وبين ما جاء في (مت 5: 32، 19: 9)، ولو أن السيد المسيح قال تارة: "إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي" (مت 5: 32)، وتارة أخرى: "كل من يطلق امرأته ولو لعلة الزنا ويتزوج بأخرى يزني " لكان هذا تضارب وتناقض، ولكن هذا لم يحدث. إذًا عندما تكلم السيد المسيح عن الطلاق في (مر 10: 11، 12، لو 16: 18) كان يتكلم عن الطلاق لأي سبب آخر غير علة الزنا. ونعيد القول ثانية: لو جاء في إنجيل متى أن الطلاق مسموح به في حالة وقوع الزنا، وجاء في إنجيل مرقس أو إنجيل لوقا أن الطلاق غير مسموح به حتى لو حدث الزنا، لكان هذا تناقض، ولكن شيء من هذا لم يحدث. أما كون القديس متى يذكر الاستثناء الذي لم يذكره مارمرقس أو القديس لوقا، فإن هذا لا يمثل ثمة مشكلة لأن الأناجيل تتكامل معًا، بل هيَ إنجيل واحد حرَّره أربعة من عظماء الكتاب.

ويقول "وليم ماكدونالد": "يمكننا شرح هذه الصعوبة، إذا اعتبرنا أن مرقس ولوقا لا يسجلان على الأرجح المقولة بكاملها. لذلك، مع أن الطلاق ليس الحل المثالي، إلاَّ أنه مسموح به في حالة وجود الزنى عند أي من الزوجين. أن يسوع يسمح بالطلاق في هذه الحالة لكنه لا يأمر به"(614). فلو استطاع الطرف البرئ الصفح من الطرف المذنب بعد التأكد من توبته، فيمكن للحياة أن تستمر بينهما من أجل أولادهما.

 

3- من يُطلّق امرأته لغير علة الزنا يجعلها تزني.. كيف؟ أولًا: لأنه يوفر لها فرص الانحراف، ولاسيما إن لم يكن لها عائل يهتم بها ويحميها، حتى لا تنحرف وربما لسبب الحاجة، وثانيًا: إذا تزوجت برجل آخر فأنها تعد زانية لأن الزواج الأول مازال قائمًا، حتى لو طلقها زوجها، لأن طلاقها هذا باطل، وهذا ما أوضحه الكتاب: "فَإِذًا مَا دَامَ الرَّجُلُ حَيًّا تُدْعَى زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُل آخَرَ. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى إِنَّهَا لَيْسَتْ زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُل آخَرَ" (رو 7: 3). أي أنها لو تزوجت ثانية وزوجها الأول على قيد الحياة فأنها تحسب كزانية، ويصير زوجها الذي طلقها بدون علة الزنا مسئولًا عن خطيتها، لذلك قال السيد المسيح " يَجْعَلُهَا تَزْنِي".

ويقول "مارديوناسيوس يعقوب ابن الصليبي": "هذا تنبيه للمُطلّق والمتزوج بمطلَّقة معًا، فإن المُطلّق إذا أدرك أن تطليقه لامرأته يسهل لها سبيل الفجور يعدل عن تطليقها. والمتزوج بمطلَّقة إذا علم أنه يرتكب الفجور إذا تزوج بمطلَّقة يتخلى عن الزواج بها، وهذا التنبيه يشمل النساء والرجال على السواء، وماعدا ذلك فإن من طلق امرأته من غير علة زنى يغضب اللَّه، لأنه يكون قد فرَّق ما أزوجه اللَّه. وإن تزوج بأخرى فهو فاجر كما أن المرأة إذا تزوجت بغير رجلها فهيَ فاجرة" (615).

ويقول "الدكتور القس صموئيل حبيب": "ولما كان الطلاق في عصر المسيح سهلًا جدًا، ومبالغًا فيه، أراد المسيح أن يحد الطلاق (أي يقصره على علة الزنى).. فإباحة الطلاق، دون حدود، أساء إلى المرأة، والمرأة كانت هيَ الضحية بالدرجة الأولى، فأراد المسيح أن يحمّل الرجل المسئولية، فالتطليق السهل، يحمّل الرجل مسئولية تحويلها إلى زانية، من خلال تطليقها. وفي حالة زواج رجل بمطلقة، فالرجل يزني. ولعلنا نرى أن الأسلوب هنا، هو توجيه المسئولية إلى الرجل، الذي لا يخدم كرامة المرأة ولا إنسانتيها" (616).

 

4ــ من يتزوج بمطلقة فإنه يزني، لأن المرأة المطلَّقة إما أنها طُلّقت لأجل زناها، فمن يرتضي أن يتزوج بها؟!! وإما أنها طُلّقت دون أن تزني، فطلاقها باطل، وبالتالي من يتزوج بها يزني لأن زواجها الأول مازال قائمًا، ويقول "ر. ت. فرانس": "يعتبر الزواج من مُطلَّقة نوعًا من الزنا سواء من ناحية المرأة أو من ناحية زوجها الجديد. ولاحظ أن مسئولية الزنا في هذه الحالة تقع بصورة حاسمة على عاتق الرجل الذي كان تصرفه سببًا في ذلك، وليس على عاتق المرأة، ويضيف (مت 19: 9) أن زواج الزوج الأصلي مرة ثانية هو أيضًا نوع من الزنا، وهذا الرفض الحاسم للاعتراف بصحة الطلاق ستأتي مبرراته في (مت 19: 3 - 9) على أساس القصد الإلهي في الخليقة: الزواج أمر دائم" (617).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(610) أورده وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - المجلد الأول ص96.

(611) أورده م. فؤاد نجيب يوسف - وثيقة الحرية - الموعظة على الجبل - دراسة تحليلية روحية نقدية ص50.

(612) أورده القمص تادرس يعقوب - الموعظة على الجبل ص95، 96.

(613) الإنجيل بحسب القديس متى ص247.

(614) تفسير الكتاب المقدَّس - العهد الجديد جـ 1 ص52.

(615) الدر الفريد في تفسير العهد الجديد جـ 1 ص185.

(616) الموعظة على الجبل شريعة أم طريق حياة؟ ص123.

(617) التفسير الحديث للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - إنجيل متى ص127.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/266.html