St-Takla.org  >   books  >   nagy-gayed  >   christian-management
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب المفاهيم المسيحية.. والفكر الإداري المتجدد: فلسفة "الإدارة بالمحبة" - أ. ناجي جيد

28- المسيحية.. ومدرج ماسلو للحاجات

 

أولا: المسيحية.. ومدرج ماسلو للحاجات

إن أشهر من تكلم عن حاجات الإنسان هو "إبراهام ماسلو" في مطلع القرن العشرين وقد تناول حاجات الإنسان من خلال مدرج أطلق عليه أسمه، والذي يمكن التعبير عنه من خلال الرسم التالي:

 

St-Takla.org Image: Maslow's hierarchy of needs - a graph from "The Christian Teachings.. and the Principles of Economic Thinking" book, by Nagy Gayed صورة في موقع الأنبا تكلا: مدرج ماسلو للحاجات - شكل من كتاب "التعاليم المسيحية.. ومبادئ الفكر الاقتصادي" - ناجي جيد

St-Takla.org Image: Maslow's hierarchy of needs - a graph from "The Christian Teachings.. and the Principles of Economic Thinking" book, by Nagy Gayed.

صورة في موقع الأنبا تكلا: مدرج ماسلو للحاجات - شكل من كتاب "التعاليم المسيحية.. ومبادئ الفكر الاقتصادي" - ناجي جيد.

يوضح الرسم السابق مدرج الحاجات لماسلو، والذي يعتمد عليه تقريبًا معظم علماء النفس والاجتماع والإدارة حتى اليوم. ويري ماسلو أن هناك مجموعة من الحاجات البشرية لدى الإنسان، ويمكن تقسيم هذه المجموعة من الحاجات طبقًا لمراحل تطور إشباعها إلى خمس مراحل من الحاجات، يسعى كل فرد جاهدًا إلى إشباعها، وهي حاجات ورغبات مستمرة ومتجددة. يمكن تمثيلها –كما هو واضح من الرسم– بشكل هرمي تتسع قاعدته من أسفل وتنخفض كلما اتجهنا إلى أعلى. ويمكن إيجاز هذه المجموعات والمراحل من الحاجات في:

مرحلة الحاجات الجسمانية أو الجسدانية: وفيها يعمل الأفراد علي اشباع حاجات أرضية مادية أساسية، تتعلق بالجسد وبقائه مثل: المأكل والمشرب والمسكن والجنس.. إلخ.. ولعل أهم ما يمكن أن نلاحظه على حاجات هذه المراحل أنها غير منتهية ومتجددة طوال فترة حياة الإنسان علي الأرض، لأن: "كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضا" (يوحنا 4: 13).

مرحلة حاجات الأمن والأمان: تظهر في هذه المرحلة حاجات غير ملحة، ولكنها تطفو علي سطح الحاجات عندما يتعرض الإنسان لخطر أو عنف أو كارثة.. إلخ.. الأمر الذي يتراجع معه أهمية الحاجات الجسدية الأساسية -مؤقتًا- بينما تتقدم حاجات الأمن والأمان. فمثلًا عندما يتعرض إنسان لهجوم من ثعبان أو شخص مسلح.. أو غير ذلك، فان الحاجة إلى الأمان هي التي يكون إشباعها هام وضروري وعاجل وقبل حاجة المأكل والمشرب.

مرحلة حاجات الانتماء: بعد الانتهاء من إشباع الحاجات الجسمانية أو حاجة الأمن والأمان.. يحتاج الإنسان إلى اشباع بعض الحاجات الاجتماعية والنفسية، مثل: الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوًا في فريق أو منتميًا إلى جماعة ما، تبدأ بالمنزل أي العائلة الصغيرة ثم العائلة الكبيرة من الأهل والأقارب ثم الأصدقاء ثم أهل الحي... إلخ..

مرحلة الحاجة إلى المكانة: تعتبر هذه المرحلة مكملة للمرحلة السابقة، حيث أنه قد لا يكتفي الإنسان باشباع حاجة الانتماء لفريق أو جماعة ما، بل يريد الإنسان كذلك أن يحقق مكانة اجتماعية ما وسط الجماعة التي ينتمي إليها، سواء في الاسرة أو الاهل أو الاصدقاء أو الجيران أو العمل.. إلخ..

مرحلة الحاجة إلي إثبات الذات: تعتبر هذه المرحلة أرقي مراحل إشباع الحاجات الإنسانية في مدرج ماسلو للحاجات. فبعد إشباع حاجة الانتماء والمكانة، يكون الإنسان بحاجة إلى التعليم والنجاح والتفوق وإثبات الذات... إلخ. كل هذه حاجات يحتاج إليها الغالبية العظمى من الناس، ولكن ليس بمقدور جميعهم تحقيق إشباعها، لأنها قد تتطلب درجات معينة من التعليم والخبرات الحياتية حتى يمكن بعد ذلك تحقيق النجاح والتفوق والتميز، الذي يؤدي إلى الإشباع المطلوب.

والأن، بعد استعراض نظرية الحاجات لماسلو.. نأتي لسؤال هام، وهو: وماذا عن الحاجات الروحية؟ إن الأصل الكتابي هو: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت 4: 4).

وعليه.. فإن المؤلف يختلف مع ماسلو في وجود مجموعة واحدة من الحاجات لدي الإنسان وهي التي ذكرها في مدرجه الخماسي. حيث يري المؤلف أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتكون من جسد ونفس وروح، فقد: "جبل الرب الاله أدم ترابا من الارض. ونفخ في انفه نسمة حيوة. فصار أدم نفسا حية" (تك 2: 7). وتمشيا مع هذه الحقيقة فان حاجات الإنسان لا بُد ان ترتبط بكل من الجسد والروح.

ويلاحظ أن هذه الحاجات الجسدية والروحية قد تتكامل إلا أنها أيضًا قد تتصارع، والتصارع هنا قد يكون أمرا منطقيا للأصل أو الطبيعة التي تكون منها الجسد أو التي تكون منها الروح.

أن حاجات الجسد سوف تنصب على الحاجات المادية الملموسة أو الأرضية، لان الجسد مخلوق من تراب. وحاجات الروح سوف تنصب علي الحاجات الروحية السماوية، لأنها مخلوقة من فوق، نفخة من روح الله. ويعتقد المؤلف -من ناحية التفسير الإداري بعيدا عن أي تفسير روحي- أن الصراع بين الروح والجسد "صراعًا اداريا"، على من يقود الأخر أو يتسلط علية. "لان الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر، حتى تفعلون ما لا تريدون" (غل 5: 17).

ويرى المؤلف أنه تمشيًا مع حقيقة تكوين الإنسان من روح وجسد، فان حاجات الإنسان لا بُد أن تجمع بين الحاجات الروحية والحاجات الجسدية والنفسية (التي تناولها ماسلو في مدرجه للحاجات). ولكى يتم ذلك لا بُد من وجود مدرج عكسى لمدرج ماسلو ومكملا له -يرتبط بالحاجات الروحية- يتجه رأسه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى، ويعنى ذلك أنه يبدأ من أسفل (أي من الصفر) ويزداد بالجهاد والنمو الروحي مع الأيام.

ويمكن توضيح الشكل النهائي لمدرج ماسلو والمدرج العكسي للحاجات الروحية الذي يقترحه المؤلف في هذا الشكل:

  

St-Takla.org Image: Spiritual needs pyramid vs Maslow's hierarchy of needs - a graph from "The Christian Teachings.. and the Principles of Economic Thinking" book, by Nagy Gayed صورة في موقع الأنبا تكلا: مدرج الحاجات الروحية في مقابل مدرج ماسلو للحاجات - شكل من كتاب "التعاليم المسيحية.. ومبادئ الفكر الاقتصادي" - ناجي جيد

St-Takla.org Image: Spiritual needs pyramid vs Maslow's hierarchy of needs - a graph from "The Christian Teachings.. and the Principles of Economic Thinking" book, by Nagy Gayed

صورة في موقع الأنبا تكلا: مدرج الحاجات الروحية في مقابل مدرج ماسلو للحاجات - شكل من كتاب "التعاليم المسيحية.. ومبادئ الفكر الاقتصادي" - ناجي جيد

وبالنظر إلى الشكل الموضح، وبفرض أن مجموع حاجات الإنسان (الروحية والجسدية) تساوي 100%... فإننا سوف نجد أنه اذا كانت الحاجات الروحية للإنسان صفر %، فإن الحاجات الجسدية للإنسان سوف تكون 100 %. وبالمثل فإن أي نسبة أخرى سوف تأخذها الحاجات الروحية (ولتكن 70%) فإن الحاجات الجسدية سوف تأخذ النسبة المكملة وهي (30 %). ويلاحظ أن النسبة الرئيسية –من وجهة نظر المؤلف– هي نسبة الحاجات الروحية، وأن النسبة المكملة سوف تكون نسبة الحاجات الجسدية، وليس العكس.

ويرى المؤلف أن المبرر المنطقي لوجهة نظره هو طبيعة الحاجات الروحية نفسها. لأن الحاجات الروحية هي حاجات راقية وسامية وتعمل على سمو الإنسان. ومن ثم كلما زادت الحاجات الروحية.. كلما تضاءلت أهمية الحاجات الجسدية بالنسبة للإنسان، والعكس صحيح.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ولكن ما هي الحاجات الروحية؟

تتعلق هذه الحاجات بالروح والرغبة في السمو، لذلك "اهتموا بما فوق لا بما على الأرض" (كو 3: 2). ويرى المؤلف أنه يصعب حصر هذه النوعية من الحاجات لأنها كثيرة جدا، ولكن من أمثلتها: الحب، السلام، التسبيح والتمجيد، القراءة في الكتاب المقدس، الترتيل والمزامير والألحان، والصلاة، والصوم، والتوبة، والاعتراف، وحضور القداسات، والتناول، وعمل الخير، ومساعدة الأخرين، وزيارة المرضى، والسكنى في بيت الله وزيارة الأديرة والأماكن المقدسة، واستضافة الغرباء، والتبرك بأجساد القديسين.. إلخ..

ويرى المؤلف أنه يمكن -بصفة عامة- تقسيم المراحل التي تمر بها عملية إشباع الحاجات الروحية، من خلال استعارة بعض عناوين لتقسيمات يستخدمها بعض رجال الدين لحياة الجهاد الروحي، وعددها 3 تقسيمات أو مراحل - غير محددة الطول أو المدة الزمنية لأى مرحلة – وذلك على النحو التالى:

1- مرحلة التغصّب 2- مرحلة التعوّد 3- التمتع (التلذذ)

1- مرحلة التغصّب:

يعتقد المؤلف أنه في الفترات الأولى للسير في طريق الحياة الروحية، يمر كل فرد بصراع قوى بين روح لديها الرغبة في الجهاد لإشباع حاجاتها، وجسد ضعيف ليس لديه القدرة على متطلبات هذا الجهاد، بل على العكس يسعى (أي الجسد) لإشباع شهواته وملذاته هو. الأمر الذي يستوجب على كل فرد مبتدئ أن يجبر نفسه أو يُغصبها على الممارسات الروحية بكافة أشكالها لتحقيق البداية القوية اللازمة. ولعل أهم ما يميز هذه المرحلة هو أنها تبدأ – كمرحلة أولى – بإشباع بعض الحاجات الروحية ولبعض الوقت. ويرى المؤلف أنه إذا جاز لنا التصوير البيانى لهذه المرحلة، لوجدنا أنها تُمثل إشباع لحاجات جسدية تقارب نسبته 100% وتبدأ بالتناقص التدريجى.. لأن: "كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا" (يو 4: 13). أما على مستوى إشباع الحاجات الروحية – بيانيًا – فتبدأ بنسبة تقترب من صفر% ثم تتزايد تدريجيًا.

 

2- مرحلة التعوّد:

بعد قضاء فترة زمنية في ممارسة العبادات والشعائر التي بدأ بها الإنسان المرحلة الأولى لإشباع بعض الحاجات الروحية بعض الوقت.. تزيد قدرة الإنسان على قضاء وقت أكبر في إشباع عدد أوسع من الحاجات ولكن بعمق روحي غير كبير. وهنا يمارس الإنسان حياته الروحية من صلاة وصوم وقراءة كتاب.. إلخ، بشئ من الإنتظام والإستقرار أو لنقل بشئ من الإعتياد. وإذا وضعنا تصور بياني يعبر عن إشباع الحاجات الروحية والجسدية لهذه المرحلة.. لوجدنا أن الرسم البيانى يعبر عن مرحلة روحية تتزايد لنسبة قد تصل إلى حوالى 50%، ويترتب على تزايدها تناقص المرحلة الجسدية لنسبة تصل أيضًا إلى حوالى 50%.

 

3- التمتع (التلذذ):

تتميز هذه المرحلة بقضاء الإنسان متسع من الوقت بعمق أكبر في حياة التوبة والجهاد لإشباع أكبر قدر ممكن من الحاجات الروحية. حيث ترتفع رغبة وقدرة الإنسان أكثر على الجهاد الروحي، ومن ثم يعيش الإنسان حياته الروحية وينمو أكثر فأكثر في ظل وصية كتابية جاءت على لسان رب المجد: "إعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى للحياة الأبدية الذي يُعطيكم إبن الإنسان، لأن هذا الله الآب قد ختمه" (يو 6: 27).. وهنا المتعة (التلذذ). حيث يتحقق للإنسان التمتع بحياة النعمة والتلذذ بثمر الروح من: محبة فرح سلام، طول أناة لطف صلاح، إيمان وداعة تعفف.

ويأخذ الرسم البيانى لإشباع الحاجات الروحية لهذه المرحلة نسبة تتزايد وتتصاعد بشكل مستمر عن الـ50%.. ونتيجة لذلك نجد أن إشباع الحاجات الجسدية يتناقص أكثر بشكل مستمر أيضًا عن نسبة الـ50%، ليأخذ النسبة المئوية المتممة لنسبة الـ100% كما سبق أن بيّنا. بمعنى أن نسبة إشباع الحاجات الروحية ستكون هي (المتغير المستقل)، وأن نسبة إشباع الحاجات الجسدية ستكون هي (المتغير التابع).

وختامًا.. فإن المؤلف يدلل على أهمية الحاجات الروحية وضرورة إعطائها أولوية الإشباع قبل الحاجات الجسدية بما تعلمناه من رب المجد يسوع في كل تعاليمه، مع التطبيق على ما جاء بمعجزة إشباع الخمسة آلاف رجُل من خمسة أرغفة وسمكتين.. فماذا يقول الكتاب المقدس؟ يذكر معلمنا لوقا الرسول في بشارته عن الرب يسوع: "فلما علمت الجموع تبعُوُه، فقبلهُم وخاطبهم عن ملكوت الله والمحتاجون إلى الشفاء شفاهم" (لو 9: 11).. وبتأمل هذه الآية نجد أن الرب يسوع قد قام بالبداية بإشباع الحاجات الروحية لدى الجمع من خلال مخاطبتهم عن ملكوت الله، الأمر الذي يعظّم أولوية الحاجات الروحية من الإشباع. ثم بعد ذلك حقق الرب لهم الإشباع الجسدى من خلال معجزات الشفاء، ثم معجزة إشباع الجمع من الخمسة أرغفة وسمكتين.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/nagy-gayed/christian-management/maslo.html