St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 179- هل لغة إنجيل متى: "الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 1: 20)، ولغة إنجيل لوقا: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ" (لو 1: 35) هيَ لغة ملومة، وغير مستساغة، ودون المستوى، وتوحي بمعاني غير لائقة؟

 

س179: هل لغة إنجيل متى: " الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 1: 20)، ولغة إنجيل لوقا: " اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ" (لو 1: 35) هيَ لغة ملومة، وغير مستساغة، ودون المستوى، وتوحي بمعاني غير لائقة؟

ويُعلق "أحمد ديدات" على قول القديس متى " قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 1: 18) فيقول: " أستاذ الدراما: ولقد قام المُفكر المسيحي الأمريكي المشهور "بيلي جراهام " بتشخيص وتمثيل هذا المعنى أمام 40000 متفرج على خشبة مسرح كينج بارك بمدينة ديربان، مشيرًا بسبابته ويده اليمنى ممدودة يمر بها على بطنه من اليمين لليسار ويقول: "وجاء روح القدس ليتصل بمريم اتصالًا جعلها حاملًا ".

ومن جهة أخرى نجد القديس لوقا يخبرنا بنفس الخبر ولكن بأسلوب آخر أقل إثارة وأقل إسفافًا، وذلك عندما يقول: أنه عندما بدأ الخبر يذيع، شعرت مريم بالاضطراب، وكان رد الفعل لديها أن ".. فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا" (لو 1: 34). ولنقارن هكذا بما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: "قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ" (آل عمران 3: 47). معنى المقولتين متطابق، وهما يبدوان ببساطة كمجرد اختيار بين عبارتين مختلفي الألفاظ متطابقتي المعنى ولكن طريقة الإستجابة لمطلب مريم الوقور فيما بين الكتابين تتمايز:

رواية الإنجيل: يقول الإنجيل: " فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ" (لو 1: 35). أفلا تدر: أنك ها هنا تتيح الحجة التي يتعلل بها، وتضع بين يديه العصا الذي يضربك بها؟. قد يقول قائل: كيف حلَّ الروح القدس على مريم؟ وكيف تظللها قوة الله العلي؟. إننا نعلم علم اليقين أن المعنى المقصود من الألفاظ ليس ذلك الذي يتبادر إلى الأذهان. ولكن اللغة المستخدمة هنا هيَ الملومة، لأنها غير مستساغة، توحي بمعانٍ غير لائقة، وهيَ بذلك دون المستوى اللائق، فهل تتفق معي في ذلك؟. هيا الآن، ليتضح الفرق نقارن ذلك مع ما جاء بالقرآن الكريم.

رواية القرآن الكريم: " قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَـا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (آل عمران 3: 47). هذا هو التصوُّر القرآني لمولد عيسى عليه السلام. للَّه أن يخلق بشرًا مثل عيسى دون آباء ودون أمهات لتحقق له ذلك، لأنه سبحانه يخلق ما يشاء في الوجود بكلمة هيَ " كن "، " فيكون ".." (204).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ "بيلي جراهام" واعظ مشهور، يجيد استخدام لغة الكتاب المقدَّس، بعيد تمامًا عن لغة اللغز واللمز التي استخدمها الناقد، وتفيض بسوء النية، فهل قال حقًا "بيلي جراهام": " وجاء روح القدس ليتصل بمريم اتصالًا جعلها حاملًا"؟!.. إن "بيلي جراهام" الذي أجاد لغة الكتاب تبدو هذه العبارة غريبة عليه، ولربما العبارة تُرجمت ترجمة خاطئة عن قصد. وحتى لو قال "بيلي جراهام" هذا، فنحن لا نوافقه، لأننا لا نؤمن إلاَّ بما جاء في الكتاب المقدَّس، والكتاب المقدَّس لم يذكر على الإطلاق عبارة: " وجاء روح القدس ليتصل بمريم اتصالًا جعلها حاملًا"، إنما قال الإنجيل: " اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِـلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ" (لو 1: 35) وكلا التعبيرين " يَحِلُّ عَلَيْكِ "، و" تُظَلِّلُكِ" بعيدين جدًا عن معنى الاتصال الذي قصده الناقد، وكاد أن يقول أنه اتصال جسدي، ودائمًا تجد الإنسان الجسداني تفكيره جسداني، ولا عجب فإن كل ما يملأ عقله ويشغل أفكاره في هذا العالم بل وفي العالم الآتي الطعام والشراب والجنس.

والأمر المدهش أن الناقد يرى في هذه اللغة الإنجيلية الراقية لغة ملومة وغير مستساغة وتوحي بمعاني غير لائقة، وهيَ دون المستوى اللائق، مع أن الحقيقة أن كتابنًا المقدَّس استخدم لغة سماويَّة، وقد تميز أسلوبه بالرقي الأدبي، ولا ننسى أن الروح القدس كان يساعد الكاتب في إنتقاء الألفاظ، ولذلك تجده يتكلم عن علاقة الرجل بزوجته بتعبير "عرف"، فيقول: " وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ" (تك 4: 1)، ويتحدث عن المعاشرات الزوجية فيقول: " لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ بَلْ لِلْمَرْأَةِ" (1 كو 7: 4)، وتجد الكتاب المقدَّس يبتعد تمامًا عن أي لفظ خارج عن حدود اللياقة والأدب، وهو خالٍ تمامًا من أي إثارة أو إسفاف أو إبتذال كما إدَّعى الناقد.

 

2ــ يقول "أحمد ديدات" بعد أن ذاع الخبر، وشعرت مريم بالإضطراب، كان رد الفعل لديها أنها سألت الملاك: " كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟ " وواضح أن العذراء مريم سألت الملاك المبشّر في اللحظة التي بشَّرها فيها بولادة يسوع.. لم يمر وقت ولم يُذاع الخبر ولم تضطرب مريم التي قالت للملاك: " هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ ".. ومن قال أن الخبر أُذيع بين الناس؟!. لقد ظل الخبر في طي الكتمان لا يعرفه أحد قط غير يوسف النجار، وكل من العذراء مريم ويوسف البار كان حريصًا على هذا السر الذي أُوئتمنا عليه.

 

3ــ قال "أحمد ديدات": " لو شاء اللَّه لخلق مليون عيسى"، وهنا السؤال: لماذا لم يكن هناك غير مسيح واحد فقط؟!، ولماذا السيد المسيح الواحد وحده هو الذي وُلِد من عذراء بدون زرع بشر؟!. ثم أن السيد المسيح ليس مخلوقًا، بل هو الخالق الذي لبس جسد إنسان، فشتان بين السيد المسيح كلمة اللَّه المولود من الآب قبل كل الدهور، الواحد معه في الجوهر الإلهي، وبين الإنسان المخلوق الذي لم يكن له وجود قبل أن يوجد.. وأيضًا قول ديدات: " لأنه سبحانه يخلق ما يشاء في الوجود بكلمة كن فيكون " قول ينقصه الدقة، لأن كل البشر مولودين من آدم وحواء بحسب قانون التكاثر الذي وهبه اللَّه للإنسان، وليس كل إنسان جاء إلى العالم قال له "كن فيكون"، كما أن الطريقة التي خلق اللَّه بها الإنسان تختلف عن الطريقة التي خلق بها الشمس والقمر والنجوم والأرض وكل ما عليها من كائنات، وكل الكون، لأن الإنسان هو الوحيد المخلوق على صورة اللَّه ومثاله في الخلود والإبتكار والتفكير والتدبير والقداسة.. السيد المسيح المولود من الآب ليس مخلوقًا بكلمة "كن فيكون"، وأيضًا ورد بطريقة معجزية بدون زرع بشر كحالة وحيدة فريدة لا نظير لها قط في التاريخ كله السابق واللاحق.

 

4ــ يرد "الأخ وحيد" على أحمد ديدات، قائلًا: "ما هيَ الإثارة هنا؟ ما هو الإسفاف؟ الكلمات المستخدمة هيَ " الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلي تظللك ". كان على ديدات أن يعرفنا ما الإسفاف في الآيات؟ وما هيَ الجملة البديلة لحلول كلمة الرب الإله في الطبيعة البشرية.. أنه ديدات وهواية التشويه.

لأن هذه الآيات بذاتها.. لم يرى فيها ولا مسيحي واحد، خلال أكثر من عشرين قرنًا من الزمان، أي إثارة أو إسفافًا، ولم يستخدم (الكتاب) كلمة "اتصال" بين الروح القدس والعذراء، فحاشا لنا من افتراءات ديدات، لأن كل المعايير التي يقرأ بها المسيحي هذه الآيات ويفهمها هيَ معايير روحية بحتة، أساسها طبيعة اللَّه القدوس.. وفي المقابل حينما قرأ ديدات ذات النص، أراد أن يرى فيه ما تمليه عليه ثقافته، فاخترع كلمة "اتصال"، ووضعها على فم خادم الرب، وحينما أتى للآيات في بشارة لوقا، وجد فيها كلمة (يحل = يظلل) لم يحتمل هذا النقاء إلاَّ أن يخلع عليه فكره الملوث، فهو المسئول عنه. وهكذا قال الرب يسوع المسيح: " اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت 12: 35)، وعبَّر الوحي الإلهي عن هذا الفهم بكلمات أخرى فقال: " كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَـيْءٌ طَاهِرًا بَـلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ" (تي 1: 15)" (205).

كما يُعلق "الأخ وحيد" على شرح الملاك للعذراء عن كيفية ولادتها وهيَ عذراء بقوله: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ"، فيقول: " أين الإسفاف وأي الاتصال المادي في هذه الآيات المقدَّسة؟. أنا أعرف أن الحدث هنا كبير وعظيم لدرجة أنه لا يروق للبعض أن يكون المسيح بهذا القدر العالي الرفيع في القداسة، فيحاولون تشويه كل مقدَّس، ولكنهم لا يعرفون أن الأمر سماوي لا أرضي.. إنما هو الحق الإلهي، شهد له الرب الإله وختمه..

إن كلمات الرب واضحة في إنجيله المقدَّس، ولكن من يريد أن يخترع كلمات وعبارات تتناسب مع التلوث الفكري الذي لديه، فأنه يستطيع، فليكتب ما يريد، ولكن أولًا: ليكن شجاعًا، وليقل أن هذا فكري الخاص، وأنا مسئول عنه بدلًا من محاولة إقناع القارئ بأنه يقدم ما في الإنجيل، والإنجيل منه برئ. وثانيًا: سيظل الحق الإلهي كما هو دون تغيير، مهما حاول المحاولون فهم فاشلون، وهذه أمانة الرب..

إنه من الرائع جدًا أن نجد في بشارة الملاك هذا التعبير اللاهوتي الذي غيَّر وجه التاريخ " وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ "، لأن هذه العبارة تحمل في طياتها المفهوم الحقيقي لطبيعة المسيح اللاهوتية.. حلول إلهي في أحشاء العذراء عبَّر عن هذا الحلول بهذا التعبير " وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ " ليؤكد أن المولود منها ليس مجرد خلق يمكن أن يتم بكلمة "كن فيكون"، وإنما هو حلول، اللَّه الكلمة بذاته في أحشائها.. وللتوضيح أُقدم مثلًا، فحينما أراد اللَّه أن يخلق النور، قال اللَّه: " لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ" (تك 1: 3) هذا خلق مُطلّق، وعملية خلق النور هذه حدثت خارج الذات الإلهيَّة، فقد أصدر أمرًا فخلق، فلا يحتاج خلق النور لحلول إلهي ليخلقه.. بينما حلول اللَّه يعني وجود اللَّه بذاته في هذا النور، وهذا الأمر لم يحدث.. عندما نعود لخلقة النور مثلًا، نعرف أنه أمر خارجي عن اللَّه لخلق النور، أما بالنسبة للمسيح، فهو اللَّه الكلمة الذي أراد أن يأتي إلينا، ولذلك فقد حلَّ بذاته في أحشاء العذراء مريم، ولهذا من الطبيعي أن يقول الوحي الإلهي " وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ".." (206).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(204) ترجمة علي الجوهري - المسيح في الإسلام ومحاورة مع قسيس حول ألوهية المسيح ص50 - 52.

(205) المسيح اللوغوس كلمة اللَّه ص13، 14.

(206) المسيح اللوغوس كلمة اللَّه ص53، 54.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/179.html