St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 159- هل قول الملاك للعذراء "هُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ" (لو 1: 36) تعني أن العذراء من سبط لاوي الذي منه أليصابات نسيبتها، أم أن العذراء هيَ ابنة داود، من سبط يهوذا؟ وهل السيد المسيح المولود من العذراء هو من سبط لاوي، فهو "هاروني"، أم أنه من سبط داود (مت 1: 1)، فهو "داودي"؟

 

س159: هل قول الملاك للعذراء "هُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ" (لو 1: 36) تعني أن العذراء من سبط لاوي الذي منه أليصابات نسيبتها، أم أن العذراء هيَ ابنة داود، من سبط يهوذا؟ وهل السيد المسيح المولود من العذراء هو من سبط لاوي، فهو "هاروني"، أم أنه من سبط داود (مت 1: 1)، فهو "داودي"؟

 يقول "ع. م جمال الدين شرقاوي": " إن علماء المسيحية قاطبة لم يتمكنوا من إيضاح ذلك النسب (نسب العذراء لأليصابات) بأدلة مقبولة سواء كانت عقلانية أم تاريخية، إنجيلية أم لاهوتية، فأكثرهم يقولون بأن السيدة مريم من نسل نبي اللَّه داود، وأعطوها قائمة نسب يوسف النجار التي ذكرها لوقا في إنجيله، وآخرون أكتفوا بالقول بأنها من نسل داود وكفى، وقلة قليلة منهم أعترفوا بجهلهم بنسب السيدة مريم" (115).

 كما يقول "ع. م جمال الذين شرقاوي": " فقال الكاردينال جان دانيالوا في كتابه (أضواء على أناجيل الطفولة ص 15، 16) ما نصه: "فيسوع هو بحسب الجسد ابن مريم فقط ولكنه ليس سليل داود بواسطة مريم. فأننا لا نعرف شيئًا عن انتماء مريم إلى سلالة داود، على الرغم من محاولات بعض النُقَّاد لإختراع مثل هذا الإنتماء.. فلم يكن المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام) في يوم من أيام بعثته ملكًا على إسرائيل، ولم يتقلد عرش داود، ولم يكن أبدًا رجل سياسة وقيادة عسكرية" (116).

 ويقول "يوسف هريمة": "ورد في الأناجيل أن اليصابات زوجة زكريا من أقارب مريم العذراء " وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ.." (لو 1: 36). وكما هو معروف فأليصابات من ذرية هارون الكاهن، وبالتالي مريم من ذريته أيضًا، أي أن يسوع المسيح يعود نسبه إلى هارون أول كهنة بني إسرائيل. ونسبة مريم إلى نسل داود أم يتجاوز ما ورد في الأناجيل نفسها" (117).

 كما يرى "يوسف هريمة" إن البنت كانت مُلزَمة بالزواج من سبطها إذا كان لها ميراث (عد 36: 8، 9)، أما إذا لم يكن لها ميراث فلها الحرية في الزواج من أي سبط آخر. كما يرى أن ذهاب العذراء إلى بيت لحم للإكتتاب مع يوسف لم يكن دليلًا على أنها من بيت داود، فيكفي أن يكون يوسف من بيت داود، وبعد السبي اختلطت الأسباط، فيقول: "ومن هنا يتبين لنا بشكل جلي أن ذهاب مريم العذراء مع يوسف النجار، إلى مدينة واحدة للتسجيل في الإحصاء الذي دعا إليه أوغسطس قيصر، لا يقتضي كونهم من سبط واحد. وذلك بسبب الاندماج الحاصل وقتها بين مختلف أسباط بني إسرائيل، إذ أن المدن اليهودية أصبحت تحتوي خليطًا من الأسباط. وهكذا يتضح تهافت المزاعم القائلة بأن نسب مريم العذراء ينتهي لسبط يهوذا" (118).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

 ج: وضع "ع. م. جمال الدين شرقاوي" كتابًا بعنوان "هاروني أم داودي" طُبع سنة 1997م، وأُعيد طباعته بواسطة مكتبة النافذة سنة 2006م، وقام "الدكتور فريز صموئيل" الرجل الغيور على الإيمان المسيحي، بالرد عليه في كتابه: "يسوع من هو؟ هاروني أم داودي"، والمجال لا يسمح بمناقشة ما جاء هنا وهناك، ولذلك أحيل قارئي العزيز المهتم بهذه القضية الرجوع إلى كلا الكتابين.. لقد ركز جمال الدين شرقاوي على أن هناك صلة قرابة بين العذراء مريم وأليصابات بحسب قول الملاك لأليصابات أنها نسيبتها، وبما أن أليصابات وزوجها زكريا الكاهن من سبط لاوي (لو 1: 5). إذًا العذراء مريم وبالتبعية السيد المسيح من سبط لاوي من نسل هارون، وراح المهندس جمال الدين يضع تسع تصوُّرات واحتمالات لصلة القرابة بين العذراء مريم واليصابات، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات:

 

المجموعة الأولى: أربع إحتمالات تجد فيها نسب مريم معلومًا من جهة أبيها وهيَ:

1ــ أليصابات عمة مريم. 3ــ أليصابات زوجة عم مريم.

2ــ أليصابات ابنة عم مريم. 4ــ أليصابات نسيبة مريم.

 

المجموعة الثانية: ثلاث حالات تجد فيها نسب مريم معلومًا من جهة أمها، ومجهولًا من جهة أبيها، وهيَ:

5ــ أليصابات خالة مريم. 6ــ أليصابات زوجة خال مريم.

 7ــ أليصابات ابنة خال مريم.

 

المجموعة الثالثة: حالتان تجد فيهما نسب مريم مجهول من جهة الأم ومن جهة الأب أيضًا، وهيَ:

8ــ أليصابات ابنة عمة مريم. 9ــ أليصابات ابنة خالة مريم.

 وقال جمال الدين أن الكلمة المستخدمة "نسيبتك" في أصلها اليوناني سونجنيس، (suggeni") وبالكشف عنها في القواميس اليونانية الإنجليزية المتخصصة للكتاب المقدَّس نجد أن الكلمة (نسيبتك) تفيد معنى القرابة العصبية Relative by blood أو الـ (blood line) أي من جهة الأب بواسطة التوالد الطبيعي (by extend)، وبناء على ذلك استبعد جمال الدين جميع الاحتمالات باستثناء الاحتمالين 1، 3، وقال: "بناءً على تلك النتيجة.. نستبعد كون أليصابات خالة لمريم أو حتى زوجة خالها، وتكون قرابة أليصابات من مريم تحددت بأحد الاحتمالين:

.. إما أن تكون أليصابات عمة مريم.. وإما أن تكون أليصابات زوجة عم مريم.

 وفي كلا الاحتمالين نجد أن مريم من بنات هارون، أي من سلالة هارون، أي منحدرة من نسل هارون، وتكون بذلك قد عرفنا نسب المسيح (عليه السلام) من جهة أمه مريم هكذا:

 المسيح عيسى ابن مريم ابنه.. ابن.. ابن.. ابن هارون. فهو إذًا المسيح الرابي الهاروني" (119).

 ولتوضيح تلك الأمور العجيبة التي أدخلنا إليها النُقَّاد، علينا تفهم معنى "نسيبتك" (لو 1: 36)، والتأكيد على حقيقة المسيح ابن داود (مت 1: 1).

 

أولًا: مفهوم "نسيبتك":

1ــ قرابة النسب بين العذراء مريم وأليصابات لا تعني بالضرورة أنهما من سبط واحد، وهو سبط لاوي، لأنه كان يجوز الإقتران بين أبناء الأسباط المختلفة في حالة أن الزوجة لا تمتلك ميراثًا، حتى لا يؤول ميراث سبط إلى سبط آخر. وقد تزوج هرون رئيس الكهنة اللاوي زوجته من سبط يهوذا وهيَ "أليشابع" أي أليصابات (خر 6: 23)، وزواجه بها لم يُخرِجه من سبطه، أي سبط لاوي، (عد 26: 59) ولا أخرج زوجته من سبطها، أي سبط يهوذا، فقرابة مريم وأليصابات هيَ قرابة نسب وليست قرابة دم، لأنه ليس شرطًا أن يكون هذا النسب عن طريق الأب، بل يمكن أن يكون عن طريق الأم. وهناك احتمالان:

أ - إن تكون حنة أم العذراء مريم من سبط لاوي وتزوجت بهالي (يواقيم) من سبط يهوذا.

ب - إن تكون أم أليصابات من سبط يهوذا وتزوجت برجل من سبط لاوي.

 ويقول "متى هنري": "ومع أن أليصابات كانت من بنات هرون من جهة أبيها (ع 5) إلاَّ أنها من جهة أمها ربما كانت من بيت داود، لأن هذين البيتين طالما اختلطا معًا عن طريق الزواج كعربون على إتحاد الملكية والكهنوت في المسيا" (120).

 وجاء في "دائرة المعارف الكتابية": " أما كون أن " مريم " كانت نسيبة لأليصابات ابنة هارون (لو 1: 36)، فإنه لا ينفي نسبة مريم إلى داود، متى كانت قرابة مريم لأليصابات عن طريق الأم، وليس عن طريق الأب، فقد تزوج هرون نفسه من " أَلِيشَابَعَ بِنْتَ عَمِّينَادَابَ أُخْتَ نَحْشُونَ " من سبط يهوذ" (خر 6: 23، 1 أي 2: 10)" (121).

 ويقول "سمعان كلهون": " تُدعى أليصابات (لو 1: 36) نسيبة مريم، مع أنها من سبط لاوي ومريم من سبط يهوذا. وهذا المشكل يمكن حله بسهولة إذا أدركنا أن الزواج بين الأسباط كان جائزًا، غير أن انتقال الميراث من سبط إلى آخر كان ممنوعًا. ويمكن أن يكون أحد أنسباء أليصابات الأقرب تزوج بأحدي نسيبات مريم الأقرب أو العكس، ونتجت عن ذلك هذه القرابة بينهما" (122).

 

2ــ نعم أليصابات كانت من بنات هارون بحسب قول الإنجيل: " كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ" (لو 1: 5) وكانت أليصابات نسيبة العذراء مريم، فما المانع أن تكون "حنة" أم العذراء مريم من سبط لاوي، وتوجد صلة قرابة بينها وبين أليصابات، لأنهما من سبط واحد، وتزوجت "حنة" من "هالي" (يواقيم) وهو من سبط داود، وأنجبا مريم، فمن الطبيعي أن تُنسب مريم لأبيها يواقيم الذي هو من سبط يهوذا، وبالتالي يكون وليدها السيد المسيح له المجد هو ابن داود.

 ويقول "دكتور صموئيل فريز": "إن اللغة اليونانية لا تفرق في القرابة من جهة الأم أو القرابة من جهة الأب، فإذا أعتبرنا أن كلمة "نسيبتك" تعني من سلالتك فهيَ ربما تعني من سلالة الأب، أو من سلالة الأم. ومثل اللغة اليونانية أيضًا اللغات الحديثة، ففي الإنجليزية كلمة " Cousin " تُترجَم ابن أو ابنة العم أو العمة، ابن أو ابنة الخال أو الخالة" (123).

 وجاءت كلمة "سينجينيس" في العهد الجديد في عدة مواضع للدلالة على قرابات مختلفة:

أ - قال السيد المسيح: " لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَبَيْنَ أَقْرِبَائِه" (مر 6: 4).

ب - عندما بحثت العذراء مع يوسف عن الصبي يسوع: " وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأَقْرِبَاءِ" (لو 2: 44).

جـ - قال السيد المسيح: " إِذَا صَنَعْتَ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَلاَ تَدْعُ أَصْدِقَاءَكَ وَلاَ إِخْوَتَكَ وَلاَ أَقْرِبَاءَكَ" (لو 14: 12).

د - قال السيد المسيح: " وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالإِخْوَةِ وَالأَقْرِبَاءِ" (لو 21: 16).

هـ - " قَالَ وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَهُوَ نَسِيبُ الَّذِي قَطَعَ بُطْرُسُ أُذْنَهُ" (يو 18: 26).

و - " وَأَمَّا كَرْنِيلِيُوسُ فَكَانَ يَنْتَظِرُهُمْ وَقَدْ دَعَا أَنْسِبَاءَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ الأَقْرَبِينَ" (أع 10: 24).

ز - قال بولس الرسول: " فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَد" (رو 9: 3).

ح - " سَلِّمُوا عَلَى أَنْدَرُونِكُوسَ وَيُونِيَاسَ نَسِيبَيَّ.. سَلِّمُوا عَلَى هِيرُودِيُونَ نَسِيبِي.. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ تِيمُوثَاوُسُ الْعَامِلُ مَعِي وَلُوكِيُوسُ وَيَاسُونُ وَسُوسِيبَاتْرُسُ أَنْسِبَائِي" (رو 16: 7، 11، 21).

 وهناك أمر هام وضروري يجب أن ندركه جيدًا، وهو أن التفسير ينطلق من فهم الكنيسة لروح الكتاب أكثر من اللفظ المكتوب، فمثلًا عندما دعت سارة إبراهيم بأنه سيدها: " فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ" (تك 18: 12).. " كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ سَيِّدَهَا" (1 بط 3: 6).. فهل كانت سارة أمة لإبراهيم أم زوجة له؟! وأيضًا كان السيد أحيانا يدعو عبده قائلًا "يا ابني" مع أنه عبده وسيظل عبده المحبوب ولن يصير ابنه قط.

 ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " أما كون أليصابات من بيت هارون فلا يدل على أن مريم من بيت الكهنوت مثلها، لأن مريم كانت نسيبتها لا قريبتها، فلم تجتمع بينهما العصبية، لأن النسب جائزًا بين السبطين في إسرائيل" (124).

 

3ــ يذكر التقليد الكنسي أن العذراء مريم تربت في الهيكل وعندما بلغت اثنتا عشرة سنة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وأرادوا لها الإقتران برجل، وحيث أن العادة جرت على إتمام الزواج من داخل السبط، لذلك دعوا بعض الرجال من سبط يهوذا، واختار اللَّه يوسف النجار ليكون خطيبًا لهذه العذراء البتول الطاهرة (راجع مارديوناسيوس يعقوب ابن الصليبي - الدر الفريد في تفسير العهد الجديد جـ 1 ص37)، وصعدت إلى بيت لحم مع يوسف وهيَ حامل في شهرها الأخير لتكتتب في بيت لحم لكونها من سبط يهوذا من بيت داود، ولو كان يوسف بمفرده من بيت داود، لصعد بمفرده، وتركها في الناصرة عوضًا عن هذه الرحلة الشاقة.

 وظهر اسم "مريم ابنة يواقيم" في الأيقونات القديمة، وفي الأبصلمودية الكيهكية، واسم "يواقيم" في العبرية هو نفسه اسم "هالي" في اليونانية، و"هيل" أي "إيل"، و"قيم" أي "يهوه"، وله أكثر من نُطق، يوقيم، ويوياقيم، ويهوياقيم. فاسم "يوياقيم" في العبرية يعني "يهوه قيم" وهو اختصار "يهوياقيم" وهو اسم ابن يشوع وخليفته في الوظيفية " وَيَشُوعُ وَلَدَ يُويَاقِيمَ" (نح 12: 10) (راجع أيضًا نح 12: 12، 26) (راجع موقع هولي بايبل).

 وجاء في "السنكسار" تحت اليوم السابع من شهر برمودة: " في مثل هذا اليوم تنيح الصديق يواقيم والد السيدة العذراء والدة الإله بالجسد. وهذا كان من نسل داود من سبط يهوذا، وهو ابن يوثام بن لعازر بن اليود الذي يصعد في النسب إلى.. داود، الذي وعده اللَّه أن نسله يملك على بيت إسرائيل إلى الأبد" (125).

 

4ــ النبؤة التي جاءت في سفر إشعياء النبي (إش 7: 14) عن ولادة المسيح من العذراء، والتي أشار إليها القديس متى (مت 1: 23) موجهة أصلًا لبيت داود: " اسْمَعُوا يَا بَيْتَ دَاوُدَ.. وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش 7: 13، 14).

 

5ــ لماذا يصر الناقد على أن مريم من نسل هارون؟.. لأن ذلك يتوافق مع عقيدته في أن مريم هيَ أخت هارون "يَا أُخْتَ هَارُونَ" (سورة مريم 19: 28) وإن اللَّه "كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا" (سورة آل عمران 3: 37)، وبما أن زكريا من نسل هارون هو وزوجته أليصابات لذلك افترض الناقد أنه بالضرورة تكون مريم العذراء من بنات هرون، وبالتالي يكون المسيح هاروني وليس داودي، بينما هناك حديثًا رواه البخاري ومسلم جاء فيه أن القرابة بين المسيح ويحيى (يوحنا المعمدان) أنهم ابني خالة.

ويوضح الكتاب المقدَّس أن "مريم" أخت هرون وموسى غير "مريم" العذراء، فبينهما نحو 1500 عام، وكون مريم العذراء أخت هارون أمر محل جدل في الإسلام، حتى أن الأمام أبو جعفر الطبري قال: "إن لأهل التفسير آراء مختلفة في سر مناداة مريم بياأخت هارون، وحول من يكون هذا والذي ذكره اللَّه، وقال أنهم أكدوا على أن مريم أخته" (126)، وفيما يلي عرض مختصر للآراء المختلفة:

أ - إن هارون الذي ذُكر في سورة مريم هو هارون آخر غير هارون أخي موسى، وذكر هذا الرأي الحسن عن عبد الرازق، ومعمر عن قتاده، وقال أن هارون هذا كان رجلًا تقيًا في بني إسرائيل، وكانت مريم تشبهه في التقوى، وقال كعب الأحبار أن هارون هنا ليس هو هارون أخي موسى، فقالت له عائشة: أنك تكذب، فرد كعب، يا أم المؤمنين لو قال النبي ذلك فإنه أعلم من غيره، ولكني أرى بينهما ألف ومائتي سنة فسكتت عائشة، وقال المغيرة بن شعبة: بعثني النبي إلى أهل نجران، فقالوا لي "ألا تقرأون" يا أخت هارون "فأجبتهم: بلى، فقالوا: ألا تعلمون أن هناك فترة طويلة بين عيسى وموسى، أليس كذلك؟ فرجعت إلى رسول اللَّه وقصصت له ما حدث فأجابني: كان عليك أن ترد عليهم أنهم كانت عندهم عادة أن يُسمُّوا الناس بأسماء أنبياءهم وقديسيهم. وقال الطبري أن الرأي الراجح هو المروي عن النبي، وهو أن المقصود ليس هارون أخو موسى، بل رجل صالح من قوم مريم، وهذا التفسير نجده في صحيح مسلم والترمذي والنسائي.. إذًا كان رأي الرسول أن هارون الذي جاء ذكره في سورة مريم غير هارون أخي موسى.. ومادام هذا غير ذاك، فليس هناك لزامًا أن يكون هرون الذي نُسبت له العذراء من سبط لاوي.. ولا يحق بعد هذا للدكتور أحمد حجازي السقا أن يقول أن " يَا أُخْتَ هَارُونَ " هدمت النصرانية من أساسها؟!!

ب - إن هارون المقصود في سورة مريم "يَا أُخْتَ هَارُونَ" هو هارون أخو موسى وهذا ما قال به بعض المفسرين مثل فخر الدين الرازي - التفسير مجلد 4 ص371 طبعة بولاق 1862م - أورده د. صموئيل فريز - يسوع من هو ص40) ودُعيت مريم العذراء أخته لأنها منحدرة من سلالته، كما يُقال لرجل من قبيلة تميم "أخو تميم" أو من مضر "أخو مضر"، فالتعبير لغوي إستعاري.

جـ - إن هارون هذا كان رجلًا فاسقًا فنسبوا العذارء مريم التي ادعوا أنها زانية له.

 ويُعلق "دكتور صموئيل فريز" قائلًا: "الخلاصة:

(1) إن النص القرآني يحمل أكثر من تفسير، لأن النص ليس قطعي.

(2) إذا رأى مُفسر رأيا معينًا، فهذا لا يعني الحجر على بقية الآراء، أو إنكارها، فمن المحتمل صواب رأيه أو خطأه، وليس هناك إلزام للأخذ برأيه.

(3) القول بأن مريم ليست من نسل هارون لا يناقض النص القرآني (مريم 28)" (127).

 ومن المفسرين المسلمين الذي قالوا أن العذراء مريم من سبط داود:

(1) الإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير - المسيح عيسى ابن مريم - مكتبة الأداب ص5.

(2) الشيخ عبد الوهاب النجار - قصص الأنبياء ط (2) مكتبة دار التراث ص438، 455، 457، 458 0

(3) الشيخ عبد الرحمن بن سليم البغدادي - الفارق بين المخلوق والخالق ط 2 - مكتبة الثقافة الدينية سنة 1981م ص 22.

(4) د. عبد الغني عبود - المسيح والمسيحية والأسلام ص 53.

(5) محمد جلال كشك - خواطر مسلم حول: الجهاد، الأقليات، الأناجيل ط (2) دار ثابت للنشر 1985م هامش ص 149.

(6) عبد السلام محمد بدوي - مريم البتول - الأنصار ط (1) 1978م ص 9، 11، 12، 53، 54.

(7) أبي إسحق أحمد محمد إبراهيم النيسابوري المُلقَب بالثعلبي - قصص الأنبياء المُسمى عرائس المجالس - المكتبة الثقافية بيروت ص 333 - 335، 342 - 344.

(8) المسعودي - مروج الذهب جـ 1 ص120 نقلًا عن المسيح في الإسلام - الأب ميشال الحايك - بيروت 1961م ص 40.

(9) الطبري - تاريخ الرسل والملوك 1: 3: 711 - 723 نقلًا عن المسيح في الإسلام ــ الأب ميشال الحايك - بيروت 1961م ص 40، 41، 67.

(10) ابن الأثير - الكامل في التاريخ جـ 1 ص 211.

 (راجع د. فريز صموئيل - يسوع من هو؟ هاروني أم داودي ص 43 - 49).

 

ثانيًا: المسيح ابن داود:

 وهذا ما أخبر به العهد القديم، فقال الرب لداود عن نسله (المسيح): " وَيَأْمَنُ بَيْتُكَ وَمَمْلَكَتُكَ إِلَى الأَبَدِ أَمَامَكَ. كُرْسِيُّكَ يَكُونُ ثَابِتًا إِلَى الأَبَدِ" (2 صم 7: 16).

† " إِلَى الدَّهْرِ أُثَبِّتُ نَسْلَكَ وَأَبْنِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ كُرْسِيَّكَ" (مز 89: 4).

" وَأَجْعَلُ إِلَى الأَبَدِ نَسْلَهُ وَكُرْسِيَّهُ مِثْلَ أَيَّامِ السَّمَاوَاتِ" (مز 89: 29).

قال إشعياء النبي: " لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ" (إش 9: 7).

" وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ. وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ رُوحُ الْحِكْمَةِ.. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ" (إش 11: 1، 2، 10)، وأشار لهذه النبؤة بولس الرسول (أع 13: 22، 23).

قال إرميا النبي: " هَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ الرَّبُّ وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرّ فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلًا فِي الأَرْضِ" (إر 23: 5). (راجع أيضًا إر 33: 14 - 17، حز 34: 23، 24، 37: 24، مز 89: 20، 21، 26، 27).

هذا ما أكد عليه متى الإنجيلي فذكر مرات كثيرة " ابْنِ دَاوُدَ" (راجع مت 1: 1، 20، 2: 2، 12: 23، 15: 22، 20: 30، 31، 21: 9)، وما أكده لوقا الإنجيلي (راجع لو 1: 27، 32، 33، 69، 3: 23 ـ 38)، وأكد عليه يوحنا الإنجيلي (يو 7: 42) وبولس الرسول (رو 1: 3، 2تي 2: 8).

 فأيهما نصدق؟!!.. هل نصدق حفنة من النُقَّاد يعتمدون على الظن والتخمين والاحتمالات، أم نصدق أنبياء العهد القديم مثل داود وإشعياء وإرميا وحزقيال مع رجال العهد الجديد مثل متى ولوقا ويوحنا وبولس؟!!!..

 الأمر المدهش أن "ع. م جمال الدين شرقاوي" بعد أن أتعب نفسه كثيرًا، وكتب ما كتب، عاد ليقول في النهاية أنه سواء كان المسيح هاروني أو داودي فإن هذا لا يؤثر في عقيدة الميلاد العذراوي للسيد المسيح، فيقول: "وليعلم الجميع مسلمين ومسيحيين أن نسب المسيح لا يكون ولا يصح إلاَّ من خلال نسب أمه مريم عليها السلام، وكون نسب مريم يأتي من خلال هارون أو من خلال داود فلن يغير شيئًا في عقيدة المسلم والمسيحي، فلا يجب التباغض من أجله ورفض أي اجتهادات تفسيرية تأتي من مسلم أو مسيحي، لأننا جميعًا نؤمن ببتولية مريم.. وبالميلاد العذراوي لابنها" (128).

 ومع هذا فإننا لا نستطيع أن نتنازل عن تأكيدات الكتاب المقدَّس أن يسوع المسيح هو ابن داود والوارث عرشه إلى الأبد.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(115) هاروني أم داودي ط 1997م ص15.

(116) هاروني أم داودي ط 2006 م ص33، 35.

(117) ولادة المسيح وإشكالية التثاقف اليهودي المسيحي، ص132، 133.

(118) المرجع السابق ص133، 134.

(119) هاروني أم داودي ط 2006م ص26 ، 27.

(120) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير إنجيل لوقا جـ 1 ص36.

(121) دائرة المعارف الكتابية جـ 8 ص58.

(122) إتفاق البشيرين ص60.

(123) يسوع من هو؟ هاروني أم داودي ص14 ، 15.

(124) شرح بشارة لوقا ص19.

(125) السنكسار طبعة مكتبة المحبة سنة 1979 جـ 2 ص98.

(126) أورده دكتور فريز صموئيل - يسوع من هو؟ هاروني أم داودي ص37.

(127) يسوع من هو؟ هاروني أم داودي ص42.

(128) هاروني أم داودي ط 2006م ص111.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/159.html