St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 248- ما هيَ سمات الموعظة على الجبل (مت 5 - 7)؟ وما هيَ أقسامها؟ وكيف فسَّر الكتَّاب والفلاسفة هذه العظة؟

 

س248: ما هيَ سمات الموعظة على الجبل (مت 5 - 7)؟ وما هيَ أقسامها؟ وكيف فسَّر الكتَّاب والفلاسفة هذه العظة؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- سمات الموعظة على الجبل: ألقى السيد المسيح هذه العظة غالبًا في بداية خدمته في الجليل باللغة الأرامية، وسجلها القديس متى باللغة اليونانية، وقد ألقاها رب المجد وهو جالس (مت 5: 1) كما يفعل معلمو اليهود من الربيين، إذ كانوا يجلسون وهم يفسرون الأسفار المقدَّسة، بينما كان الخطيب أو المُعلم اليوناني يتحدث وهو واقف، ووجه السيد المسيح العظة في بدايتها لتلاميذه: " فَلَمّـَا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. فَفتحَ فاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلًا" (مت 5: 1، 2)، ويقول الإنجيل: " فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِه" (مت 7: 28)، والذين استمعوا للعظة لم يكونوا قد قرَّروا بعد تبعيتهم للمسيح، إنما كانوا من المحبين لسماع تعاليمه الجديدة التي تخلب القلوب والألباب، ومن سمات هذه العظة:

أ - استخدام الأسلوب الشعري البسيط: الذي يسهل إستظهاره، ومعروف أن الشعر العبري يتميز بالمقابلة أو الموازنة، فالعبارة تحوي شطرين، كل شطر يحمل فكرة معينة، ومن أهم أساليب هذا الشعر "الأسلوب الترادفي" فالأفكار في الشطرين مترادفة، فكرة الشطر الثاني تعتبر صدى وترديد لفكرة الشطر الأول، و"الأسلوب التركيبي" ففكرة الشطر الثاني مركبة على فكرة الشطر الأول، ومكملة لها، و"الأسلوب التناقضي" ففكرة الشطر الثاني عكس فكرة الشطر الأول (راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ 12 س1496) ومن أمثلة هذه الأساليب في الموعظة على الجبل:

† " طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ

لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت 5: 3).

† " طُوبَى لِلْحَزَانَى

لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ" (مت 5: 4).

" لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ

لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ

 لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" (مت 6: 9، 10).

" لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب

 وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ" (مت 7: 6).

" اِسْأَلُوا تُعْطَوْا

اُطْلُبُوا تَجِدُوا

 اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ" (مت 7: 7).

" كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً

 وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً" (مت 7: 17).

 

ب- استخدام اللغة التصوّيرية: وهيَ استخدام مفردات يمكن رؤيتها ولمسها مما تسهل على السامعين الفهم والحفظ، مثل السراج والمكيال والمنارة، والبوق، والكلاب والدرر والخنازير، والخبز والحجر والسمكة والحيَّة:

" وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا

وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ

 بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ" (مت 5: 15).

" فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً

فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ" (مت 6: 2).

" إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا

يُعْطِيهِ حَجَرًا

وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً

 يُعْطِيهِ حَيَّةً" (مت 7: 9، 10).

كما استخدم السيد المسيح الإستعارات والتشبيهات التصوّيرية مثل الخشبة التي في العين، والبيت المبني على الصخر.

جـ - استخدام الأمثلة: استخدم السيد المسيح أمثلة من واقع الحياة، لتوضيح الأمور بطريقة عملية، فعندما تحدث عن ضبط النفس قال:

" فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ

فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ" (مت 5: 29).

" وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ

فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ" (مت 5: 30).

بالرغم من أن لا قلع العين ولا قطع اليد يُبطل الشهوة، لأن الشهوة تكمن في أعماق الإنسان، ولكن ما ذُكِر يشير إلى أي درجة يجب أن نجاهد روحيًا لضبط أنفسنا.

ويقول "ر. ت. فرانس" عن التطويبات: " والتركيب الرائع الوزن لهذه الأقوال الثمانية هو أحسن الأمثلة للطريقة التي (كان) يصوغ بها يسوع تعاليمه حتى يسهل تذكُّرها. لاحظ البناء الإيقاعي، وتماثل الجملة الثانية في أول وآخر التطويبات. وثمة عنصر من الجناس الإستهلالي (المترجم: الجناس الإستهلالي هو تكرار حرف أو أكثر من لفظتين متجاورتين مثل عيروكم وطردوكم).. فالصفات الأربعة الأولى في اللغة اليونانية كلها تبدأ بالحرف (أ)" (520).

ويقول "القس صموئيل حبيب": "مما سبق يتضح لنا أن المسيح استخدم الشعر، كما استخدم الأسلوب التصويري أو أسلوب الأمثال، أو المتناقضات. فقد كان المسيح يتحدث إلى جماهير من الناس، يعتمد إستماعهم، على حفظهم لكلماته عن ظهر قلب، لمعرفتها وعدم نسيانها من جانب، ولنشرها على الغير من جانب آخر. كما يتضح لنا، أن المسيح كان يتحدث في مواجهة قضايا محدَّدة، وأحداث واقعية، وكان يقدم فكرة من خلال الواقع الذي يواجهه، ويشرح النظرية بأسلوب يفهمه السامع" (521).

 

2- أقسام الموعظة على الجبل: شملت الموعظة على الجبل ثلاث أصحاحات من الخامس للسابع من إنجيل متى، وكل أصحاح يشمل على سباعية:

الأصحاح الخامس: ويشمل:

(1) التطويبات (مت 5: 3 - 12) (5) الزنا والنظرة الشريرة والطلاق ( مت 5: 27-32)

(2) الملح والنور (مت 5: 13 - 16) (6) الحلف (مت 5: 33 - 37)

(3) تكميل الناموس (مت 5: 17 - 20) (7) الإنتقام ومحبة الأعداء (مت 5: 38 - 48).

(4) القتل والغضب (مت 5: 21 - 26)

الأصحاح السادس: ويشمل:

(1) الصدقة (مت 6: 1 - 4) (5) العين البسيطة والعين الشريرة (مت 6: 22-23)

(2) الصلاة (مت 6: 5 - 15) (6) اللَّه والمال (مت 6: 24)

(3) الصوم (مت 6: 16 - 18) (7) لا تهتموا بالطعام ولا باللباس (مت 6: 25-34)

(4) الكنز السمائي (مت 6: 19 - 21)

الأصحاح السابع: ويشمل:

(1) لا تدينوا (مت 7: 1 - 5) (5) الأنبياء الكذبة (مت 7: 15 ــ 20)

(2) المقدسات والكلاب والخنازير (مت 7: 6) (6) ليس لمن يقول بل لمن يفعل (مت 7: 21-23)

(3) منفعة الصلاة (مت 7: 7 - 12) (7) بيتان على الصخر وعلى الرمل (مت 7:24-37)

(4) بابان وطريقان (مت 7: 13 - 14).

 

ثالثًا: تفسير الكتَّاب والفلاسفة للموعظة على الجبل: عرض الدكتور القس صموئيل حبيب ستة تفاسير لهذه العظة وهيَ:

التفسير الأول: للروائي الروسي الشهير "ليو تولستوي" (Hanter. Op. cit. p 95 , 96) حيث قال أن هذه العظة تمثل القانون الجديد الذي وضعه السيد المسيح، وهو يقابل شريعة موسى في العهد القديم، وفسَّر الموعظة تفسير حرفي، حتى أنه قال أن القسَم لا يجوز على الإطلاق ولا أمام المحكمة، والمجتمع ليس في حاجة للشرطة، ورُفِض هذا التفسير من غالبية المفكرين واللاهوتيين.

التفسير الثاني: تفسير "ألبرت شويتزر" Albert Sehweitzer ( Windisch. Op. cit. 23-24) سنة 1926م، واعتبر أن مفهوم الملكوت مفهوم أخروي (اسخاتولوجي) بعد الموت، وأن الموعظة تعبر عن مبادئ سلوكية مؤقتة، وهيَ دعوة لملكوت السموات، فهيَ ترتبط بنهاية العالم، وأيضًا رُفِض هذا التفسير، لأن الكثير مما جاء في الموعظة على الجبل يرتبط بهذا الزمان الحاضر مثل الزنا والطلاق، والملح والنور، ومحبة الأعداء، والصدقة، والصلاة، والصوم، والطعام واللباس.. إلخ.

التفسير الثالث: تفسير "يوحنا موللر" Johanena Muller ( Hunter op. cit. p 96 , 97 ) الذي قال أن السيد المسيح أراد أن يُحرّر أتباعه من شريعة اليهود حتى لا يضع أعباء على المسيحيين، فاهتم السيد المسيح بمن يكون الإنسان أكثر من اهتمامه بأعمال الإنسان، وسُمي هذا التفسير بأخلاقيات العصر Ethic of Intention.

التفسير الرابع: تفسير "جيرهارد كيتل" Gerhard Kittel الذي قال أن هذه الموعظة تركز على الجانب الديني والسلوكي، وهيَ دعوة للتوبة، فهيَ ترينا أننا في حاجة شديدة للتوبة.

التفسير الخامس: تفسير "كارل بارت" Karl Barth، و" برونر " Brunner، و"راينهولد نيبور" Reinhold Neibuhr، فقالوا أن العظة تُعبّر عن الأخلاقيات النبوية Prophetic Ethic في كمالها، فالموعظة ليست أخلاقيات نسكية لأن السيد المسيح لم يكن ناسكًا ولا متقشفًا، لكنه كان يقدم أخلاقيات المحبة كأساس لسلوك الإرادة Ethic of Love في إطار إرادة اللَّه.

التفسير السادس: وهو تفسير مدرسة "مانسون" T.W. Manson (Hunter P.99. op. cit. P27 ) ويعتبر هذه الموعظة نموذج سامي ومثالي للوعظ، ولغة السيد المسيح فيها ليست لغة قانونية Legal بل لغة نبوية Prophetic، فالمسيح لم يكن قانونيًا، ومستوى العظة ليس للمجتمع، بل بالأكثر للعلاقات والمعاملات الفردية بهدف تعميق المحبة بين البشر.

ويخلص الدكتور القس صموئيل حبيب إلى أن جميع التفاسير الستة السابقة لا تقدم الصورة الكاملة لما نستريح له ونحن ندرس هذه الموعظة (راجع الموعظة على الجبل شريعة أم طريق حياة؟ ص 105 - 107).

أما نحن أيها الأحباء فنشكر اللَّه كثيرًا على ما تركه لنا آباء الكنيسة الأول من تفسيرات وشروحات وتأملات في هذه القطعة الأدبية النادرة، وإذ نلبس نظارة الآباء تتضح أمامنا تفاصيل الأسفار المقدسة وعمقها وحلاوتها، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. بل نقول أن الحياة المقدسة لهؤلاء الآباء قدمت لنا الموعظة على الجبل معاشة.. آلاف الشهداء الذين سيقوا لساحات الإستشهاد ليُقدَموا طعامًا للوحوش الجائعة الهائجة، أو ليكونوا وقودًا للنيران، ويظهر على محياهم الرضا والسرور والفرح كانوا خير نموذج حي لمحبة الأعداء.. الأنفس الأمينة التي سارت في دروب الملكوت محتقرة أمجاد العالم وعظمته شرحوا لنا الموعظة على الجبل بطريقة حية ملموسة.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(520) التفسير الحديث للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - إنجيل متى ص110.

(521) الموعظة على الجبل شريعة أم طريق حياة؟ ص127.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/248.html