St-Takla.org  >   books  >   fr-bishoy-fayek  >   beginning-of-time
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب بداية الزمان: الأصحاحات الأولى من سفر التكوين - القس بيشوي فايق

29- والعداوة القديمة هدمتها

 

"وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي" (1تي2: 14).

"كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي" (1يو3: 4).

كيف تمكنت الحية (الشيطان) من زرع العداوة في قلب الإنسان تجاه الله، وكيف أقامت حاجزًا فاصلًا في قلب الإنسان نحو الله، حتى لا يدرك حب الله له؟ وكيف نقض الله هذا السياج الذي فصلنا عنه؟

فيما يلي نناقش، ونحلل أحداث سقوط الأنسان الأول وتدبير الله العظيم، ليخلصه من هذه الغواية.

لقد زرعت الحية العداوة في قلب أمنا حواء، بمكر وخداع من خلال عدة خطوات أو على مراحل. فيما يلي نذكر تلك المراحل بالتفصيل:

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

· إظهار الود والمحبة الكاذبة

توددت الحية لأمنا حواء وقد استخدمت حيلتين للوصول لغرضها الشرير وهما:

1. إثارة مشاعر الرثاء والألم لما أصاب أمنا حواء، نتيجة حرمانها من الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، وذلك بقولها: "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟" (تك3: 1).

2. استعمال أسلوب المبالغة والتضخيم، ويظهر ذلك من خلال السؤال السابق، الذي طرحته الحية على أمنا حواء. لقد كانت الحية تعلم تمامًا أن الله قد منعها من الأكل من شجرة واحدة فقط، ومع هذا استفسرت بنبرة أَسى عن حرمان الله لها من الأكل من كل شجر الجنة.

 

· تأثُر أمنا حواء بكلام الحية

صدقت أمنا حواء الحية، وتأثرت من نغمة الأسى التي خاطبتها بها، ويتضح ذلك من مبالغتها وتضخيمها هي أيضًا في قرار الحرمان. لقد كان قرار الحرمان هو عدم الأكل من الشجرة فقط، ولكن تأثر أمنا حواء دفعها للمبالغة، وإضافة القول بأن الله أمرها بعدم لمس الثمرة أيضًا، قائلًة: "وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا" (تك3: 3).

 

· الخدعة الكبرى

انخدعت أمنا حواء وصدقت أقوال الحية الماكرة، بعدما توددت إليها، لقد شككتها في محبة الله لها، وابتدأت أمنا حواء تنصت للحية، وبالتدريج تصدق ما تقوله الحية، ولم تكتف الحية بهذا، لكنها أسرعت بجرأة وقلة حياء تُكَذِّب كلام الله، قائلة: "بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 5). كملت الحية مكيال شرورها بالتجديف على الله، والادعاء بأن الله يخشى لئلا يصير الإنسان مثله.

 

St-Takla.org Image: Adam and Eve in the Garden of Eden, talking to the Serpent, and picking the forbidden fruit - by jeffjacobs1990. صورة في موقع الأنبا تكلا: آدم وحواء جنة عدن، والحديث مع الحية، والأكل من الثمرة المحرمة، لجيفجيكوبز1990.

St-Takla.org Image: Adam and Eve in the Garden of Eden, talking to the Serpent, and picking the forbidden fruit - by jeffjacobs1990.

صورة في موقع الأنبا تكلا: آدم وحواء جنة عدن، والحديث مع الحية، والأكل من الثمرة المحرمة، لجيفجيكوبز1990.

· الشهوة تتسرب إلى قلب الإنسان

التفتت حواء لتنظر إلى الشجرة، ولكن هذه المرة اختلفت رؤيتها للشجرة... من شجرة ضارة وثمرتها مميتة إلى شجرة ثمرتها تجعل الإنسان عظيمًا مثل الله. لقد فقدت مصداقيتها لله، الذي كانت تؤمن أنه يحبها؛ فوجدت الشهوة لها مكانًا في قلبها. وهكذا رأت أيضًا الشجرة لذيدة للأكل، ومنظرها مبهج.

ظلت الحية منتظرة في مكانها، وهي تلح على أمنا حواء، وتدفعها للإسراع لقطف الثمرة، ولم تترك الحية مكانها، إلا بعدما أكلت أمنا الثمرة، وأعطت رجلها، وهكذا تمكنت الشهوة منها، كقول الكتاب: "وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا" (يع1: 14- 15).

← اقرأ هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت كتب أخرى لنفس المؤلف.

 

· اهتمام الجسد عداوة لله

تحكمت الذات في الإنسان، وملكت عليه عن طريق شهوات الجسد الكثيرة التي لا تنتهي، والتي أيضًا لا تشبع النفس، كقول الرب للمرأة السامرية: "أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا" (يو4: 13). ولكن الجسد دائمًا يهتم بأموره وشهواته، التي لا ترضي الله، كقول الكتاب: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ ِللهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ" (رو8: 7). وأبسط مثال لذلك جرأة أمنا حواء، وتعديها على وصية الله في سبيل الحصول على الثمرة التي اشتهتها، وهي غير مكترثة بما سينتج عن ذلك من عداوة لله، وهكذا حلت العداوة بين الله والإنسان، وصارت العداوة فاصلًا بينه وبين الله، بدلًا من السلام مع الله والإيمان بحبه وأبوته.

 

· الرب يسوع يبطل العداوة

لم يترك الله الإنسان للهلاك الأبدي، لكنه قتل العداوة، ونقض الحاجز الفاصل بينه وبين الإنسان، كقول الكتاب: "لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ أَيِ الْعَدَاوَةَ..." (أف2: 14-15).

 لقد أظهر الله غنى رحمته وحبه بتجسده وموته عن الإنسان، كقول الكتاب: "لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في2: 7- 8). لقد قتل الله العداوة بحبه العجيب، وصالحنا بدم صليبه، كقول الكتاب: "وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلًا الْعَدَاوَةَ بِهِ" (أف2: 16).

 

· حب تجلّى من خلال الرحمة

إنَّ تجسد ابن الله وفداءه للبشر الخطاة هو عمل رحمة. لقد بيّن الفداء حب الله العظيم الفائق نحو البشر، كقول الكتاب: "فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ. وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رو5: 7- 8). وقوله أيضًا: "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا" (أف2: 4). إن حب الله للبشر الخطاة بصورة لا مثيل لها.

 

· علاج العداوة التي يزرعها الشرير

ما زال إبليس يزرع العداوة في قلوب البشر من نحو الله بالإيحاء كذبًا، بأن الله لا يبالي بالبشر خصوصًا في وقت شدائدهم، ولكن الله ما زال على استعداد لإظهار حبه لكل نفس، ولكن هل تُقبِل كل نفس نحو الله لتدرك حبه وتَقبل نعمته؟. لقد تضرع معلمنا بولس الرسول لله عسى أن يدرك مخدوميه عظمة حب المسيح، بحسب قوله: "لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ" (أف3: 17- 19). إن من يدرك هذا الحب العجيب لا يمكن أن ينفصل عن الله مهما عظم مقدار الشدائد والضيقات، التي تواجهه.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الاستنتاج

· تتمكن الحية من زرع العداوة في قلوب بني البشر لسببين وهما:

1. التودد إلى ضحاياها حتى يصغوا لها، وهو ما ينتج عنه الشك وفقدان الثقة والإيمان في محبة الله.

2. تحول الهدف والنية والقصد داخل قلوب البشر من طاعة الله وتقواه وعبادته إلى إرضاء الذات والشهوات وعبادتها، وهذا ما حدث للإنسان الأول الذي اُستعبد لذاته، وصار خاضعًا لإبليس وابنًا للمعصية والهلاك بالشهوة، التي يغريه بها إبليس.

إن الله ينقض العداوة والشر من قلوب البشر نحوه بإظهار، وتقديم حبه ورعايته لبني البشر، وسكبه محبته في قلوبهم بالروح القدس، لعلهم يطيعوا وصاياه المعطية الحياة، ويخضعوا له في اتضاع.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/fr-bishoy-fayek/beginning-of-time/feud.html