St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 1574- كيف يتَّهم أيوب الله العادل بأنه لا ينتبه للظلم (أي 24: 12)؟ ومَن هم المتمرِّدون على النور (أي 24: 13)؟ وهل يوجد إنسان يعشق الظلمة ويتمرَّد على النور؟

 

ج: 1- قال أيوب البار: "مِنَ الْوَجَعِ أُنَاسٌ يَئِنُّونَ، وَنَفْسُ الْجَرْحَى تَسْتَغِيثُ، وَاللهُ لاَ يَنْتَبِهُ إِلَى الظُّلْمِ" (أي 24: 12)، فما زال أيوب يركز على حرية الأشرار في فعل الشر وظلم الآخرين دون أن يحاسبهم الله في هذه الحياة الحاضرة، وجاء في " ترجمة كتاب الحياة": "يَرْتَفعُ مِنَ المُدُنِ أنينُ المُشرفِينَ على المَوْتِ، وتَستغِيثُ نُفُوسُ الجَرحَى واللهُ لا يُصغِي إلى دعائِهم". وهذا لم يكن نهاية كلام أيوب، وهذا رأيه، إنما هذا هو كلام بعض المخدوعين الذين ظنّوا أن الله لا ينتبه إلى الظلم ولا ينتبه لأنين المتوجعين واستغاثة الجرحى، وأنه لا يصغي إلى صرخاتهم... ولماذا ظن البعض هكذا..؟ لأنهم لم يروا دينونة الأشرار، وهم يتعجلون دينونة الله ويتعجلون الأزمنة، غير مبالين بطول أناة الله، وبعد أن أورد أيوب هذه التهمة الباطلة رد عليها قائلًا: " وَلكِنْ عَيْنَاهُ عَلَى طُرُقِهِمْ. يَتَرَفَّعُونَ قَلِيلًا ثُمَّ لاَ يَكُونُونَ وَيُحَطُّونَ. كَالْكُلِّ يُجْمَعُونَ، وَكَرَأْسِ السُّنْبُلَةِ يُقْطَعُونَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَا، فَمَنْ يُكَذِّبُنِي وَيَجْعَلُ كَلاَمِي لاَ شَيْئًا؟" (أي 24: 23-25)، ومن المعروف أن لفظة " لكِنْ " للاستدراك، إذًا الأمر لم ينتهي بعد كما ظن البعض أن الله لا يلتفت إلى المظلومين ولا يحاسب الظالمين، فالحقيقة لم تكتمل بعد لأن عيني الله تراقب طرق الأشرار جيدًا، وفي لحظة ينحطون ويتلاشون، كما جاء في " ترجمة كلمة الحياة": "لكن عينيه تُراقبان طُرقهم، وتشامخُوا للحظةٍ ثم تَلاشوْا. انحطُّوا وجُمعُوا كالأشياءِ الأُخرى. بل حُصِدُوا كرؤُوس السنابلِ. وإلاَّ من يقدرُ أن يُكذّبني ويَجعَلَ كلامي كالعَدَم"، وجاء في هامش " الكتاب المقدَّس الدراسي": "(24: 21-24) على سبيل التلخيص يقول أيوب: أن الله يدين الأشرار ولكنه يفعل ذلك في الوقت المناسب. ومع ذلك فأيوب يتمنى أن يعطي الله الأبرار فرصة رؤية هذا هو يحدث (آية 1)"(1).

     إذًا في هذه الحياة هناك مُتَّسَع من الوقت للأشرار ليُصحِّحوا مسارهم ويرجعون عن ظلمهم، ولكن بعد انطلاقهم من هذا العالم، وفي لحظة الدينونة لن يجدوا هذه الفرصة ثانية، لأن الله سيأتي في مجده ومجد أبيه مع ملائكته الأطهار حيث تفتح الأسفار وتكشف الأفكار، ويقف كل إنسان عريان ومكشوف أمام منبر الديان العادل يعطي حسابًا عن كل ما فعله فكرًا وقولًا وعملًا.

 

2- قد يكون ظُلم الظالمين وشر الأشرار نافعًا للإنسان المظلوم المتألّم، ينقيه من الزغل الذي طاله، ويزكِّي إيمانه، ولذلك يصمت الله وكأنه لا يهتم ولا ينتبه لِمَا يجري، بينما عيناه تراقبان الموقف بدقة كخبَّاز ماهر لا يترك الخبز في النار حتى يحترق أو يخرجه قبل الأوان فلا يُؤكل.

 

3- قال أيوب البار: "أُولئِكَ يَكُونُونَ بَيْنَ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَى النُّورِ. لاَ يَعْرِفُونَ طُرُقَهُ وَلاَ يَلْبَثُونَ فِي سُبُلِهِ" (أي 24: 13)... فهل هناك مَنْ يكره النور..؟ نعم هناك من يعشق الظلمة، مثل الإنسان الذي يكمن لآخر ليلًا حتى يأتي مطلع الصباح ويراه فيقتله، ومثل اللص الذي يستتر بالظلام ليسرق ويسلب، ومثل الزاني الذي يستغل ظلام الليل ويتسلَّل في مكان الخطية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ومثل هؤلاء بلا شك لا يشعرون أن عيني الله تخترقان أستار الظلام، فيكمل أيوب قوله قائلًا: "مَعَ النُّورِ يَقُومُ الْقَاتِلُ، يَقْتُلُ الْمِسْكِينَ وَالْفَقِيرَ، وَفِي اللَّيْلِ يَكُونُ كَاللِّصِّ. وَعَيْنُ الزَّانِي تُلاَحِظُ الْعِشَاءَ. يَقُولُ: لاَ تُرَاقِبُنِي عَيْنٌ. فَيَجْعَلُ سِتْرًا عَلَى وَجْهِهِ. يَنْقُبُونَ الْبُيُوتَ فِي الظَّلاَمِ. فِي النَّهَارِ يُغْلِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. لاَ يَعْرِفُونَ النُّورَ" (أي 24: 14-16) فهؤلاء الأشرار ينطبق عليهم قول السيد المسيح: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ" (يو 3: 20، 21)، وتلك الأعمال دُعيت أعمال الظلمة وقد حذرنا منها الكتاب عندما أوصانا: "وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا" (أف 5: 11). أيضًا هؤلاء القتلة واللصوص والزناة يبغضون النور الإلهي، نور الضمير ونور الوصية، فقيل " مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ... وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ" (1يو 2: 10، 11).

ويقول " متى هنري": "الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَى النُّورِ... أي أن أولئك يخطئون ضد نور الطبيعة، نور ناموس الله، نور ضمائرهم، يعترفون بأنهم يعرفون الله، لكنهم يتمرَّدون على المعرفة التي حصلوا عليها عنه، ولا يريدون أن يسترشدوا بها أو يسلكوا بموجبها"(2).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) الكتاب المقدَّس الدراسي ص 1228.

(2) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير سفر أيوب جـ2 ص 154.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/1574.html