St-Takla.org  >   books  >   nagy-gayed  >   christian-management
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب المفاهيم المسيحية.. والفكر الإداري المتجدد: فلسفة "الإدارة بالمحبة" - أ. ناجي جيد

21- تكوين قيم وقناعات مسيحية جديدة

 

 ثالثا: تكوين قيم وقناعات مسيحية جديدة

إن التطور الفكري في وظيفة التوجيه والقيادة خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضى، يحث قادة القرن الحادي والعشرين على القيام بخلق قيم وقناعات إدارية فكرية جديدة تتبناها المنظمة، والعمل على بثها وإقناع العاملين بها. وتمشيًا مع الاهتمام بالبعد الأخلاقي في الإدارة يرى المؤلف أن الكتاب المقدس كدستور مسيحي مصدر غنى جدًا بالمبادئ الأخلاقية والروحية، التي يمكن الاعتماد عليها لاستحداث فكر إداري يُطرح لأول مرة، ويمكن استخدامه بكفاءة وفاعلية عالية.

وقد قام المؤلف بالفعل بتقديم بعض هذه القيم والقناعات الفكرية خلال الصفحات السابقة بهذا الكتاب من أهمها: المحبة كفلسفة إدارية. والمبادئ المسيحية الثلاثة، وأبعاد الإدارة كالبُعد الأخلاقي والروحي والمكاني والزماني. والمسيحية ومفاهيم القيادة الأربعة. كل ذلك بالإضافة إلى المفاهيم الجديدة التي سوف يخصص لها الفصل السادس من هذا الكتاب مثل: المسيحية ومفهوم الجودة، المسيحية ومفهوم البركة، المسيحية ومفهوم المشاركة، المسيحية ومفهوم الحاجات... وغير ذلك.

 

 هذا. وسوف نستعرض في هذا الجزء أيضًا بعض القناعات والقيم الفكرية المسيحية الجديدة، التي يمكن أن تُستخدم بنجاح للمرة الأولى في المجال الإداري. وسوف نتناول هذه القيم طبقًا للطرح المسيحى التالى:

- المسيحية ومفهوم العطاء

- المسيحية ومفهوم الأول

- المسيحية ومفهوم العدالة الحسابية

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

1. المسيحية ومفهوم العطاء:

إن المبدأ التجاري العادل الذي يمكن أن يستوعبه العقل البشرى في المبادلة هو (العطاء على قدر الأخذ). ولكن إذا استخدمنا هذه القاعدة التجارية المنطقية في التعامل، فما الجديد إذًا الذي تقدمه التعاليم المسيحية وفلسفة المحبة التي يتبناها هذا الكتاب، وما الفرق إذًا بين العرف التجاري أو المبادئ الإدارية المتعارف عليها والفكر الذي يحاول المؤلف التوصل إليه وبلورته.

St-Takla.org Image: Saint Peter healing the lame cripple man (ACTS 3 - 6) Such as I have give I thee - Unknown illustrator. صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس الشهيد بطرس الرسول يشفي الرجل الكسيح الأعرج (أعمال الرسل 3: 6): "الذي ليك فإياه أعطيك" - لفنان غير معروف.

St-Takla.org Image: Saint Peter healing the lame cripple man (ACTS 3 - 6) Such as I have give I thee - Unknown illustrator.

صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس الشهيد بطرس الرسول يشفي الرجل الكسيح الأعرج (أعمال الرسل 3: 6): "الذي ليك فإياه أعطيك" - لفنان غير معروف.

 سيحاول المؤلف إلقاء الضوء على بعض الأمثلة من آيات الكتاب المقدس.. التي يمكن أن تشكل في مجموعها "إطار متكامل" يرتبط بمفهومي العطاء والأخذ من وجهة نظر المؤلف: الآية الأولى وصية تحذرنا من الطمع: "انظروا وتحفظوا من الطمع، فإنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله" (لو 12:15). وتحذر وصية أخرى من الاهتمام بالأخذ أكثر من العطاء: "لا تكن يدك مبسوطة للأخذ مقبوضة عن العطاء" (سي 4: 36). وتحذرنا الآية الثالثة من الشح في العطاء: "من يزرع بالشح فبالشح أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضا يحصد" (2 كو 9: 6). ويلاحظ على هذه الأمثلة أنها تكوّن في مجموعها "منظومة كتابية متكاملة المعنى"

إن التعاليم المسيحية التي تدعونا دائمًا إلى السمو في الفكر.. والتي توصينا بالمحبة حتى للغرباء أو الأعداء، والتي تترجمها قصة السامرى الصالح.. هي نفس التعاليم التي تدعونا –إستكمالًا لمنظومة الآيات السابقة– إلى العطاء أكثر من الأخذ: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 20: 35).

وتعلمنا هذه الآية وصية كتابية يمكن أن تكون "مبدأ إداري جديد" يتم تبنيه بواسطة المنظمة والعمل على إقناع العاملين به، كقيمة إيجابية تساعد على تحقيق الأهداف بمستوى عال من الكفاءة والفاعلية.

ولكن السؤال الآن: ما هي المستويات الإدارية التي يقع على عاتقها عبء البدء في تنفيذ الوصية الكتابية: العطاء أكثر من الأخذ؟ هل هم المرؤوسين أم الرؤساء أم أصحاب رأس المال أم كل هؤلاء؟

ويرى المؤلف أن كل المستويات الإدارية من مرؤوسين ومديرين بما في ذلك الإداريين من أصحاب رأس المال (المالكين للمشروع) عليهم الإسراع في تنفيذ الوصية بمحبة كاملة، بمعنى أن كل المستويات الإدارية عليها أن تعطى بسخاء في وقت واحد دون التفكير في أي شيء غير العطاء والبذل بمحبه. وبعد ذلك لكم أن تتخيلوا عمل الرب والنتائج التي يمكن أن تتحقق وينعكس أثرها على الجميع من جرّاء ذلك.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

2. المسيحية ومفهوم الأول:

إن التميّز بمفهوم دنيوى بمعنى الإجتهاد أو الإبتكار في الأعمال الأرضية أمرًا مفضلًا ويتفق مع الدعوة إلى تعمير الأرض منذ بدء الخليقة. كما أن التميّز بمفهوم ديني بمعنى الجهاد الروحي –السري غير المعلن– الذي يسعى إليه أو يسير فيه أي فرد في علاقته مع الله العلي أمرًا مطلوبًا ويوصينا به الكتاب.

ولكن التميّز الذي ترفضه كل التعاليم المسيحية –بعيدًا عن التفاسير الروحية التي يجهلها المؤلف– هو التميّز الذي يعني التشامخ أو التعالي أو الذي يترتب عليه النظر إلى الآخرين بدونية أو إدانتهم، كما جاء في مثل "الفريسى والعشار" الذي ذكره الرب يسوع لقوم واثقين من أنفسهم أنهم أبرار ويحتقرون الآخرين (لو 18: 9 14).

أما التميّز بمعنى التفوق والصدارة، أو التقدم واحتلال المركز (الأول)، سواء على مستوى الخدمة في المجال الكنسي أو على مستوى الأعمال الوظيفية والإدارية فله (شرط روحي أو وصية كتابية تحكمه)، يعلنها الرب يسوع في أكثر من تعليم، وتظهره جليًا الآيات التالية: "من أراد أن يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادمًا، ومن أراد أن يكون فيكم أولًا فليكن لكم عبدًا، كما أن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدم" (مت 02: 62 - 82).

وقد قام السيد المسيح بتأكيد المعنى الحقيقى لهذه الآيات عندما قام بنفسه بغسل أرجل تلاميذه وقت العشاء الأخير، قائلًا: "أنتم تدعونني معلما وسيدا، وحسنا تقولون، لأني أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض" (يو 13: 13، 14). ويرى المؤلف أن الآيات لا تحتاج إلى تفسير أو شرح، خاصة بعد استعراض الباقية من حديث رب المجد: "لأني أعطيتكم مثالًا، حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا. الحق الحق أقول لكم: إنه ليس عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مرسله. إن علمتم هذا فطوباكم إن فعلتموه" (يو 13: 15 17).

ولكن ماذا يمكن لنا أن نتعلمه من الآيات السابقة، على مستوى الفكر الإداري. إن الآيات السابقة تعلن لنا بوضوح قيمة أو مبدأ إداري جديد في الرقى، يمكن أن تتبناه وتوّظفه عمليًا أي منظمة أعمال مما يثرى الحياة الإدارية لديها. فكر إداري لم تطرحه من قبل أي مدرسة إدارية. فكر يجعل: "من يريد أن يكون كبيرًا على المستوى الوظيفى والإداري لا بُد أن يكون أصغر الكل وخادمًا للكل". وتُلخص هذه العبارة الصغيرة صفات كثيرة يجب توافرها في الإداري المسئول مثل: حب الخدمة، والرغبة في العطاء، والتواضع.. إلخ.. عبارة صغيرة ولكنها تعطى معنى جديد للتميّز، فيحل (التميّز في الحب والعطاء) الذي يبني، بدلًا من (التميّز التنافسى) الذي قد يعوق. كما يحل مفهوم تغليب المصلحة العامة بدلًا من مفهوم تغليب المصلحة الشخصية.

وبديهي أن المسئول الذي يقتنع بهذا المفهوم ويتبناه هو إداري قادر على الحب والعطاء، الأمر الذي يتيح الفرصة لظهور الكفاءات الإدارية الحقيقية وتوارى الكفاءات المدّعية غير القادرة على الحب والعطاء. وسوف تؤثر هذه الكفاءات العطّاءة على أساليب العمل وطرق تنفيذه، ومن ثم تحقيق أهداف المنظمة على أكمل وجه.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

3. المسيحية ومفهوم العدالة الحسابية:

من أهم الموضوعات التي ينبغي للإدارة والإداريين الأهتمام بها.. موضوع "العدالة الحسابية". وقد يكون موضوع العدالة الحسابية جزء من قضية العدالة الاجتماعية العامة بمفهومها الواسع والشامل (على مستوى المجتمع ككل). وغالبًا لا يهتم مديري المنظمات الصغيرة بقضية العدالة الاجتماعية العامة، حيث ينصب معظم اهتمامهم على مسألة العدالة الحسابية أو لنقل العدالة الاجتماعية الجزئية والمرتبطة بالمرؤوسين أو العاملين.

وقد تختلف أراء رجال الإدارة أو القانون أو الاجتماع أو الدين حول مفهوم العدالة الاجتماعية بمفهومها الموُسع وكيفية تحقيقها على مستوى المجتمع ككل، وقد يكون هذا الأمر منطقيًا لكبر حجم المجتمع، ولكن الأمر قد يختلف على مستوى الأفراد بالمجتمع الصغير كمنظمة الأعمال أو المنظمة التي لا تهدف إلى تحقيق الربح.. إلخ..

ولكن ماذا عن المسيحية ومفهوم العدالة الجزئى على مستوى الأفراد. وهل الأمر سيختلف بإختلاف حجم المجتمع الكبير أو الصغير.

يمكن التعرف على مفهوم العدالة بين الأفراد في التعاليم المسيحية من خلال طرح هذا السؤال:

هل العدالة بين الأفراد تعني المساواة الحسابية؟

الإجابة بالنفي.. والأكثر من ذلك فإن العكس قد يكون صحيحًا، بمعنى أن العدالة بين الأفراد قد تتطلب أحيانًا عدم المساواة الحسابية بينهم. حيث قد يكون من غير المنطقي والمقبول –من أجل تحقيق العدالة– المساواة بين السليم والمريض، وبين الشاب والشيخ، وبين الغنى والفقير، وبين المتعلم والبسيط أو الجاهل... إلخ.. وإذا تطلبت العدالة الاجتماعية المساواة الحسابية، فإن ذلك –بدون أدنى شك– سوف يتعارض مع متطلبات الرحمة.

ويعلمنا السيد المسيح: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضىفاذهبوا وتعلموا ما هو: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة" (مت 9: 21، 31) وبتأمل هذه الآيات نجد أنه على المستوى الدنيوي لا يمكن المساواة بين السليم والمريض. وعلى المستوى الروحي لا يمكن المساواة بين الخاطئ والتائب. لأن الخاطئ يحتاج إلى الرحمة والمحبة والعلاج، وعليه يجب التعامل مع كل فرد طبقًا لحاجاته وظروفه الصحية والروحية والمادية... إلخ.. ونفس المعانى يمكن أن نجدها في: مثل الخروف الضال (لو 15: 3 7) ومثل الدرهم المفقود (لو 15: 8 - 10).

ولكن ماذا عن المساواة الحسابية؟ يمكن لنا التعقيب على موضوع المساواة الحسابية من خلال استعراض مثالين تحدث عنها السيد المسيح له المجد:

المثل الأول هو: مثل الإبن الضال (لو 15: 11 32). إن المتأمل جيدا لهذا المثل سوف يجد أن الأب قد فرح فرحًا كبيرًا بعودة الابن الضال، وأعطاه من الحب والإشباع الروحي والجسدى ما يتناسب مع احتياجاته الفعلية، وذلك على الرغم من حصول هذا الإبن على حقوقه من الإرث كاملة –طبقا لمبدأ المساواة الحسابية– كما نفهم من بداية القصة.

أما المثل الثاني فهو: مثل الفعلة في الكرم أو أصحاب الساعة الحادية عشر (مت 20: 1 16). وفيه نجد أن صاحب العمل قد ساوى في الأجر بين من عمل ساعة واحدة ومن عمل يومًا كاملًا. دون الإخلال بالاتفاق مع أصحاب يوم العمل الكامل.

ويتضح من المثالين جليًا التأكيد على ضرورة عدم المساواة الحسابية بين الأفراد في رحلة تحقيق العدالة الاجتماعية. بل يجب التعامل بإستقلال مع كل حالة أو فئة طبقًا لاحتياجاتها الفعلية وظروفها. وفي هذا الصدد يعلمنا بولس الرسول: "نطلب إليكم أيها الأخوة: أنذروا الذين بلا ترتيب. شجعوا صغار النفوس. اسندوا الضعفاء تأنوا على الجميع" (1 تس 5: 14).

ويعتبر مبدأ عدم المساواة الحسابية في التعامل بين المرؤوسين... قيمة إدارية منطقية وأخلاقية لأنها تأخذ في الإعتبار الظروف الشخصية واحتياجات كل عامل أو فئة عمالية على حدى. لذلك يجب على منظمات الأعمال الاقتناع بهذا المبدأ وتبنيه، وإقناع العاملين به من مقاومي التغيير. ومن البديهى أن تبَّنى مثل هذه القيمة الإدارية، يؤدى إلى المزيد من الاستقرار والطمأنينة والهدوء للعاملين (رؤساء ومرؤوسين) مما يزيد من إنتاجيتهم.

ويجدر الإشارة أيضًا إلى أنه يمكن الإستفادة من هذا الطرح لمفهوم العدالة الحسابية في حل بعض المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بمصر.. خاصة المتعلق منها بالدعم وكيفية وصوله إلى مستحقيه، أو بأنواع الضرائب المتعددة وبكيفية تصاعدها، أو بكيفية تسعير بعض الخدمات الحكومية تصاعديًا... إلخ..


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/nagy-gayed/christian-management/values.html