St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 177- كيف ظهر ملاك الرب ليوسف (مت 1: 20، 21) مع أن يوسف لم يكن نبيًا؟ ولماذا لم يظهر الملاك ليوسف قبل أن يكتشف حبل العذراء مريم حتى لا تعذبه الشكوك وتعيش العذراء في كربٍ وذلةٍ؟

 

س177: كيف ظهر ملاك الرب ليوسف (مت 1: 20، 21) مع أن يوسف لم يكن نبيًا؟ ولماذا لم يظهر الملاك ليوسف قبل أن يكتشف حبل العذراء مريم حتى لا تعذبه الشكوك وتعيش العذراء في كربٍ وذلةٍ؟

يقول "علاء أبو بكر": "س133:.. وهل يوحي الرب لأي شخص حتى لو كان مؤمنًا؟. ألا يوحي الرب فقط إلى أنبيائه ومرسليه؟. فما هيَ صفة يوسف الدينية غير أنه بار مثل الكثيرين غيره؟. ألا تعلموا أن رؤيا الأنبياء هيَ فقط الرؤيا الحق؟.." (198).

كما يقول "علاء أبو بكر": "س38: يقول متى.. (مت 1: 18 - 20). ومعنى ذلك أن يوسف قد علِم بحبل مريم خطيبته قبل أن يخبره ملاك الرب بذلك. فكيف اكتشف يوسف أنها حامل؟ أكيد بعد أن كبرت بطنها وظهر عليها أعراض الحمل. فلماذا لم يرسل الرب ملاكه ليخبر يوسف بهذا قبل اكتشاف هذا الحمل، ويكون بذلك قد أنقذ أمه من الفضيحة وشك خطيبها فيها أو العيش في كربٍ وذلةٍ حتى لا يعلم الناس بأمرها" (199). (راجع أيضًا علاء أبو بكر - البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ1 س219 ص150، وجـ2 س81، س83 ص87، 88).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: أولًا: كيف يتعامل اللَّه مع يوسف وهو ليس بنبي؟

لقد تعامل اللَّه مع الأنبياء وأيضًا مع غيرهم، بل أن اللَّه تعامل مع بعض الوثنيين الذين لا يعرفونه. وبما أننا نناقش قضية خاصة بالكتاب المقدَّس فمن العدل أن يكون الحكم والفيصل هو الكتاب المقدَّس وليس أي كتاب أو فكر غريب عن الكتاب المقدَّس.. فماذا يقول الكتاب؟ هل اللَّه يتعامل مع غير الأنبياء ومع غير المؤمنين؟.. بكل تأكيد، ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك:

1ــ تعامل اللَّه مع فرعون مصر: بالرغم من أن فرعون مصر كان ملكًا وثنيًا، فإن اللَّه تعامل معه من خلال الأحلام، فتارة رأى في حلمه سبع بقرات قبيحة المنظر ورقيقة اللحم تأكل سبع بقرات حسنة المنظر وسمينة (تك 41: 1 - 4)، وتارة أخرى رأى في حلمه سبع سنابل رقيقة تأكل سبع سنابل سمينة (تك 41: 5 - 7)، وعجز سحرة مصر وحكمائها عن تفسير الحلمين لفرعون، فجاء يوسف العفيف وفسَّر له المعنى، وقد ذكر القرآن هذه الحادثة في سورة يوسف (121: 43 ــ 49)، وذكر طلب الملك من يوسف أن يفسر له الحلم قائلًا: "يوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ.." (يوسف 12: 46).

2ــ تعامل اللَّه مع نبوخذنصر: وأيضًا كان نبوخذنصر ملكًا وثنيًا، ومع هذا فإن اللَّه تعامل معه بالأحلام، فتارة يرى في حلمه التمثال العظيم العجيب الذي يُعبّر عن تتابع الممالك، ويطلب من المجوس والسحرة والعرافين أن يخبروه أولًا عن حلمه ثم يفسرونه له، وبالطبع عجز الجميع، فأصدر أمره بإبادتهم، حتى تقدم دانيال الرجل المحبوب وأخبر الملك بحلمه وفسره له، فخر نبوخذنصر وسجد وقال لدانيال: " حَقًّا إِنَّ إِلهَكُمْ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الْمُلُوكِ وَكَاشِفُ الأَسْرَارِ إِذِ اسْتَطَعْتَ عَلَى كَشْفِ هذَا السِّرِّ" (دا 2: 47). وتارة أخرى يرى في حلمه ماذا سيصيبه نتيجة كبريائه إذ رأى شجرة عظيمة ترتفع للسماء وتظلل الأرض يستظل تحتها الحيوان ويسكن في أغصانها طيور السماء، وإذ بساهر وقدوس يصدر أمره بقطع الشجرة مع ترك ساقها، حتى يبتل بندى السماء سبعة أزمنة، وفعلًا سقط نبوخذ نصر في الكبرياء فجازت عليه عقوبة السماء، إذ تغيَّر عقله، فطُرد من مملكته وصار يأكل العشب كالثيران سبع سنين، ثم عاد إليه عقله فمجد إله السماء (دا 4: 1 - 37).

3ــ كرنيليوس قائد المئة: وهو رجل وثني، وتعامل اللَّه معه إذ أرسل له ملاكًا يخبره أن صلواته وصدقاته صعدت أمام اللَّه، وأوصاه أن يرسل إلى سمعان بطرس يستدعيه ليعرفه طريق الحق (أع 10: 1 ــ 48).

 

ثانيًا: لماذا لم يظهر الملاك ليوسف قبل أن يكتشف حبل العذراء مريم وتعذبه الشكوك، وتعيش العذراء في كربٍ وذلةٍ:

1ــ الإجابة المباشرة أن الملاك هو رسول من اللَّه، يتحرك بأمر مُرسله الذي يُحدّد له الوقت المناسب، وفعلًا نزل الملاك من السماء في الوقت الذي أراده اللَّه بالضبط، ونحن نوقن أن اللَّه مدبر كل الأمور في الأوقات المناسبة، فماذا يريد الناقد؟!.. هل يريد أن يتحكم في أعمال اللَّه واختياراته وقراراته؟!.. هل يريد الناقد أن يجعل اللَّه يتصرف بحسب هواه وما يراه صائبًا؟!.. هل معرفة الناقد فاقت معرفة اللَّه غير المحدودة؟!.. ألا يدري الناقد أن بكبريائه يسلك في ذات المسلك الذي سلكه إبليس، حينما تكبَّر فهوى، وأضاع مرتبته وطُرِد من السماء شر طردة؟!.. إن كان الناقد قد اختار طريق الكبرياء الذي يقود المتكبر للهاوية، فنحن لنا طريق آخر، فقد تعلمنا أن نسلم كل أمور حياتنا للَّه يدبرها بحسب مشيئته، تعودنا أن نصلي: " لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" (مت 6: 10).

 

2ــ " مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ" (رو 11: 33).. هذا هو إيماننا. يظن الناقد أن الملاك تأخر في مجيئه إلى يوسف، ولم يدرك أن هذا التأخير كشف المعدن الماسي ليوسف البار.. لو عقدنا مقارنة سريعة بين يوسف بن يعقوب هذا، ويهوذا بن يعقوب قديمًا، نرى أنه عندما بلغ أذان يهوذا أن كنته ثامار سقطت في خطية الزنا، أصدر حكمه على الفور: " فَقَالَ يَهُوذَا أَخْرِجُوهَا فَتُحْرَقَ" (تك 38: 24)، ولم يكن يدري أنه صاحب هذه الفعلة الشنعاء.. لقد زنى يهوذا وحكم على ثامار التي زنت بالموت حرقًا، أما يوسف البار فقد حكم على المتهمة بالزنا بأن تعيش، ذلك مع أن الشريعة تحكم برجمها، ولكن قلبه لم يكن مستريحًا لهذا الإتهام فأوقف حكم الشريعة. بل قل أن ارتقى فوق شريعة العهد القديم، فاستحق أن يكون أبًا لمن قال: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ" (يو 8: 7).. كيف كانت ستكتشف الأجيال هذا المعدن الماسي الأصيل ليوسف البار لو لم يتأخر الملاك قليلًا، ليصل ليوسف في الوقت المناسب؟!

 

3ــ صُدِم يوسف البار بحبل مريم البتول، فتأثر كثيرًا، ورفع صلوات حارة بلجاجة، وزرف دموعًا سخينة لكيما يرشده اللَّه ماذا يفعل؟ واستجابت السماء، وكشفت له عن الحقيقة الرائعة جدًا جدًا التي أذهلته وقلبت حزنه وغمه إلى فرح وسرور وحبور، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. أنها حقيقة فوق إدراك العقل البشري، ومع ذلك فأنه آمن بها فحُسب له ذلك برًا.. طوباك يا يوسف.. عوضًا عن الكارثة التي جزت فيها وكضَّت مضجعك إكتشفت كنزًا عظيمًا لا يُعبَر عنه.. عوضًا عن إحساسك بأن عناية السماء قد تخلت عنك ولم يعد اللَّه يلتفت إليك اكتشفت أنه قريب منك جدًا، فهو في بطن العذراء التي تسكن دارك.. عوضًا عن نظرات الشك للعذراء صرت لها خادمًا طوال حياتك الباقية.. عظيم هو إيمانك أيها العظيم في القديسين!!.. لقد صرت يا أبي يوسف بركة للأجيال وشفيعًا لكل من يسقط في ضيقة تربكه ولا يعرف لماذا؟!!.

 

4ــ لا يختار اللَّه لأولاده الحلول السهلة، إنما يقودهم وينمي إيمانهم من خلال مدرسة التجارب: " لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ" (عب 12: 6). حقًا أن نظرة الإنسان قاصرة، أما أعمال اللَّه فهي عجيبة.. لابد أن يوسف ابن يعقوب هذا قد تعلم الدرس جيدًا من يوسف بن يعقوب الذي دخل مدرسة التجارب فبيع كعبد وأُلقي في السجن ظلمًا ولكنه في النهاية تزكى، ولابد أيضًا أن يوسف بن يعقوب هذا يعرف جيدًا كيف خلص اللَّه أورشليم في الوقت المناسب، بعد أن صال وجال سنحاريب رئيس جيش آشور مستهزءًا بالمدينة وملكها الصالح حزقيا ونبيها العظيم أشعياء، بل وبإلهها، وفي الوقت المناسب جاء الملاك وأهلك جيش سنحاريب الذي فرَّ عائدًا إلى بلاده في خزي عظيم وسجد أمام إلهه نسروخ وإذ بادرمَّلك وشَراصر ابناه يضربانه بالسيف (1 مل ص19)، وأيضًا يوسف بن يعقوب هذا يعرف كيف تأنى اللَّه على الثلاث فتية حتى أُلقوا في آتون النار الذي حمي سبعة أضعاف ثم نزل وتمشى معهم، وقد حلت النار وثاقاتهم، وكانت النتيجة أن نبوخذنصر صرخ قائلًا: " تَبَارَكَ إِلهُ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ الَّذِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَأَنْقَذَ عَبِيدَهُ.." (دا 3: 28).. اللَّه الذي ترك الفتية يُلقونَ في آتون النار، هو الذي ترك يوسف البار في آتون الشكوك، وفي كلتا الحالتين عاين الفتية وأيضًا يوسف المجد الإلهي.

ويقول "القس سمعان كلهون": " ولا يمكننا أن نتصوَّر إمتحانًا أشد من امتحان إيمان مريم، التي بسبب عمل صدر من اللَّه، وليس لذنب ارتكبته، أوشكت علاقتها بيوسف أن تنقطع بالطلاق. فما أشد الحروب الداخلية التي كابدها يوسف ومريم طول الفترة التي كانت فيها أفكار يوسف مترددة، ولكن عندما بلغ الأمر أقصى الصعوبة أشرق النور" (200).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(198) البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ 2 ص139.

(199) المرجع السابق ص58.

(200) إتفاق البشيرين ص64، 65.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/177.html