St-Takla.org  >   articles  >   fr-botros-elbaramosy  >   a
 

مكتبة المقالات المسيحية | مقالات قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

مقالات الراهب القمص بطرس البراموسي - تاريخ المقال: 18 مارس 2019 م.

 155- اقتصاص الكلام

 

عجبتُ على ما يحدث في الآونة الأخيرة من الحقبة الزمنية التي نعاصرها في عمرنا القليل على هذه الأرض التي أصبحت مليئة بالصراعات والمشاحنات والدسائس والمؤامرات، فبني البشر تخلُّو عن بشريتهم التي قدَّسها السيد المسيح بتجسده وتأنسه ظاهرًا في صورة الإنسان، مولودًا بجسد بشري كامل ليبارك طبيعتنا الإنسانية.

فمخلص العالم يُدبر ذلك ليقدس طبيعتنا التي فسدت وكادت تفنى بسيرها في طريق الهلاك، وقد أعطانا رسمًا لكي نسير وراءه ونتبع خطواته، وقد أرشدنا إلى السير في النور "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلًا بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ" (يو 12: 35). فما أجمل أن يكون الإنسان واضحًا وأمينًا ويسلك في وضوح وصراحة – بعيدًا عن المراوغة – يسلك في النور مبتعدًا عن الظلام الذي لا ينتج منه إلا الخداع والكذب واِلتواء الحقائق، وكما نُسميه في تفسير الكتاب المقدس (ليّ عنق النص) أي يُغيّر معناه الحقيقي ليستخدمه في معنى مُغاير للحقيقة وبعيدًا عن مفهومه الصحيح كل البُعد، وبهذا يكون بَعُد عن الإيمان الصحيح وشركة القديسين، وهذا ما يوضحه لنا القديس يوحنا الحبيب في قوله "وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1 يو 1: 7).

أعود بك أيها الحبيب إلى ما أقصده من كلامي هذا وهو اِحتراف البعض في الاِقتصاص..

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

1 – تُطالعنا الأخبار الكنسيَّة اليومية ببعض دقائق تُنشر على المواقع المسيحية لبعض الشخصيات الاعتبارية الكنسية من رجال الكهنوت والمفكرين والوعاظ، القليل منها ما يهدف للبناء الروحي والاستفادة من عدة دقائق مركزة في موضوع يمس قلوب شعبنا المبارك وهذا يبني الكثيرين ولا ننكر ذلك، فالعظة ليست بطولها ولكن بهدفها، فقد يتكلم واعظًا عدة دقائق تكون ذات هدف صائب ورسالة سمائية، وفائدة روحية أكثر من ساعات بلا هدف ولا مضمون... ولكن ما يحزن قلوبنا، مَنْ يهدفون إلى الهدم وليس البناء، للتحطيم وليس للتشجيع، لتخليص حسابات شخصية من بعض الأشخاص الذين لا يستريحون لهم، أو قل المختلفون معهم فكريًّا واجتماعيًّا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى... فيبحثوا لهم عن كلمات قد تكون الكلمات المنطوق بها، لم تَفي الغرض من فهمها، أو أساءوا التعبير اللفظي في إيضاح الفكرة. ويكتبون هؤلاء المغرضين عنوانًا مثيرًا يجتذب أنظار الباحثين في هذه المواقع، ويتسارع الكثيرين في بعثه ومشاركته لأصدقاءه دون أن يتحقق مما يُقال، أو يسمع بفهم ووعي كامل لما يُقال، بل يكون على قدر عالٍ من العقل والحكمة والتريث، بأن يسمع العظة بأكملها لكي يقف على حقيقة ما يُقال، وماذا قيل قبل هذا المقطع وكذلك ما قيل بعده، وما هو سياق الكلام بأكمله لكي يدرك ماذا تهدف هذه الدقائق المعدودة، أو هذا الكلام الذي يثير التساؤلات والشكوك، والسامع العاقل قد يدرك بنسبة كبيرة أن هذا الاقتصاص ورائه أهداف شخصية وأغراض في نفس ابن يعقوب كما يقول المثل الدارج بين الكثيرين... فهل هذا الاقتصاص يبني أم يهدم، حفاظ أم تشويه...

 

St-Takla.org Image: Half of the truth صورة في موقع الأنبا تكلا: نصف الحقيقة، أنصاف الحقائق

St-Takla.org Image: Half of the truth

صورة في موقع الأنبا تكلا: نصف الحقيقة، أنصاف الحقائق

2 – كذلك أيضًا وبنفس الطريقة ونفس الأسلوب نجد بعض سطور من كتاب بأكمله يقوم بتصويرها البعض وبعثها على كل طرق التواصل، وبرامج التليفونات، وقد نجد اسم المرجع وقد لا نجده، ولكن ما يحرص عليه فاعل هذا الفعل هو كتابة اسم المؤلف أو الكاتب، وذلك لكي يصل إلى هدفه المنشود، وقد تكون فكرة أو رأي لا يُفهم ولا يُدرك معناه إلا بقراءة الصفحة كلها أو الفصل كله، والتركيز فيما كُتِبَ من أوله إلى آخره، ولكن مَنْ يفعل هذا الفعل، لا يهمه مَنْ يقرأ ومَنْ يريد أن يفهم، ولكن يهمه أمرًا واحدًا، أنه لا يستريح لشخص بعينه، فيُريد تشويه صورته وفكره وكتاباته وأفكاره مما كتبه بيده، ويبدأ في حملة تشويه للشخص ولكل ما كتب، وتكون حلقة صراع دامية بين المؤيدين والمعارضين، وينشأ داخل هذا الصراع تراشق بالأفكار والاتهامات وتجاوزات في الألفاظ التي يجب أن نتعفَّف عنها، وكل ذلك تحت قبعة الغيرة على الكنيسة وعلى الإيمان، وينسى هذا وذاك أن هذه الغيرة وهذا الاهتمام يتطلب نقاوة السيرة والقدوة الحسنة، ودماثة الأخلاق، وحُسن اختيار الكلام والألفاظ، وطول الروح، وحكمة الكلام، والتحلي بفضيلة الإفراز كما كان رد الأنبا أنطونيوس على مَنْ سألوه، ما هي أعظم الفضائل التي يجب على الإنسان الجهاد لاِقتنائها؟ فأجاب بكل هدوء، فضيلة الإفراز لأن بدونها لا يستطيع الإنسان التفرقة بين الفضيلة والرذيلة.

 

3 – قِس على ذلك مَنْ يقومون بتوظيف أقوال القديسين لأغراضهم الشخصية، أو ما يريدون إحراج الآخرين به، ناسين تمامًا أن تلاميذ هؤلاء الآباء القديسين قد سطروا هذه الأقوال في قلوبهم قبل رقائقهم، وحفروها في أذهانهم قبل أن تكتبها ريشتهم، وعملوا بها قبل أن يُعلّموا بها... فهل مَنْ ينادي بأقوال القديسين آخذًا منها سلاحًا حادًا يوبخ ويؤنب به غيره، عاش هذا القول وذاق حلاوته، ومَنْ تمتع به وأُعجب بمذاقه أراد أن يُمتع به غيره، أم هي مجرد أقوال – أقصد أوراق – استخدمها وقت الحاجة لغيره وليس له.... انتبه أيها الحبيب أن هذه الأقوال التي تتفوه بها أو تبعثها لغيرك سوف تكون دينونة لك يوم الدين.

 

4 – كذلك مَنْ يستخدمون آيات وأنصاف آيات من الكتاب المقدس لكي يثبتوا بها اِعتقادًا مُعيَّنًا أو فكرة ينادي بها لغيره...

فكثيرًا ما نستخدم الآيات التي تتحدث عن المحبة ونحن نضمر بداخل قلوبنا كراهية لأشخاص كثيرين، ويصل بنا الأمر أننا لا نريد رؤيتهم أو سماع أي أخبار عنهم، وندَّعي أننا نحب الله، بل نحث شعبنا المبارك على محبة الآخر، ومحبة الله، ونحن بعيدين عن ذلك، هذا وينبهنا معلمنا يوحنا "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟" (1 يو 4: 20)

ناهيك عن كثرة كلامنا عن الرحمة والعطف على المساكين والمحتاجين، ونسمع كلمات رنانة وآيات كتابية على لسان السيد المسيح والآباء الرسل أو نذكر "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مت 5: 7)، "الْمُعْطِي فَبِسَخَاءٍ" (رو 12: 8)، وغيرها الكثير والكثير، وهنا يأتي معلمنا يعقوب الرسول ويذكرنا بمعادلة غاية في الأهمية وهي "لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ" (يع 2: 13). ولذلك طوَّب السيد المسيح السامري وأسماه السامري الصالح رغم أن اليهود كانوا لا يعاملون السامريين ويعتبرونهم شعوبًا نجسة وبعيدة عن الله، فضرب لهم المثل وأوضح أن القريب هو الذي يخدم وليس اللاوي أو الكاهن أصحاب السلطان والشريعة والتعليم، "وَمَنْ هُوَ قَرِيبِي؟.... فَقَالَ: «الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاصْنَعْ هكَذَا»" (لو 10: 37)... هذا ما يجب أن نتعلمه من الإنجيل ونُعلمه، ولكن هل نستخدم الإنجيل كتوظيف لآيات تخدم مواقف يتبناها شخص، ويعظ بالإنجيل وهو لا يحيا هذا الإنجيل وهذا الكلام، من أجل ذلك قال السيد المسيح "اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو 6: 63)

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

أحبائي ليتنا نبتعد عن هذه التصرفات الغير حكيمة، ولا نتمادى فيها... فمَنْ يأتي بأحد قوانين الآباء الرسل ويُنادي به على موقف معين، يفهم روح القانون وكيف يُطبق وعلى مَنْ يُطبق، وظروف وضعه... هكذا مَنْ يقتص بعض الآيات والأقوال أو الكلمات من بعض الكتب... تعوَّد أن تحكم على الجزء من خلال الكل... أي لا تهاجم أحدًا على مقولة قبل أن تقرأ كل ما كتب، ولا تنادي بآية قبل أن تفهم الإصحاح بأكمله، ولا توبخ بقول قبل أن تقرأ لماذا قيل ولِمَنْ قيل... وقبل أن تُطبق قانون من قوانين الكنيسة، اِدرس واِقرأ واِفهم ظروف وضعه ولِمَنْ وُضع وعلى مَنْ يُطبق ومتى يُطبق... هكذا يكون الإنسان قدوة روحية، ومَثَل يُحتذى به، ومصدر للتعليم السليم والفكر النقي، والفهم الواعي، وصاحب الكلام المملوء حكمة وروحانية... وليُعطنا الرب روح الإفراز لنكون حكماء في جميع تصرفاتنا وأفعالنا وأقوالنا.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا







External ads إعلانات خارجية



https://st-takla.org/articles/fr-botros-elbaramosy/a/not-whole-truth.html