St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 246- هل العظة على الجبل تعتبر شريعة للعهد الجديد، أم أن الإنجيل بما فيه هذه العظة قد حوى فقط حِكم ومواعظ وخلا من الشريعة؟

 

س246: هل العظة على الجبل تعتبر شريعة للعهد الجديد، أم أن الإنجيل بما فيه هذه العظة قد حوى فقط حِكم ومواعظ وخلا من الشريعة؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- العظة على الجبل تُعبّر عن دستور ومبادئ المسيحية، وهناك فارق بين الدستور والقوانين، فمن الدستور تنبثق كافة القوانين، ويضع الدستور المبادئ العامة التي نفصّل عليها القوانين، فالدستور هو أبو القوانين، ولا يجب أن يخالف أي قانون الدستور وإلاَّ حُكِم ببطلانه لعدم دستوريته، فالعظة على الجبل هيَ الدستور العادل الرحيم المتسامي على جميع الدساتير والشرائع، والسيد المسيح هو المُشرع الأعظم الذي تنبأ عنه إشعياء النبي: " هُوَذَا قَدْ جَعَلْتُهُ شَارِعًا لِلشُّعُوبِ رَئِيسًا وَمُوصِيًا لِلشُّعُوب" (إش 55: 4)، وفي سر الزيجة المقدَّس يصلي الأب الكاهن: " بِاسم ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح مُشرّع شريعة الكمال وواضع ناموس الفضائل.."، فهو رب الشريعة الذي حلَّ بأرضنا وأكمل شريعة العهد القديم، ولذلك قال كثيرًا: " قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" (مت 5: 21، 27، 33، 38، 43)، وقد أعطى مفهومًا روحيًا عميقًا للممارسات الروحية مثل الصدقة والصلاة والصوم، مهتمًا بالعمق الروحي أكثر من المظهر الخارجي، فشريعة العهد القديم كانت تناسب البشرية في طفولتها، أما بعد التجسد الإلهي وحلول الروح القدس فقد وصلت البشرية إلى مرحلة النضج والكمال، فلاق بها شريعة العهد الجديد متمثلة في الموعظة على الجبل.

 

2- أيضًا تُعبّر الموعظة على الجبل عن مبادئ الديانة المسيحية السامية التي لا تضارعها أي شريعة أخرى، فهيَ تتميز:

أ - إنها أوسع وأشمل جميع الشرائع: يقول "الدكتور القس صموئيل حبيب": " كل ديانات العالم لها شرائع، واليهودية لها شريعة، وكل ديانة في العالم تدعي أنها تحمل "شرع اللَّه"، أما المسيحية فلا ترتبط بشريعة (كبقية الشرائع)، للمسيحية مبادئ، وقيمة هذا الوضع أن المبادئ يسهل تطبيقها بحسب ظروف البيئة والمجتمع والعصر. الشرائع الحرْفية تتعثر في تحويلها من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر، أما المبادئ العامة، فيسهل بمرونة كاملة، نقلها عبر العصور والأجيال" (506).

ب- أنها أسمى جميع الشرائع: فتعاليم السيد المسيح تسمو بالإنسان حتى أنه يحاسب نفسه على أمور لا تحاسب عليها الشرائع الأخرى، مثل مشاعر الغضب المكبوتة ضد الأعداء والمسيئين، والنظرة الرديئة والشهوة النجسة، ومحبة المال، والقسم، والتقصير في فعل الخير.. إلخ.

والموعظة على الجبل كمبادئ ودستور للحياة ليست جامدة، لكن لها إستثناءات في بعض الأمور، فمثلًا عندما قال السيد المسيح: " لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت 7: 1) لم يقصد تطبيقها في المُطلّق، لأن الوالدين يجب أن يحاسبوا أولادهم، والرؤساء مرؤوسيهم، والرعاة حراس العقيدة يدينون الهراطقة ويحكمون عليهم، ولذلك قال في نفس الفقرة: " لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ" (مت 7: 6)، ومن المُلاحظ أن العظة على الجبل تركز على السلوك الروحي، ولم يأتِ فيها ذكر للأمور العقيدية مثل الصليب والأفخارستيا والروح القدس والثالوث القدوس.. إلخ.

 

3- يقول "الأرشمندريت يوسف درة حداد": " وقد يقول قائل: أين في هذا كله الأحكام العملية التي يجب أن يتقيد بها الإنسان؟ نقول أن التشريع الإنجيلي دستور حياة، يضع الأصول للتوجيه، ويهمل الفروع التي تستنبط من هذه الأصول، على ما يراعي مصلحة الناس في كل زمان ومكان.. فمن ميزات التشريع الإنجيلي أنه دستوري لا قانوني، لأن أحكام الدستور تشمل كل زمان ومكان، وأحكام القانون محدودة بزمان ومكان، قد تصلح لبيئة ولا تصلح لسواها.. فهو دستور أُعلن منذ البدء وسارت الدعوة على هداه. دستور مُحكم منذ البدء، لا تعتريه تبديل أو نسخ، فليس في أحكام الإنجيل من ناسخ ومنسوخ. دستور كامل شامل، لا حاجة إلى سنَّة تكمله، أو إجماع أئمة تعدّله. دستور جامع مانع في أصوله، لا يحتاج إلى أصول من غيره ليتكامل بها.

وقد يقول قائل أيضًا: الإنجيل تشريع دين لا تشريع دولة. أجل هو كذلك لأن المسيح فصل الدين عن الدولة، وميَّز بين الدين والقومية، لأن الدولة والقومية قيود للدين في عموميته وإنسانيته: " أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِللهِ "، فالإنجيل نظام دين، لا نظام دولة، ولكنه نظام لكل دولة.

وقد يقول قائل: الإنجيل تشريع للفرد، لا تشريع للمجتمع ! وخطاب المسيح في تشريعه هو بصيغة الجمع أكثر منه بصيغة المفرد، وكمال التشريع الإنجيلي في روحه التي هيَ في الأساس منه.. فجعل السيد المسيح المحبة روح التشريع في الإنجيل، المحبة للَّه، وللقريب، وللذات.. " فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ" (مت 7: 12).. فروح التشريع الإنجيلي في أساسه المحبة..

فالإنجيل شريعة دستورية، أصولها وأحكامها، وهيَ إيجابية أكثر مما هيَ سلبية، عملية كما هيَ مثالية، توجيهية إلى الكمال، ترفع ولا تضع، دينية أكثر مما هيَ سياسية، إنسانية أكثر مما هيَ نفعية.. فإعجاز الإنجيل في شريعته وروح تشريعه لا مثيل لها على الإطلاق" (507).

ومن سمات الموعظة على الجبل أنها موجهة للفرد كما أنها موجهة للجميع، فهيَ تضع الأساس الروحي لكل فرد على حدة، حتى إذا إرتقلا كل فرد في مستواه الروحي عندئذ يرتفع شأن المجتمع ككل، ولاسيما المجتمع الكنسي.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(506) الموعظة على الجبل شريعة أم طريق حياة؟ ص132.

(507) الدفاع عن المسيحية - في الإنجيل بحسب متى ص65 - 67.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/246.html