St-Takla.org  >   books  >   anba-bimen  >   body-sex
 
St-Takla.org  >   books  >   anba-bimen  >   body-sex

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب الجسد والجنس من منظار مسيحي - تأليف: كوستي بندلي - إعداد الأنبا بيمن

13- الخلاص هو في انفتاح الجسد الجنسي لا في محاولة إلغائه

 

 (6) الخلاص هو في انفتاح الجسد الجنسي لا في محاولة إلغائه: 

لكن إيماننا بالقيامة "بقيامة الأجساد" يقتضي أن يكون موقفنا من الجسد موقف اعتبار وتعهد لا موقف تنكر ورفض لذا كان لا بُد لنا في نهاية هذا الحديث الاشارة إلى انحراف يهددنا. فإذا كان انغلاق الجسد الجنسي على ذاته وتقوقعه النرجسی ضمن دائرة حاجاته موقنًا ينم عن عدم نضج على الصعيد النفسي أو الروحي أو كليهما معا، واذا كان هذا الموقف يحكم على هذا الجسد بالفشل في بلوغ امنيته العميقة ألا وهي التحرر من عزلته والاتصال بغنى الحياة، فهناك موقف، لا يقل خطرًا عن هذا وليس بأقل من منه بعدآ عن النضج ألا وهو محاولة الغاء الجسد بما يحمله من نزعة جنسية والتصرف كأنه غير موجود او كأن وجوده عرفي لا يمت بصلة إلى جوهر الإنسان. تلك هي "الملائكية" التي كثيرا ما تتستر بتبريرات دينيه لتخفي وراءها عوامل لاشعورية بعيدة كل البعد عن روح الانجيل. 

تلك العوامل التي يقتضي تحليلها بحثًا طويلًا قائمًا بذاته، يمكن ردها في آخر المطاف إلى علاقة الجنس بالموت ولتلك العلاقة عدة وجوه أذكر منها فيما يلى اثنين:: 

فمن جهة، يعني البقول الصميمى للجنس أن يقبل على أنه آخذ الحياة من السلف لينقلها إلى الخلف وبعبارة أخرى أنه مجرد ناقل لحياة اعطيت له ولكن ليمت له الحياة في ذاته أي أنه ليس الله. 

ومن جهة أخرى فقبول الجنس يعني أن يقبل الإنسان أنه ليس كاملا بحد ذاته، إنما لا يكتمل إلا بآخر.. أن يقبل بأنه كائن منفصل (هذا الإنفصال هو المدلول الاصلى لكلمة Sex) لا يحقق كماله إلا باتحاده بآخر، وبأنه لكي يبلغ هذا الاتحاد يجب ان يتخطى ذاته، أن يخرج من ذاته، أن تار إذا بخبرة شبيهة بخبرة الموت (عبارة "خروج" في الكتاب تشير إلى الموت) ولكن ارتباط الجنس بالموت أمر مربع بالنسبة لنرجسية الإنسان، تلك النرجسية التي هي من رواسب الطفولة فيه.

St-Takla.org Image: Yes/No buttons: Right and wrong symbols. صورة في موقع الأنبا تكلا: نعم/لا: أزرار علامات ورموز صح/خطأ: صحيح، خاطئ.

St-Takla.org Image: Yes/No buttons: Right and wrong symbols.

صورة في موقع الأنبا تكلا: نعم/لا: أزرار علامات ورموز صح/خطأ: صحيح، خاطئ.

فالطفل في أول عمره يشعر بسبب عدم نضجه من جهة واهتمام الآخرين الدائم به من جهة أخرى، كأن جسده مركز الكون ومحوره، إنه لا يدرك حدود هذا الجسد الزمنية ولا المكانية ولا يميزه كغاية عما يحيط به لذا يشعر وكأن هذا الجسد يحوي في ذاته الوجود كله، ويتحكم بالكون قاطبة، ذلك مالاحظه المحللون النفسيون في تحريهم لرواسب الطفولة في نفسية مرضاهم، وهذا ما اكدته بوسائل أخرى، ملاحظة الأطفال المباشرة التي أجراها بيياجية Piaget ومدرسته، مثلًا ان اكتشاف الجنس الذي يتبلور في المرحلة الأوديبية اولًا (بين الثالثة والسادسة من العمر) ثم في المراهقة، مرادف، والحالة هذه لإكتشاف محدودية لا يكتمل إلا بجسد آخر متميز ومختلف عنه. 

لكن المهم أن يتحمل المرء هذا الاكتشاف وأن يقبل به، إلا أن هذا القبول مكتنف بالصعوبات. ألم تظهر المحللة النفسية هيلين دوتش في كتاب حديث لها عن مشاكل المراهقة أن ظاهرة الغاء الفوارق في الزی والمظهر في جماعات المراهقين قد تشير إلى محاولة لاشعورية لطمس الفارق الجنسي، ذلك الفارق الذي يؤكد محدودية الجسد وبالتالى يثير جزع الموت!!

فإذا قبل المرء بمحدودية جسده أو بعبارة أخرى اذا قبل بالموت، فعند ذاك يمكنه أن يتخطى ذاته ليلاقي آخر، عند ذاك يصبح قادرًا على إقامة علاقة صميمية بالآخر سواء على الصعيد الجنسي أو على صعيد أنساني. ولكن المرء قد يتمسك لا شعوريًا بنرجسيته الطفلية بذلك الميل إلى اعتبار ذاته محورًا للكون، عند ذاك يبدو له الجسد، بنزعته الجنسية وطابعه الجنسي خطرًا عليه لأنه يذكره بأنه ناقص، منفصل، محدود، وبعبارة إجمالية يذكره بأنه مائت، لذا يمكن القول بأن الخوف من الجسد هو في الأعماق خوف على الجسد، رفض الموت الذي لا بُد للجسد أن يمر به. قد يتخذ هذا الخوف شكل التزمت، شكل احتقار الجسد بداعی روحانية مزيفة. وقد يتخذ أيضًا شكل التهتك، شكل حصر العلاقات الجنسية بمظاهرها الأكثر سطحية كي يلتزم الفرد بها ويخرج من ذاته. ولكن هذا الخوف من الجسد (أو على الجسد) أيًا كان مظهره، يعقم على كل حال في المرء طاقة الحب, كل حب. الحب بمعناء الجنسي، المحبة الإنسانية بشتى مظاهرها، محبته لله نفسها. إنه يؤدي إلى تقوقع يمنع الجسد من تخطى ذاته في اتجاه الكون والآخرين وبالتالي يجعل الإنسان على هامش الحياة الحقيقية. انه يحقق لك المفارقة الرهيبة ألا وهي أن الإنسان يحجم عن الحياة لأنه يخاف من الموت الذي هو بعد من أبعادها. أن يغلق على نفسه في الموت لخوفه من الموت مما يذكرنا بما تقوله الرسالة إلى العبرانيين عن الذين من خوف الموت كانوا كل حياتهم تحت العبودية. فإذا اتخذ خو ف كهذا مظهر الملائكية "فملائكيته" لا تترفع عن الجسد إلا في الظاهر لأنها بالواقع تخدم مصالح الجسد، الجهد الذي يأبى أن يقر بمحدوديته، فينغلق على ذاته ليحافظ على حلمه الطفلي القديم، حلم الألوهه الذاتية. 

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

هذا ما يتجاوب على ما أظن مع أقوال الرسول عندما يحذر مسیحيي كولوسی من التزمت قائلا لهم: تلك هي وصايا الناس وتعليمهم "قد يكون عليها ظواهر الحكمة بعبادتها المصنعة "والتواضع" وقهر الذات ولكنها لا قيمة لها ولا تؤول إلا إلى إضاء الجسد" (كولوسي 2: 23-22). 

مجمل الكلام أن ما يسمى بالاستسلام للجسد أو ما يسمی باغفال الجسد واحتقاره إنهما هما كلاهما في كثير من الأحوال وجهان متضادان لواقع واحد. واقع النرجسية التي ترفض القبول بمحدودية الجسد وبحاجته إلى الآخر كی يكتمل ويحيا. كلاهما يلغي وجود الآخر، يحول دون رؤيته حضور الآخر الشخصي في جسده، فالماجن لا يرى في جسد الأخر سوى شيء يمتلك والمتزمت لا يرى فيه سوی خطرآ يجتنب، كلا الموقنين مظهر لتلك المحاولة التي عبر عنها الكتاب عند سرده لحادثة سقوط الجدين الأولين، محاولة تأليه الذات معزل عن الآخر.

خلاص الجسد الجنسي لا يكمن إذًا لا في المجون رلا في التزمت. إن الحب الجنسي الأصيل يعاش في الزواج مرة لكي يزرع في صميمه قوة صليب الرب وقيامته فتساعده على الاستمرار والنمو في طريق الحب الذي ما هو إلا موت محيی، في الزواج يتمرس الجسد الجنسي على تخطى "الحاجة" التي تدفع إلى استهلاك الآخر، إلى "الرغبة" التي تعترف بوجوده واستقلاله. وذلك عبر الحياة المشتركة وما تقتضيه من جهاد قاس احيانًا تدعمه النعمة الإلهية من أجل اعتبار الآخر غاية وليس وسيلة، شخصًا وليس شيئًا، شريكًا وليس ملكًا وإله. للقاء الأجساد دور لا يستهان به في مسيرة الحب هذه فهو يترجم الحب الزوجی بأبلغ ما يمكن من تعمير ويدعمه ويغذيه، ولكنه بدوره لا يكون لقاء بالفعل ولا ينجو من التفاهة والرتابة القتالين، إلا إذ أغتذي من الحب باستمرار وعبر حركة المكاشفة والمشاركة والعطاء المتبادل في كاف ميادين الحياة الزوجية. 


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / اتصل بنا: واتس آپ: 00201287627004 /

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/anba-bimen/body-sex/salvations.html