St-Takla.org  >   books  >   fr-bishoy-fayek  >   beginning-of-time
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب بداية الزمان: الأصحاحات الأولى من سفر التكوين - القس بيشوي فايق

37- وتأكل من عشب الحقل

 

"وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ" (تك3: 18).

خصص الله طعام الإنسان عندما جبله، قائلًا له: "وَقَالَ اللهُ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا" (تك1: 29). وخصص الله أيضًا طعام الحيوان، بقوله: "وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا. وَكَانَ كَذلِكَ" (تك1: 30). 

ولكن لماذا أضاف الله لطعام الإنسان العشب الذي هو طعام الحيوان، وهل في هذا إجبار للإنسان أن يأكل العشب؟ 

إن الإجابة بالطبع لا، ذلك لأن الإنسان ما زال يأكل ما قرره الله له من طعام منذ بداية خلقته.

ولكن ما معنى أكل الإنسان إذًا _بعد سقوطه في الخطية_ من العشب الذي يأكله الحيوان؟

في التأمل التالي نناقش ماذا قصد الله من أكل الإنسان عشب الحقل..

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

· الحيوان يأكل عشب الأرض

تنظر الحيوانات برؤوسها إلى أسفل، ولا يمكنها التطلع إلى أعلى، ولهذا كان مناسبًا أن تأكل الحيوانات من عشب الحقل الذي ينبت من الأرض، وينمو قريبًا من سطحها. أما الإنسان فهو يتطلع إلى أعلى، ولا يضره وجود طعامه على الأشجار، ولكن قول الله بالأكل من عشب الحقل قد جاء بعد السقوط كنتيجة وثمرة من ثمار الخطية والسقوط. 

إن الله يعطي كل كائن حي ما يتناسب مع طبيعته وتكوينه، كقول المرنم في المزمور: "الْمُنْبِتُ عُشْبًا لِلْبَهَائِمِ، وَخُضْرَةً لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ، لإِخْرَاجِ خُبْزٍ مِنَ الأَرْضِ" (مز104: 14).

 

· الشره والنهم صفة تميز حيوانات الحقل

إن الجهاز الهضمي للحيوانات التي ترعى في الحقول مجهز لهضم مادة السليولوز Cellulose، التي تحتويها الأعشاب، كما أن معدة حيوانات الحقل أيضًا يمكنها اختزان كميات كبيرة من الأعشاب، ثم إعادة هضمها مرة أخرى (خاصية الاجترار)، ولذا فهذه الحيوانات تقضي أغلب يومها في التهام كميات كبيرة من عشب الحقل، مما يعطلها عن العمل في الحقل. لقد تعلم الإنسان أن يكمم أفواه هذه الحيوانات، وقت استخدامها في العمل حتى لا تتعطل أشغاله. وقد حذر الوحي الإلهي الإنسان من النهم، ولهذا وصف معلمنا بولس الرسول أمثال هؤلاء الشهوانيون، بقوله: "قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ: "الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ. وُحُوشٌ رَدِيَّةٌ. بُطُونٌ بَطَّالَةٌ" (تي1: 12).

 

St-Takla.org Image: Grass - Fasil Bath, Gonder - From St-Takla.org's Ethiopia visit - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, April-June 2008. صورة في موقع الأنبا تكلا:  حشائش - من ألبوم صور آثار حمام فاسيل الملك، جوندر، الحبشة - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، من رحلة موقع الأنبا تكلا إلى إثيوبيا، إبريل - يونيو 2008.

St-Takla.org Image: Grass - Fasil Bath, Gonder - From St-Takla.org's Ethiopia visit - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, April-June 2008.

صورة في موقع الأنبا تكلا:  حشائش - من ألبوم صور آثار حمام فاسيل الملك، جوندر، الحبشة - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، من رحلة موقع الأنبا تكلا إلى إثيوبيا، إبريل - يونيو 2008.

· أكل عشب الحقل لا يناسب الإنسان المخلوق على صورة خالقه

ليس من المنطقي أن يكون قول الله بأكل عشب الحقل هو حكم إلهي بأكل عشب الحقل، لأن الإنسان ظل يأكل طعامه كالمعتاد، وهو حرٌ فيما يأكله من أنواع الأطعمة المختلفة، ولكن استعباد الإنسان لشهواته يجعله شبيهًا بالحيوان، الذي لا يشبع من عشب الحقل، كقول الكتاب: "اَلْهَاوِيَةُ وَالْهَلاَكُ لاَ يَشْبَعَانِ، وَكَذَا عَيْنَا الإِنْسَانِ لاَ تَشْبَعَانِ" (أم27: 20).

لقد نهى الكتاب المقدس المؤمنين من الانغماس في شهوات الجسد، التي لا تشبع النفس، وقد علمنا القديس بولس الرسول ضرورة ضبط النفس، بقوله: "أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ" (في4: 12). 

← اقرأ هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت كتب أخرى لنفس المؤلف.

 

· الجسد يشتهي ضد الروح

لا يكف الجسد المادي عن طلب الشهوات، وقد أكد الرب يسوع المسيح أن الإنسان الجسداني أي الخالي من نعمة الله هو جسد، أي جسداني وشهواني، كقوله: "اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ" (يو3: 6). إن روح الإنسان المملوءة من نعمة الله تشتهي الأمور الروحية السماوية، لأن تلك الأمور هي راحتها وسلامها، وهكذا يقاوم الجسد والروح كل منهما الآخر، كقول الكتاب: "لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ" (غل5: 17). 

 

· مثال عملي

أتخذ الكتاب المقدس من نبوخذ نصر ملك بابل مثالًا واضحًا عن نتيجة فقدان الإنسان نعمة الله. لقد انغمس نبوخذ نصر المتعجرف والظالم في شهوات كثيرة، ليرضي جسده وكبرياءه، ولكن الله حذره، وطالبه بالتوبة، وبعمل الرحمة، ولما لم يستجيب الملك لنداء التوبة تغير عقله، وطالت أظفاره، وشابه الحيوان؛ فطرده أعيان مملكته من قصره، ليحيا مع الحيوانات، ذلك لأن الله أسلمه لشهواته، كقول الكتاب: "يَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، وَيَبُلُّونَكَ بِنَدَى السَّمَاءِ، فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَيُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ" (دا4: 25). 

 

· فقدان النعمة يحدر الإنسان إلى الجسديات

تُفارق النعمة الإلهية الإنسان الجسداني الشهواني، لأنه لا يطلب رضا الله، ولذلك تتحكم فيه شهواته أكثر فأكثر، وينحدر من القداسة والسمو إلى الشهوة والدناءة، طالبًا تتميم شهواته، التي لا تنتهي، ولا تهدأ، وهو في هذا يتمثل بالحيوانات، التي لا تشبع، ولا تدرك، ولا تفهم، مثل هذا الإنسان يقدم جسده وأفكاره أداة للشر، كقول الكتاب: "الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا" (أف2: 3). وهكذا يتحكم فيه إبليس، الذي وصفه الكتاب، قائلًا: "... رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ" (أف2: 2).

 

· الإنسان الروحاني السامي

لقد ولدنا الله ثانيةً من فوق من الماء والروح وأعطانا روحه القدوس، لكي نشتهي الأمور السماوية العلوية، فنسلك فيها، ولكن الجسد ما زال فينا يشتهي ضد أرواحنا. إننا في هذا العالم لم نتخلص بعد من خبرات الجسد الشهوانية الشريرة وثوراته، التي تثور فينا بين الحين والآخر، وليس ذلك فقط، بل يستغل إبليس وقت ضعف الناس الروحي وانشغالهم ليقتنصهم، ويفترسهم كأسد يهلك فريسته، ولهذا نادى معلمنا بولس الرسول بضرورة ضبط الجسد، قائلًا: " بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كو9: 27)..

 إن الانشغال بالأباطيل الكاذبة أي الشهوات الكثيرة هو السبب الأول لفقدان النعمة، وما ينتج عنها من انحدار في هوة الشهوات المريرة، كقول يونان النبي: "اَلَّذِينَ يُرَاعُونَ أَبَاطِيلَ كَاذِبَةً يَتْرُكُونَ نِعْمَتَهُمْ" (يون2: 8).

 

· الغلبة للنفوس الشبعانة

إن الشبع الروحي يجعل النفس تتذوق، وتتمتع بالنعمة الإلهية الطيبة؛ فتحيا لله رافضة الشهوات والأهواء، كقول الكتاب: "وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ" (غل5: 24). 

حقًا ما أعظم نعمة الله، التي تغني نفس الإنسان، وتعطيه القدرة أن يتغلب في سهولة ويسر على الخطايا والشهوات، كما فعل يوسف الصديق. لقد صدق حقًا الكتاب في قوله: "اَلنَّفْسُ الشَّبْعَانَةُ تَدُوسُ الْعَسَلَ، وَلِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرّ حُلْوٌ" (أم27: 7). ولكن الشبع الروحي والنفسي لا يأتي دون جهاد الإنسان في الالتصاق بالله ودراسة وفهم كلمة الله.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/fr-bishoy-fayek/beginning-of-time/eat.html