St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 1590- كيف يضحي أيوب بشرفه حتى أنه يطلب من الله في حالة خطئه، أن تدفع زوجته الحساب بتعرضها للاغتصاب (أي 31: 9، 10)؟

 

ج: 1- أخذ أيوب يؤكد على براءته واستقامته ومحبته لله وللكل، فقد كان متأكدًا من برائته تأكده من أنه ما زال حيًا يعيش، لذلك طلب من الله أن يزنه في ميزان الحق ليعرف كماله، وقال وهو في ملء الثقة إن كان قد اشتهى امرأة قريبه فلتقع زوجته فريسة الآخرين: "إِنْ غَوِيَ قَلْبِي عَلَى امْرَأَةٍ، أَوْ كَمَنْتُ عَلَى بَابِ قَرِيبِي، فَلْتَطْحَنِ امْرَأَتِي لآخَرَ، وَلْيَنْحَنِ عَلَيْهَا آخَرُونَ" (أي 31: 9، 10)، فإن أشد ما يحرق قلب الرجل الشرقي هو تعرُّض زوجته أو ابنته للاغتصاب، ومنذ أيام قليلة و"داعش" (الدولة الإسلامية العراقية الشامية) تعيث في الأرض فسادًا، فقد اعتدى أحد رجالها على سيدة وابنتها أمام زوجها، الذي لم يتمالك نفسه فقام بالانتحار، فالتعدي على شرف الإنسان الحر يذبحه. وإذ فقد أيوب بناته الثلاث ارتضى أن يضع زوجته في هذه المقابلة العجيبة، وزوجة أيوب تخصه جدًا، وهو مع زوجته كيان واحد، وإن من يمسها يحرقه، فأفضل له مائة مَرَّة أن يُقتل وأن يُحرق بالنار حيًّا من أن تُغتصب امرأته... فإن كان الوضع هكذا، فكيف ينطق أيوب بهذه الكلمات وكأنه يضحي بامرأته..؟! هل هو في غنى عن زوجته..؟! وهل هو مستعد للتضحية بشرفه إلى هذا الحد..؟!

     كلاَّ... كلاَّ، ولكن:

أ- أراد أيوب أن يوضح مدى بغضه لهذه الخطية الشنيعة، ليس لأن أيوب يرتضي باغتصاب زوجته بسبب خطيته، ولكنه أراد أن يثبت أنه بريء تمامًا من مثل هذه الخطية، ولم تتدنَّس عيناه قط بتصوُّرات شهوانية، إنما عاش حياة القداسة، قداسة يوسف الصديق، وكان واثقًا تمامًا في نقاوة يديه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ولذلك تجرأ وافترض هذا الافتراض الصعب، وخرج بريئًا بدليل أن زوجته لم تتعرَّض لأي أذى جنسي، بل عادت إليها كرامتها وأمجادها.

ب- ما يزرعه الإنسان إياه يحصد، وقال الكتاب: "نَفْسًا بِنَفْسٍ. وَعَيْنًا بِعَيْنٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَيَدًا بِيَدٍ، وَرِجْلًا بِرِجْل. وَكَيًّا بِكَيٍّ، وَجُرْحًا بِجُرْحٍ، وَرَضًّا بِرَضٍّ" (خر 21: 23-25)، وقال الكتاب للإنسان الزاني الشرير: "تَخْطُبُ امْرَأَةً وَرَجُلٌ آخَرُ يَضْطَجع مَعَهَا" (تث 28: 30)، وقال الله لداود: "لأَنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ لِتَكُونَ لَكَ امْرَأَةً. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ" (2صم 12: 10، 11)، وقال الله لشعبه على لسان إرميا النبي: "لِذلِكَ أُعْطِي نِسَاءَهُمْ لآخَرِينَ" (إر 8: 10)، وارتضى أيوب أن يقع تحت هذا القصاص الرهيب لو كان مُدانًا، ولكنه خرَّج مُبرَّرًا.

وقول أيوب: "فَلْتَطْحَنِ امْرَأَتِي لآخَرَ " هو تعبير عن أشد حالات الرق والعبودية، كقول الرب: "مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى بِكْرِ الْجَارِيَةِ الَّتِي خَلْفَ الرَّحَى" (خر 11: 5).

 

2- يقول " فرانسيس أندرسون": "ويسرد أصحاح (31) جرائم معينة وينكرها جميعًا والتعبير الذي يستخدمه أيوب يقول: "إن كنتُ قد فعلتُ (كذا) فليصبني (كيت وكيت)، و(كذا) هي الجريمة، و(كيت) هي العقوبة، وحيث أن أيوب يُسلِّم كل شيء لله وليس لمحكمة بشرية فأنه لا يستدعي شهادة البشر لأن الله كل شيء (أي 28: 24). والحكم ليس عقوبة قانونية كغرامة مالية مقنَّنة أو تعويضًا، أنه عمل من أعمال الله وطبيعته... فالله يرتب شخصًا آخر لفعل نفس الشيء مع المذنب... ويدوّن أيوب القاعدة العامة ويؤكد التعليم القائل أنك تحصد ما تزرعه. ولذا فهو يتوقع الثمن الذي يمكن أن يدفعه لارتكابه جريمة الزنا مع زوجة جاره، بأن جاره يرتكب نفس الجريمة مع زوجته (أي 31: 9، 10)"(1).

 

3- يقول " القديس يوحنا الذهبي الفم": "إن غوى قلبي على امرأة رجل آخر. وإن كنتُ على بابها. فليتلذَّذ بامرأتي أيضًا رجل آخر، فأنا لم أسمح قط لفكري أن يتدنس وبالأولى جسدي. وهذا بالتحديد ما قاله المسيح: "كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت 5: 28)(2).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) التفسير الحديث للكتاب المقدَّس - أيوب ص 273.

(2) سفر أيوب - إصدار مكتبة المحبة ص 172.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/1590.html