St-Takla.org  >   books  >   fr-tadros-malaty  >   who-can-harm-you
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب مَنْ يقدر أن يؤذيك؟ (لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا ما لم يؤذِ هذا الإنسان ذاته)، للقديس يوحنا الذهبي الفم - القمص تادرس يعقوب ملطي

4- لماذا تخاف من مفسد خارجي؟!

 

St-Takla.org Image: Portrait of young woman in the blue cap (Portrait de jeune femme au bonnet bleu), by Odilon Redon (1840-1916) - Musée d'Orsay: Orsay Museum, Paris, France. Established in 1986 - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 14, 2014 صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة شابة صغيرة ترتدي غطاء رأس أزرق - صور متحف أورسيه، باريس، فرنسا. الذي أنشئ عام 1986 - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 14 أكتوبر 2014

St-Takla.org Image: Portrait of young woman in the blue cap (Portrait de jeune femme au bonnet bleu), by Odilon Redon (1840-1916) - Musée d'Orsay: Orsay Museum, Paris, France. Established in 1986 - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 14, 2014

صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة شابة صغيرة ترتدي غطاء رأس أزرق - صور متحف أورسيه، باريس، فرنسا. الذي أنشئ عام 1986 - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 14 أكتوبر 2014

محتويات: (إظهار/إخفاء)

لماذا تخاف من الشيطان!
لماذا تخاف من الظلم!
لماذا تخاف من المرض!
لماذا تخاف من مديح الناس وذمهم!
لماذا تخاف من الموت!
فلماذا يعاقب الله مدبري المكائد؟
الأذى يصيب الظالم لا المظلوم!
هل الفقر يؤذيك؟
ملامح حياة محب المال
والآن قل لي لماذا يكون المال هدفًا للطمع؟
مقارنة بين السيدة القاسية ومحبة المال
مقارنة بين الحيوانات غير العاقلة ومحبة المال
محبة المال وليس سلب أموالك هو الذي يؤذيك
هل الثروة تجلب الكرامة؟
هل يساعدك المال على الانتقام؟
هل أضر الفقر بلعازر؟

لماذا تخاف من الشيطان!

قد يقول قائل: ألم يؤذِ الشيطان آدم، إذ أفسد كيانه وأفقده الفردوس؟ لا، إنما السبب في هذا يكمن في إهمال من أصابه الضرر، ونقص ضبطه للنفس، وعدم جهاده. فالشيطان الذي استخدم المكائد القوية المختلفة لم يستطع أن يخضع أيوب له، فكيف يقدر بوسيلة أقل أن يسيطر على آدم، لو لم يغدر آدم بنفسه على نفسه؟!

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

لماذا تخاف من الظلم!

ماذا إذن؟! ألاَّ يصاب بالأذى من يتعرض للافتراءات، ويقاسي من نَهْبِ الأموال، فيُحرَم من خيراته، ويُطرَد من ميراثه، ويناضل في فقر فادح؟! لا، بل ينتفع إن كان وقورًا. لأنه هل أضرّت هذه الأمور الرسل؟ ألم يجاهدوا دائمًا مع الجوع والعطش والعُري؟! وبسبب هذه الأمور صاروا مُمّجَّدين ومشهورين وربحوا لأنفسهم معونة أكثر من الرب؟!

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

لماذا تخاف من المرض!

وأيضًا أي ضرر أصاب لعازر بسبب مرضه وقروحه وفقره وعدم وجود من يحميه؟ ألم تكن هذه الأمور تُضَفِّر له إكليلًا من زهور النصرة؟!

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

لماذا تخاف من مديح الناس وذمهم!

وأي ضرر أصاب يوسف عندما اُتُهِمَ بسمعة شريرة، في أرضه أو في غربته، فقد اُُتهم بالزنا والفسق؟! وماذا أصابه من الذين صيروه عبدًا منفيًا؟! أليس بسبب هذه الأمور صار يوسف موضع إكرام وتقدير؟!

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

لماذا تخاف من الموت!

ولماذا أتحدَّث عن النفي في أرضٍ غريبةٍ، أو الفقر أو تشويه السمعة أو الأسر، فإنه أي ضرر أصاب هابيل بموته، مع أنه مات موتًا عنيفًا، في غير أوانه، وبيديّ أخيه؟! أليس بسب هذا صارت سمعة هابيل تجوب المسكونة كلها؟! أنظر إذن كيف أكد المثال أكثر مما وعدت، لأنه لم يقف عند حد أن الإنسان لا يضره غيره، بل ينال نفعًا عظيمًا على يديّ مقاوميه.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

فلماذا يعاقب الله مدبري المكائد؟

قد يُقال: إذن ما هو هدف التأديبات والعقوبات؟ ولماذا وُجِدَ الجحيم؟ وما فائدة التهديدات الكثيرة، مادام لا يضر أحد غيره ولا يصيبه ضرر من غيره؟... إنني لم أقل أنه لا أحد يضر غيره، بل لا أحد يُصاب بضرر من غيره. ولكن كيف لا أحد يصيبه ضرر من غيره مادام كثيرون يضرون غيرهم؟!... إخوة يوسف مثلًا أضرّوا يوسف، لكن يوسف نفسه لم يصبه الضرر. وقايين ألقى بشباكه لهابيل، ولكن هابيل لم يسقط فيها. وهذا هو السبب الذي لأجله وُجِدَتْ التأديبات والعقوبات.

فالله لا يرفع العقوبة عن مُدَبِّر الضرر لمجرد صلاح من يحتمل الضرر، بل يؤكد عقوبته بسبب شر صانع الإثم. فإنه بالرغم من أن الذين يسقط عليهم الشر، يصيرون أكثر مجدًا على حساب المكائد المُدَبَّرة ضدهم، لكن هذا لم يكن في نية مدبري الشر، إنما بسبب شجاعة من هم ضحيتهم. لذلك فإن الأخيرين تعد لهم أكاليل الحكمة، أما الأولون فتعد لهم جزاءات شرورهم.

هل سُلِبَتْ أموالك؟ اذكر تلك الكلمات: "عريانًا خرجتُ من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك" (أي 1: 21). وأضف إليها كلمات الرسول: "لأننا لم ندخل العالم بشيء وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء" (1 تى 6: 7).

هل أُسيء إلى سمعتك، وحملك البعض بشتائم لا حصر لها؟ اذكر العبارة القائلة: "ويل لكم إذ قال فيكم جميع الناس حسنًا" (لو 6: 26). وأيضًا إن "قالوا عليكم كلمة شريرة... افرحوا وتهللوا" (مت 5: 11).

هل أُخِذتَ إلى المنفي؟ اذكر أنه ليس لك هنا موضع، بل إن كنت حكيمًا يلزمك أن تنظر إلى العالم كله كأرض غربة.

هل أُصِبتَ بمرض خطير؟ اذكر ما يقوله الرسول: "إن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" (2 كو 4: 16).

هل يعانى إنسان من موت عنيف؟ ليتذكر يوحنا الذي قُطِعَ رأسه في السجن، وأُخِذَ في طَبَقٍ وقُدِّمَ مكافأة عن رقص زانية.

تأمل المكافأة التي تنالها على حساب هذه الأمور، فإنه عندما تسقط كل هذه الآلام ظلمًا من إنسان على آخر تنزع خطايانا وشرنا (إذ نتقبل الظلم بلا تذمُّر مؤمنين بالله مترجين الحياة الأخرى تَعْمل على تزكيتنا). إذن عظيم هو نفع هذه الأتعاب للذين يحتملونها بشجاعة!

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الأذى يصيب الظالم لا المظلوم!

إن كان ليس فقدان المال أو الافتراءات أو السب أو السبي أو الأمراض أو الاضطهادات بل ولا الموت الذي هو أفظع من هذا كله، يقدر أن يضر من يتعذبون به، بل بالحري يزداد نفعهم، فكيف تقدر أن تُثبتَ لي أن الإنسان لا يصيبه أذى متى حلَّ به شيء من هذا؟! إنني سأجتهد أن أثبت أكثر من هذا، أن الذين يصيبهم الأذى ويتألمون من الشر، هم أولئك الذين يصبون شرورهم على غيرهم. فإنه لا يوجد إنسان أكثر بؤسًا من قايين الذي صنع هكذا بأخيه (قتله)؟!

وما أكثر شقاء تلك المرأة التي لفيلبس (مت 14: 3)، حيث قطعَتْ رأس يوحنا؟ وما أعظم شقاء إخوة يوسف الذين باعوه للغرباء وأرسلوه إلى أرض غريبة؟! وشقاء الشيطان الذي ضايق أيوب بهذه النكبات العظيمة؟! لأنه لا يدفع حسابًا عنيفًا عن شروره فحسب بل وبسبب ما فعله بأيوب أيضًا.

أترون كيف جاءت الأدلة أكثر مما نتوقع، إذ ظهر أن الساقطين تحت الظلم لا تصيبهم جراحات، إنما يرجع الأذى علي رأس مدبري المكائد!

فإذ لا يقوم صلاح النفس على الغنى أو الحرية (الجسدية) أو عدم النفي وغير ذلك من الأمور التي أشرتُ إليها، بل على أفعال النفس، لذلك فإن أي ضرر يصيب هذه الأمور لن يلمس الصلاح البشري بأدنى أذى.

ماذا إذن؟ لنفرض أن إنسانًا يسئ إلى حياته الروحية، ثم يسيء إنسان إليه بضرر ما، فإن الأذى لا يأتيه من الغيرّ، إنما يكون نابعًا من داخل نفسه، من ذاته. ربما تتساءل: كيف ذلك؟ عندما يضرب إنسان آخر، أو يسلب ماله، أو يقذفه بشتائم قاسية أو يسبّه. فإن الإنسان الثاني يحتمل بالتأكيد ضررًا، بل وضررًا كثيرًا، لكن الأذى لا ينبع ممن أساء إليه بل من نفسه المتعبة. لأن ما سبق أن قلته أعود فأكرره. لا يوجد إنسان مهما بلغ شره يهاجم آخر بشرٍ أو عنفٍ، أشد من ذلك الشيطان الحاقد، العدو غير المُشفِق علينا، لكن حتى هذا الشيطان المتوحش لم يكن له سلطان أن يفسد ذلك الإنسان (أيوب) الذي عاش قبل الناموس وقبل عهد النعمة، رغم استخدامه أسلحة كثيرة حادة من كل جانب. هذه هي قوة نُبْل النفس!

وماذا أقول عن القديس بولس الرسول، ألم يحتمل أحزانًا كثيرة لا يمكن إحصائها، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. من إلقاء في السجن وتثقيل بالقيود ووضعه تحت حراسة مشددة، وجلد من اليهود ورجم وتمزق ظهره لا بالسياط فحسب بل وبالعصي أيضًا، وغرق في البحر، ومهاجمة لصوص في مرات كثيرة، وصراع مستمر مع بني جنسه ومع الأعداء والمعاندين، ومكائد بلا عدد، وجهاد في جوع وعُري، وكوارث، وأحزان دائمة... يكفي أن أقول إنه كان يموت كل يوم. وبالرغم من هذه الآلام المبرحة، لكنه لم ينطق بكلمة تجديف، بل أكثر من هذا في وسط هذه كان فرحًا مفتخرًا، بها. إذ يقول: "أفرح في آلامي" (كو 1: 24). ومرة أخرى: "وليس ذلك فقط، بل نفتخر أيضًا في الضيقات" (رو 5: 3). لقد كان فرحًا في أثناء تعذيبه بهذه الضيقات الشديدة، مفتخرًا بها. إذن فما هو العذر الذي تقدِّمه لتذمّرك بسبب عدم احتمالك لأمورٍ أقل من هذه؟!

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

هل الفقر يؤذيك؟

قد يقول قائل: لقد أصابني أذى بطريق أخر، وهو أنني وإن كنت لا أجدف بسبب سلب أموالي لكنى صرت عاجزًا عن تقديم الصدقة.

هذا اعتراض هيِّن وادّعاء بسيط. لأنك إن كنت تحزن بسبب هذا، فاعلم أن الفقر لا يقف حائلًا أمام العطاء. لأنه مهما بلغ فقرك لن يصل إلى فقر المرأة التي لم تملك إلا ملء كف من الدقيق (1 مل 17: 12)، أو تلك التي لم يكن معها سوى فلسيْن (لو 11: 2). هاتان المرأتان قدمتا كل ما لديهما. وقد كانتا موضع إعجاب فائق. ففقر عظيم كهذا لا يقف عائقًا أمام العطف، إذ إن صدقة من فلسيْن كانت وفيرة، تكشف عن كرم زائد يفوق كرم كل الأغنياء، وبالنية السليمة والغيرة المتقدة فاقت هؤلاء الذين ألقوا نقودًا كثيرة.

إذن، حتى في هذا الأمر لا يصيبك أذى، بل بالحري تكون قد انتفعتَ، نائلاً بتقديم صدقة صغيرة مكافأة أكثر مجدًا ممن يدفعون مبالغ ضخمة.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ملامح حياة محب المال

ومع ذلك فإنني أنطق بما أقوله دومًا. إن الشخصيات الحساسة التي تبتهج بأن تعفر وجوهها بتراب الأمور الزمنية، وتفرح بالأشياء الحاضرة، ليست مستعدة أن تتخلى حتى عن الورود الذابلة أو أن تترك مجرد ظلالها، لأن هذا هو حال الابتهاج بالزمنيات،... يوجد أناس جديرون بالرثاء وأكثر دناءة، يتعلقون بالأمور الزمنية أكثر من الأمور المستقبلة.

هيا نرفع الأقنعة (الأوجه الصناعية) المُفرِحة جميلة المنظر، التي تُغَطِّي عدم ضبط النفس القبيح المُزَيَّف.

لنفضح بشاعة هذه المرأة العاهرة. لأنه هكذا تشبه الحياة المتفرغة للتنعم وحب الغنى والسلطة (الكبرياء). إنها حياة خبيثة وقبيحة ومملوءة بغضة شديدة ومكروهة، مملوءة أثقالًا ومُحَمَّلة بالمرارة. لأنه بالحقيقة هذه هي ملامح الحياة التي من يتمسك بها ليس له أي عذر.

وبالرغم من أن هذا هو هدف اشتياقهم وسعيهم، إلاَّ أن حياتهم مشحونة بالمضايقات الكثيرة والكَرْب، ومملوءة بشرورٍ لا تُحصَى ومخاطر وسفك دم وفجوات هاوية ووعرة وقتل ومخاوف ورعب وحسد وسوء نية ومكائد، وقلق مستمر وهم دائم، ومع هذا كله لا يحصل على نفعٍ ولا يأتي من هذه المخاطر الكثيرة بثمارٍ سوى العقوبة والانتقام والعذاب المستمر.

ولو أن هذه هي صفات حياة محبي المال، لكنها تبدو لغالبية البشر أنها موضع طمع وشغف زائد. وهذا يكشف لا عن بركة المادة ذاتها بل غباوة الذين أُسِروا في حبها.

حقًا إن الأطفال الصغار يشتاقون إلى أدوات اللعب إذ هي تثيرهم، ولا يقدرون أن يدركوا من ذواتهم الأمور التي تجعلهم رجالًا ناضجين كاملين. هؤلاء الأطفال لهم عذرهم بسبب عدم نضجهم. أما هؤلاء (المأسورون بمحبة المال) فليس لهم حق الدفاع، لأنهم رغم نضوج سنهم إلاَّ أنهم لازالوا أطفالًا في طبعهم، وأكثر من الأطفال سذاجة في مسلكهم في الحياة.

 

والآن قل لي لماذا يكون المال هدفًا للطمع؟

لابد لي أن أبدأ من هذه النقطة حيث أن كثيرين قد أصيبوا بهذا المرض الخطير، فيبدو لهم أن المال أفضل من الصحة والحياة والسُمعة الطيبة والصيت الحسن، وأفضل من المدينة (المجتمع)، والعائلة والأصدقاء والأقرباء وأي شيء آخر.

أضف إلى هذا أن لهيب (محبة المال) صعد إلى السحب عينها، والحرارة القاتلة تملَّكتْ على الأرض والبحر. ولا يوجد من يطفئ هذه النار، بل يعمل الناس جميعهم على زيادة التهابها، سواء أولئك الذين لحِقَتْ بهم نيرانها أو لم تلحق النيران بعد بهم، حتى يصير الكل أسيرًا لها.

وها أنت ترى أن كل واحدٍ: الزوج والزوجة، العبد والحرّ، الغني والفقير... يحمل الكل قدر استطاعته وقودًا يزيد إشعال هذه النيران (محبة المال) نهارًا وليلًا. يحملون وقودًا لا من خشب أو عيدان، لأنها ليست من هذا النوع، بل وقودًا هو أرواح الأشرار الآثمة وأجسادهم. هذه هي المادة التي اعتادت هذه النار أن تشتعل بواسطتها.

لأن هؤلاء الذين لهم غِنَى لا يضعون حدًا لهذه الشهوة الرهيبة في أي مكان، حتى وإن طافوا العالم كله. كذلك الفقير يتضايق لكي يأخذ نصيبًا وافرًا، من الغِنَى وهكذا يسيطر على أرواح الجميع نوع من الخبل عديم الشفاء، والجنون الذي لا يمكن مقاومته، والمرض الذي لا علاج له.

هذا الميل النفسي (محبة المال) يتغلب على كل عاطفة أخرى وينزعها من النفس، فلا يعود يهمه صديقه أو قريبه... بل ولا يبالي بزوجته أو أولاده... فهل يمكن أن يكون له أناس أعزاء أكثر من هؤلاء؟!

عندما تأسر هذه السيدة (محبة المال) المتوحشة القاسية روح الإنسان، تتحطم بالنسبة لها كل القيم على الأرض، وتصير تحت موطئ الأقدام.

 

مقارنة بين السيدة القاسية ومحبة المال

كما أن السيدة القاسية القلب، الطاغية العنيفة، البربرية المتوحشة، التي تطلب ثمنًا غاليًا لشرها، هذه الشريرة تستنزف هؤلاء الذين يسقطون في أسرها، وتفسدهم وتسبب لهم أخطارًا لا حصر لها. وبالرغم من كونها مرعبة وقاسية القلب ومتوحشة وعنيفة، لها صورة البربري، بل بالحري صور الوحوش الضارية بل وأعنف من الذئب والأسد، إلاَّ أنها تبدو لمن أَسَرَتهم في حبالها كما لو كانت لطيفة ومحبوبة وأحلى من العسل.

وبالرغم من أنها تُشْهِر ضدهم سيوفًا وأسلحة وتحفر لهم حفرًا لاصطيادهم وتقودهم إلى أماكنٍ هاويةٍ وصخورٍ شامخةٍ وشباكٍ لا نهاية لها... ومع هذا فإنها تعمل علي أن تجعل هذه الأمور موضع طمع للمأسورين في شباكها، والراغبين في هذا الأسر.

 

مقارنة بين الحيوانات غير العاقلة ومحبة المال

وكما أن الخنزير يفرح ويلهو بانغماسه في الوَحْل والطين، والحشرات تزحف دائمًا مبتهجة بالروث، هكذا المأسورين بمحبة المال هم أكثر بؤسًا من هذه المخلوقات. لأن الرجاسة هنا أعظم، والوَحْل أكثر قذارة، لأن المنهمكين في هذا الميل (محبة المال) يظنون أنهم ينالون فرحًا عظيمًا. هذا الفرح لا ينبع من المادة ذاتها، بل من فهمهم المتأثر بمثل هذا الميل السخيف. هذا التذوق أردأ من تذوق الحيوانات الأعجمية. فكما أنه لا يكمن الفرح في الوَحْل والروث بل في طبيعة المخلوقات غير العاقلة (الخنزير والحشرات) التي تنغمس فيها، هكذا أيضًا بالنسبة للمخلوقات البشرية.

 

محبة المال وليس سلب أموالك هو الذي يؤذيك[4]

وكيف يمكننا معالجة أولئك الذين هذا هو حالهم (كالخنزير والحشرات)؟ علاجهم يكون سهلًا إن أنصتوا بآذانهم لنا، وفتحوا قلوبهم، وقَبِلُوا كلماتنا. لأنه بالنسبة للحيوانات غير العاقلة يستحيل عليها الإقلاع عن عاداتها غير المُستحَبة، لأنها عديمة العقل. أما هؤلاء الذين هم أسمى المخلوقات الأرضية، الذين تشرَّفوا بالعدل والنطق، أقصد البشر، يلزمهم إن أرادوا أن يستعدوا للهروب من الوحل والنتانة والروث ونجاسته، وهذا سهل عليهم.

لا يمكنك أن تعدد الأسباب (التي تدفعك لمحبة المال) سوى اللذة والكبرياء والخوف والقدرة على الانتقام.

فالثروة عادة لا تعمل على أن يصير الإنسان حكيمًا أو ضابطًا لذاته أو أكثر وداعة أو تعقُّلاً أو متحننًا أو محبًا أو متساميًا على الغضب والنهم واللذة. إنها لا تُدَرِّب الإنسان ليكون عفيفًا أو تُعَلِّمه التواضع، ولا تبدأ أو تزرع أي نصيب من الفضيلة في الروح.

وأظن أنه لا يقدر أن يقول عن أي شيء من هذه الأمور أنها تستحق أن يطلبها الإنسان ويشتهيها بكدٍ. لأن محبة الغِنَى لا تجعل الإنسان يجهل كيفية غرس أو زرع أية فضيلة فقط، بل وإن وَجَدَتْ فيه مخزنًا من الأعمال الصالحة، فإنها تعمل على إفسادها وتوقف نموها. بل وتقتلع بعض الفضائل ليحل محلها ما يضادها من تهوُّر غير محدود وحنق زائد وغضب شرير وكبرياء وحُب ظهور وغباء.

دعني لا أتكلم عن هذا، لأن أولئك الذين أمسكوا بهذا المرض (محبة المال) لا يقدرون أن يحتملوا السماع عن الفضيلة والرذيلة. إذ قد تشبّعوا باللذة واستُعبِدوا لها. فلنترك الزمن بنفسه يعلن هذه الأمور. والآن نتكلم عن الأمور الأخرى الباقية وهي "هل الثروة فيها سعادة وكرامة؟" لأنه في نظري أن الأمر على نقيض هذا.

[تكلَّم القديس يوحنا الذهبي الفم بإطالة مقارنًا بين طعام الغَنِي وطعام الفقير، مُظْهِرًا، الأمراض الفسيولوچية التي يخضع لها كثير من الأغنياء بسبب الشَرَه في الأكل، كما تحدَّث عن الاستعباد لشهوة الأكل والشرب. وأخيرًا قارن بين السعادة التي يشعر بها الغني والفقير أثناء الأكل، مؤكدًا أن اللذة لا تتوقف على نوع الطعام بل على اشتياق الإنسان واحتياجه للطعام. وقد علَّق على قول الرب بلسان النبي: "من الصخرة كنت أشبعك عسلًا" (مز 81: 16). قائلًا بأن الله لم يخرج لهم عسلًا بل ماء، لكن في إرهاقهم وتعبهم وجهادهم في السير صار الماء عسلًا في أفواههم. هذا بالنسبة لمائدة الفقير، أما الغني فمائدته لا يشعر الآكلون منها بالسعادة، حتى ما هو حلو فيها يصير بالنسبة لهم مرًا (راجع أم 27: 7).]

 

هل الثروة تجلب الكرامة؟

قد يقول قائل: لكن الثروة تضفي على صاحبها كرامة، وتُمَكِّنه من الانتقام من أعدائه بسهولة. أسألك: هل هذا هو السبب الذي لأجله تبدو لك الثروة موضوع شوق يستحق النضال من أجلها. إذ تعمل على إثارة ميول خطيرة في طبيعتنا، فتقود الغضب إلى حيز التنفيذ، وتزيد فقاعات الطمع الفارغة، وتحث البشر وتثيرهم نحو الزهو؟! فلماذا لا يكون هذا هو السبب عينه الذي يدفعنا إلى أن نعطي للثروة ظهرنا بحزمٍ، لأنها تُدْخِل في قلوبنا حيوانات مفترسة قاسية وخطيرة، فتنزعنا من الكرامة الحقيقية التي يلزم أن تكون لنا وتُقَدِّم ما هو مضاد للكرامة الحقيقية لمن ينخدعون بواسطتها، ويكون عملها عندئذ أن تكسي ما هو مضاد للكرامة ألوانًا حتى يحسبونها كرامة مع إنها ليست كذلك في حقيقتها...

فكما أن جمال العاهرات يكمن في طلاء الألوان والأصباغ، ومع أن وجوههن قبيحة دنسة مفتقرة إلى الجمال الحقيقي، لكنها تبدو لمن يُخدَعون أنها حسنة وجميلة... هكذا أيضًا (حب المال) يعمل على إظهار التملق أنه كرامة.

أتوسل إليك ألاَّ تعطي اعتبارًا للمديح الذي يُقَدَّم بسبب الخوف منك أو لتملقك، فإن هذا في حقيقته ليس إلاَّ ألوانًا ناصعة وأصباغ. فإن كشفتَ الضمير الداخلي لكل فردٍ من الذي يتملقونك بهذه الطريقة، تجد فيه اتهامات لا حد لها موجّهة ضدك، كما تجد شتائم وبغض أكثر مما يصبه لك الأعداء والمقاومون لك. فإذا حدث أن تغيرت الظروف بحيث تحرك وانفضح القناع (أو الوجه المستعار) الذي أوجده الخوف... عندئذ سترى بوضوح كيف يزدرى بك إلى أبعد حد أولئك الذين كانوا قبلاً يتوددون إليك، وتعرف أنك كنت متخيلًا أنك متمتع بالكرامة من هؤلاء الذين يكرهونك، هؤلاء الذين تغلي في داخل قلوبهم شتائم لا حد لها ضدك، ويشتاقون أن يروك وقد حلّتْ بك مصائب فادحة.

إذن لا يوجد مثل الفضيلة لتنال الكرامة، لا عن سلطة أو تصنُّع ولا تكمن تحت قناع الخداع، بل الكرامة التي بحق وأصيلة، وقادرة أن تثبت مع تجارب الزمن القاسية.

 

هل يساعدك المال على الانتقام؟

لكن هل ترغب في الانتقام من مُضايقيك؟ هذا هو السبب -كما كنت أقول حتى الآن- الذي لأجله يجب أن نتجنب المال (حب المال)، لأن هذا يجعلك تستل سيفك ضد نفسك، ويردك مطالبًا بحِمْل ثقيل يوم الحساب الآتي، ويجعل عقابك غير مُحتَمَل.

لأن الانتقام هو شر عظيم، حتى أنه يعمل على نزع المراحم الإلهية، ويفسد المغفرة التي وُهِبَتْ لك عن الخطايا غير المحصية. لأن الذي نال عفوًا عن دين من عشرة آلاف وزنة، هذا بعدما نال العفو العظيم بمجرد أن طالب العبد رفيقه بالديْن الذي له عنده وهو مئة دينار، كانت هذه المطالبة بالنسبة له بمثابة تعدٍ على نفسه، إذ بقسوته على زميله أخضع نفسه للإدانة (إذ عاد السيد يطلب منه الديْن الذي أعفاه منه) فلهذا السبب، وليس لسبب آخر سحبه المُعَذِّبون، وصار هناك مرهونًا ومطالبًا بتسديد العشرة آلاف وزنة، ولم يُسمَح له لا بالاعتذار، ولا بالدفاع، إنما نال عقوبة عظيمة، وطُلِبَ منه الدين الذي كان الحنان الإلهي قد أعفاه منه سابقًا (مت 18: 23- 35).

أسألك، هل لهذا السبب تطلب الثروة، مناضلًا بشوقٍ عظيمٍ هكذا، إذ تقودك إلى خطية من هذا النوع؟! نعم، بالحقيقة إنه السبب الذي لأجله يلزمك أن تشمئز من محبة المال كعدوٍ وخصمٍ، إذ تنتج جرائم لا حصر لها.

 

هل أضر الفقر بلعازر؟

قد يقول قائل: إن الفقر يجعل الناس متضجرين، وغالبًا ما يدفعهم إلى النطق بكلمات تجديف، وينزل بهم إلى الأعمال الدنيئة.

ليس الفقر هو الذي يفعل بالإنسان هكذا، بل دناءة النفس. لأن لعازر كان فقيرًا، نعم كان فقيرًا جدًا، ويعاني بجانب فقره من ضعف جسدي أقسى بكثير من الفقر في أي صورة من صوره، الأمر الذي جعل فقره قاسيًا جدًا. وبجانب هذا الضعف أيضًا، كان محرومًا تمامًا من الذين يعولونه، مع صعوبة إيجاد أية مؤونة لسد أعوازه، الأمر الذي ضاعف من مرارة فقره وضعفه... فعدم وجود من يعوله، يجعل ألمه أشد، واللهيب أقسى، والكارثة أمرّ والمُجَرِّب أكثر وحشية، والأمواج عنيفة والأتون أكثر اتقادًا...

وهناك أيضًا تجربة رابعة بجانب الجوانب الثلاثة السابقة، وهي عدم اكتراث الغَنِي به رغم ترفه.

وإن أردتَ، تجد أيضًا أمرًا خامسًا يزيد التهاب النار... وهو أن الغني ليس فقط يعيش في حياة ترف، بل ويرى الفقير مرتيْن وثلاثًا بل ومرات عديدة، يراه كل يوم مُلْقَى عند بابه، في مشهدٍ خطيرٍ لكارثةٍ يُرثَى لها، مجرد النظر إليه يكفي أن يلين القلب الحجري، ومع هذا فإن المنظر لم يدفع الرجل القاسي إلى مساعدة هذا الفقير إلى هذه الدرجة؛ إنما كان يقيم مائدته المترفة، عليها الكؤوس المُزَيَّنة بالورود، والنبيذ النقي يصب بغزارة، لديه جيوش من الطباخين والمتطفلين والمتملقين يعملون منذ الفجر المُبَكِّر، وفِرَق من المغنين وحاملي الكؤوس والمُهَرِّجين، ويقضي كل وقته منغمسًا في الملذات والسكر والأكل بشراهة، متنعمًا بالملبس والأكل وبأمور أخرى كثيرة. فمع أنه كان يرى هذا الفقير منكوبًا بالجوع الزائد والضعف الجسدي المُرّ وبالقروح الكثيرة، والحرمان والمرض الناتج عن هذا الحال، إلاّ أنه لم يفكر فيه. فالمتطفلون والمتملقون كانوا يتنعمون بأكثر من احتياجهم، أما الفقير الذي كان فقيرًا جدًا ومنكوبًا بمآسٍ كثيرة، لم يُعطَ له حتى الفتات الساقط من مائدته رغم اشتهائه له بشوق عظيم.

ورغم هذا كله، فإن شيئًا من هذه الأمور لم تؤذِ لعازر، إذ لم ينطق بكلمة قاسية، ولا تكلَّم بحديث دنيء، إنما كان كقطعة الذهب التي تشع ببريق أعظم كلما تنقت بنار متزايدة. بالرغم من هذه الضيقات التي أحاطت به ، إلاّ أنه تسامى عليها وعلى ما تنتجه هذه الأمور من هياجٍ.

فإن كنا نتكلم عن الفقراء عامة وما يثور في نفوسهم من حسدٍ وما يتعذبون به من تفكير الحقد الرديء عند رؤيتهم للأغنياء، ناظرين إلى أنه لا تستحق الحياة المتسمة بالفقر أن توجد. هذا ما يفكر فيه الفقراء الذين يجدون القوت الضروري ولهم من يعطيهم أعوازهم، فكم يكون هذا الفقير لعازر. ألم يكن بحق حكيمًا جدًا، طيب القلب. إذ يرى نفسه أفقر من كل الفقراء، بل وبه ضعف. وليس له من يحميه آو يعطف عليه. مُلْقَى في وسط المدينة وكأنه في وسط صحراء بعيدة، يتلوى من مرارة الجوع، ويرى كل الخيرات تتدفق على الغَنِي كما من نافورة، وليس له أية تعزية بشرية. لقد كان لعازر مُلقَى كغذاء دائم تلحسه ألسنة الكلاب، وبسبب ضعفه وجسده المُحَطَّم لم يكن يقدر حتى على طردها!

أما تدرك إذن أن الذي لا يؤذي نفسه لا يقدر أن يؤذيه شيء؟... لأنه أي ضرر أصاب هذا من ضعف جسمه، أو عدم وجود من يحميه، أو التفاف الكلاب حوله، أو من شر مجاورته للغني ورؤيته عظم الترف والتنعم والكبرياء الذي للأخير؟ هل هذه الأمور أضعفته ليضاد الفضيلة؟! هل أوهنتْ هدفه؟!

لم يؤذِه شيء بالكلية، بل كثرة أتعابه مع قسوة الغني زودته قوةً، وصارت بالنسبة له دُعَامة لنوال أكاليل النصرة غير المتناهية، كوسائل تزداد بها مكافأته، وباعث لنوال جزائه... لأنه كان يحتمل تجربته بشجاعةٍ وثباتٍ عظيم...

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(4) أطال القديس الذهبي الفم الحديث عن الغنى قاصدًا محبة الغنى والمال، وأفاض عما يسببه من أذى للنفس، وكيف أن الفقر في ذاته لا يضر. وقد اختصرت هنا الحديث، مكتفيًا ببعض أقواله.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/fr-tadros-malaty/who-can-harm-you/dont-fret.html