St-Takla.org  >   books  >   nagy-gayed  >   christian-management
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب المفاهيم المسيحية.. والفكر الإداري المتجدد: فلسفة "الإدارة بالمحبة" - أ. ناجي جيد

9- أبعاد النشاط الإداري

 

رابعًا: أبعاد النشاط الإداري:

البُعد الروحي والأخلاقي - البُعد الوظيفي - البُعد المكاني والزماني

 

(أ) البُعد الروحي والأخلاقي:

نقصد به في البداية ضرورة وجود إطار أخلاقي يحكم أي عمل جماعي يدار بواسطة فرد أو مؤسسة. كما نقصد به أيضا –وهذا ما نهتم به ونركز عليه– ضرورة أن يكون لهذا العمل الجماعي مسئولية روحية أو اجتماعية تبدأ من الداخل (أي تجاه العاملين بنفس المنظمة)، ثم تمتد إلى الخارج لتشمل كل الأطراف المحيطة بالمنظمة (من موزعين، عملاء، أفراد المناطق المحيطة بالمنظمة وفروعها، الحكومة، أفراد المجتمع ككل.. إلخ.).

إن توسيع قاعدة المستفيدين من الأعمال الخيرية التي تقوم بها الإدارة على مستوى المنظمة الواحدة قد يتعدى المسئولية الاجتماعية لهذه المنظمة تجاه المجتمع التي تعمل فيه، حتى تخرج إلى نطاق أوسع كالأقليم أو المجتمع الدولى المحيط أو المجتمع الإنساني ككل، طبقا لحجم المنظمة وأعمالها وأرباحها "كل حسب طاقته"، وهنا قد تتعدى مسئولية المنظمة حجم المسئولية الاجتماعية لتتحول إلى مسئولية روحية بالمشاركة في الأعمال الخيرية وإعانة المحتاجين والمساهمة في إزالة أضرار الكوارث الطبيعية.. إلخ.

St-Takla.org Image: Stairs - Cité de l'Architecture et du Patrimoine: Architecture and Heritage City ’Museum, Paris, France - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 13, 2014. صورة في موقع الأنبا تكلا: درجات، سلالم - صور متحف مدينة العمارة والتراث، باريس، فرنسا - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 13 أكتوبر 2014.

St-Takla.org Image: Stairs - Cité de l'Architecture et du Patrimoine: Architecture and Heritage City ’Museum, Paris, France - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 13, 2014.

صورة في موقع الأنبا تكلا: درجات، سلالم - صور متحف مدينة العمارة والتراث، باريس، فرنسا - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 13 أكتوبر 2014.

ويوصينا السيد المسيح أكثر من مرة بإخوته الأصاغر والمحتاجين، والأكثر من ذلك فإنه يوصينا حتى بمحبة الأعداء والأهتمام بهم، فهو القائل "أحبوا أعدائكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (مت 5: 44). ولعل المتابع لمثل السامرى الصالح يمكن أن يجد دليل كاف على محبة الغريب أو العدو وكيفية الاهتمام به. كما يوصينا الرسول بولس أيضا بالاهتمام بالأعداء ومحبتهم كما في قوله: "إن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه. لأنك، بعملك هذا تجمع على رأسه جمرا مشتعلا" (رو 12: 20).

إن المسؤولية الاجتماعية والروحية - في اطار من المحبة - واجب والتزام اصيل ديني وإنساني على كل منظمة تجاه المجتمع المحيط بها وليس من قبيل الوجاهة المجتمعية أو (البرستيج). وغالبا ما يقابل المسئولية الاجتماعية والروحية عوائد ملموسة وغير ملموسة، فمعظم تكاليف الأعمال الخيرية تخصم من الأوعية الضريبية في حدود نسب معينة، كما أن المنظمات التجارية التي تشارك في الأنشطة الاجتماعية والأعمال الخيرية تتسع شهرتها وتتحسن صورتها الذهنية لدى أفراد المجتمع المحلى والدولى، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على مبيعاتها وأرباحها، ناهيك عن البركة التي يمكن أن تظلل المنظمة وأعمالها من الرب العلي.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

(ب) البُعد الوظيفي:

نقصد به ضرورة تحقيق (الكفاءة والفاعلية) لكافة أنشطة المنظمة الإدارية. وتعنى "الكفاءة" ضرورة التوظيف الأمثل للمدخلات أو لكل عناصر الإنتاج المتاحة متضافرة. بينما تعنى "الفاعلية" ضرورة تحقيق الأهداف التي من أجلها قام العمل أو أنشئت المنظمة. إن الإدارة الواعية هي التي تراعى التوظيف الأمثل لكل العناصر الإنتاجية والإدارية المتاحة، حتى تؤدى المدخلات الجيدة إلى مخرجات جيدة. "هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا ردية" (مت 7: 17).

ويعلمنا الكتاب المقدس في مواضع كثيرة أهمية أن نكون أمناء في كل شيء حتى يمكن لنا تحقيق عنصري الكفاءة والفاعلية في أعمالنا الأرضية. والمسيحية تتحدث عن الكفاءة والفاعلية كنتيجة تتحقق من التوظيف أو الأداء الجيد من خلال ما يمكن أن نطلق عليه "مفهوم الثمار"، سواء كان ذلك على مستوى الأداء للأعمال الروحية أو الجسدية. فالفاعًلية هي التي أدت إلى جذب ثلاث الآف شخص للإيمان من اليهود وسكان أورشليم بعد عظة بطرس الرسول الشهيرة لهم: "فقبلوا كلامه بفرح، واعتمدوا، وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة الآف نفس" (أع 2: 41).

والمتأمل لحياة القديس يوحنا المعمدان يعرف المعنى الحقيقي للكفاءة والفاعلية التي يجب أن تكون عليها الحياة الأرضية لكل إنسان، حيث أن الرسالة التبشيرية الناجحة له قد نمت خلال حياة عملية لا تتعدى (18 شهر)، فكما هو مكتوب في الأنبياء "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، الذي يهيئ طريقك قدامك" (مر 1: 2). ويرى المؤلف أنه ليس أدل على فاعلية القديس يوحنا المعمدان –فيما تم تكليفه من عمل – أكثر من شهادة الرب يسوع له عندما قال: "إنه بين المولودين من النساء ليس نبى أعظم من يوحنا المعمدان..." (لو 7: 28). 

كما أن مثل "الوزنات للأفراد الثلاثة" (مت 25: 14 -30) يمثل أهمية كبيرة –بخلاف أهميته في حياتنا الروحية– لما يجب أن يكون عليه الأداء الوظيفي للأفراد، من حيث رفع معدلات الكفاءة والفاعلية في توظيف المتاح من أموال كل فرد من الأفراد الثلاثة (كل واحد قدر طاقته)، أو بمعنى آخر يجب الاهتمام برفع كفاءة وفاعلية العنصر البشري في إدارة أي موهبة أو عطية أو وزنة لديه (والتي تم التعبير عنها هنا بالأموال) لتحقيق النتائج والأهداف المرجوة.  

على جانب آخر توضح قصة "شجرة التين" –المورقة غير المثمرة– التي لعنها السيد المسيح، أهمية تحقيق المنظمة أو العمل (صناعى، أو تجاري، أو زراعى كالشجرة مثلا) للأهداف التي من أجلها قام هذا العمل "الثمر بالنسبة لشجرة التين" (مت 21: 28 - 32) نفس الشيء يمكن ملاحظته على مستوى الأداء الروحي لكل العذارى الجاهلات مقارنة مع أداء العذارى الحكيمات، وقد تكرر نفس الشيء في قصة الغنى ولعازر.. إلخ.. كل هذه الأمثلة إنعكاس حقيقى لعدم الكفاءة والفاعلية الروحية، فهي: "غيوم بلا ماء تحملها الرياح. أشجار خريفية بلا ثمر ميتة مُضاعفًا، مُقتلعة (يه12). 

وأخيرًا، يجب ملاحظة أن المحاولة المستمرة لرفع الكفاءة والفاعلية لأي عمل إداري أو فني نقوم أو نُكلف به، لا تنبغى أن تنسينا طاعة الله، وما يجب أن تكون عليه هذه الأعمال من محبة لتمجيد اسم الله القدوس "فليضئ نوركم قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، فيمجدوا اباكم الذي في السموات" (مت 5: 16). ولتأكيد هذا المعنى يرى المؤلف أن بطرس الذي استطاع جذب ثلاث الآف شخص في عظة واحدة، هو نفس بطرس الذي أنكر الرب يسوع أمام خادمة. ولكن الفرق يرجع إلى أن بطرس في الحالة الأولى قد أعتمد على نفسه فتبين أنه (شجرة مورقة بدون ثمر)، أما في الحالة الثانية فقد استمد بطرس ثماره (فاعليته) من الرب يسوع تمجد اسمه القدوس.

لكل ما سبق يكون لزامًا على كل منا أن يطرح على نفسه بصفة دورية هذا السؤال: هل أنا كنت مثمرا خلال الفترة السابقة؟ والمثمر الذي نقصده طبقا للمفهوم المسيحي، هو الفرد الذي يكون مثمرا على المستوى الشخصي والعائلى، وعلى مستوى الجيران وأصحاب العمل والزملاء، وعلى المستوى الروحي والدنيوي.. إلخ.. هذا وسوف نعود لهذا الجزء مرة أخرى عند الحديث عن العنصر الإداري (التقييم والمتابعة).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

(ج) البُعد المكاني والزماني

وهب الله الأرض للإنسان منذ بدء الخليقة ليُخضعها له ويتسيد عليها ويُعمر فيها، "فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض" (تك 1: 27، 28). 

وفي رحلة تعمير الأرض وتسيُدها يقع على الإدارة عبء كبير يتمثل في ضرورة مراعاة البعد "المكاني والزماني". ويعنى ذلك أن هناك شروطًا أو إلتزامات يجب أن تصاحب عمليات التصنيع والتعدين التي تقوم بها المنظمات. أول هذه الإلتزامات هو مراعاة الشروط أو القوانين المحلية وكذلك المعاهدات الدولية المتعلقة بالبيئة. وثاني هذه الالتزامات هو عدم إجهاد الأرض زراعيا، وعدم استنزاف خيرات وثروات الأرض التعدينية والبترولية بالشكل الذي يضر بمصالح الأفراد لسنوات وأجيال قادمة. وقد يكون هذا أحد التعاليم التي يمكن أن نخرج بها من قصة سيدنا يوسف والسبع سنين الشبع (تك 41: 47 – 49)، وكيفية الاستفادة منها في سني الجوع (تك41: 53 – 57). وهذا أيضا ما يقوله الوحى لنا على لسان الحكيم يشوع بن سيراخ "في وقت الشبع أذكر وقت الجوع وفي أيام الغنى أذكر الفقر والعوز" (سي 18: 25)، "إن لم تدخر في شبابك فكيف تجد في شيخوختك" (سي 25: 5).

يدخل ضمن نفس هذه المنظومة في التدبر والاقتصاد.. عدم إهدار ثروات المجتمع التي يمكن أن تحدث في حالة الاستمرار في مشاريع غير ناجحة، مما يعنى الإضرار بمقدرات وموارد البلاد الحالية والمستقبلية. وفي هذا الموضوع يذكر الكتاب المقدس في سفر أشعياء النبي الاصحاح الخامس: "أي شيء يُمكن أن يُصنع لكرم وأنا لم أصنعه له، لماذا إذا انتظرت أن يصنع عنبًا صنع عنبًا رديًا. فالآن أعرفكم ماذا أصنع بكرمي. أنزع سياجه فيصير للرعي. أهدم جدرانه فيصير للدوس. وأجعله خرابًا لا يقضب ولا ينقب فيطلع شوك وحسك وأوصى الغيم أن لا يمطر عليه مطرًا" (أش 5: 4 – 6). ويجدر الإشارة إلى أن الحل الذي قد تم ذكره في الكتاب المقدس هو حلًا يتمشى مع المفهوم الروحي الأصلي للقصة، ولكنه في نفس الوقت قد يصلح التعامل به دنيويا من خلال السماح للناس بالإستفادة الحالية بالكرم وبالأصول أو الموجودات التي به، والأهم من ذلك هو الحل الدائم للمعضلة المتمثل في تجنب استمرار الخسارة.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

والآن. بعد نهاية هذا الفصل. نود التنويه إلى أن عناصر الإدارة المتعارف عليها، والتي سوف نتناولها بالشرح تباعا خلال فصول الكتاب القادمة هي:

- التخطيط

- التنظيم

- التوجيه والقيادة

- الرقابة والمتابعة


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/nagy-gayed/christian-management/activity.html