St-Takla.org  >   books  >   iris-habib-elmasry  >   woman-christ
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب المرأة العصرية في مواجهة المسيح - أ. إيريس حبيب المصري

166- شرح كلام بولس الرسول عن المرأة

 

*ماذا يستهدف بولس الرسول؟

ولَا بُد من الاشارة إلى ما قاله بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس. لأنَّ كل الذين يُقيمون السدود في سبيل المرأة يستعينون بأقواله لتبرير موقفهم. إنَّ هذه الرسالة هي أعجب ما كتب بولس إذ ترسم لنا صورة لكاتبها كلها مفارقات، فهو ثائر مسالم في آنٍ واحد، وهو يوبِّخ بقسوة ويستعطف في لين، وهو يؤكد سلطانه في الوقت الذي يتقدم فيه بالرجاء.

فلماذا كل هذا التباين..؟؟

لقد كانت مدينة كورنثوس عاصمة لعبادات شتَّى. منها عبادات سافلة تنزل بالإنسان إلى الحضيض كعبادة باكوس إله الخمر والعربدة Bacchus ومنها عبادات وقورة تستهدف الارتفاع بالإنسان كعبادة فستا التي تتطلب من خادمات هياكلها أنْ يكن عذارى طاهرات.

لذلك يبدأ بولس رسالته بشيء من التوبيخ ثم يُحدِّثهم عن الأمور التافهة كالأكل والشرب وكتغطية الرأس. وقد يندهش البعض من اهتمام الرسول بهذه الموضوعات. ولكنَّه كان يهدف إلى جعل الكورنثيين يتجنبون كل ما قد يجلب احتقار الوثنيين للمسيحية.

St-Takla.org Image: Paul's story of his adventure - from "Standard Bible Story Readers" book, Lillie A. Faris. صورة في موقع الأنبا تكلا: بولس الرسول يحكي مغامراته - من كتاب "قراء قصص الكتاب المقدس الأساسية"، ليلي أ. فارس.

St-Takla.org Image: Paul's story of his adventure - from "Standard Bible Story Readers" book, Lillie A. Faris.

صورة في موقع الأنبا تكلا: بولس الرسول يحكي مغامراته - من كتاب "قراء قصص الكتاب المقدس الأساسية"، ليلي أ. فارس.

ولكي ندرك مدى حرص بولس على وقار الإيمان نراه ينتقل تدريجيًا إلى أنْ يصل بالتحليق بالكورنثيين (ومن بعدهم بالمسيحيين جميعًا) في الأجواء العليا فهو يُحدِّثهم عن المحبة حديثًا روحيًا رائعًا مجيدًا كما يُحدِّثهم عن الحياة فيما بعد الموت حديثًا لا مثيل له. ويجب أنْ نعرف أنَّ لفظة "المحبة" التي استعملها بولس (باللغة اليونانية) لم تكن بالكلمة الشائعة التعبير عن العاطفة التي تربط بين الناس بل كانت الكلمة التي استعملها هو وغيره من مفكري المسيحيين ليصف بها تلك المحبة الإلهية التي لم يدركها الناس تمامًا إلاَّ باستعلان الله نفسه في المسيح. ومن غير هذه المحبة لا توجد قيمة لأيَّة عطية أو موهبة.

كذلك نجد بولس في هذه الرسالة يُقدِّم لنا مقارنة للأضداد، فالإناء المادي إذا انكسر انطفأ ما فيه من نور، أمّا في عالم غير المرئيات فالداخل يتجدَّد متى انكسر الخارجي. ويسترسل من هذه المقارنة إلى الإعلان بأنَّ المسيح الذي قام وتمجد لم يعد المسيا اليهودي بل قد جمع بين اليهود والأمميين وجعل منهم خليقة جديدة تحصرها محبته الشاملة.

← انظر كتب أخرى للمؤلفة هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

وقد أوضح لنا ذهبي الفم بأنَّ كتابة بولس منطقية متسلسلة مترابطة فلا يمكن والحالة هذه محاولة تفسير أية من آياته بمفردها. فمثلًا قال بولس أنَّ ملكوت الله ليس أكلًا وشربًا بل هو برّ وسلام فهل هو يقصد بهذه الآية الامتناع من الصوم؟ طبعًا لا - لأنَّ الاشارات إلى الصوم كثيرة جدًا يؤكدها لنا رب المجد نفسه. وقد علَّق هذا الأسقف القسطنطيني العظيم على ما سجله بولس في أصحاحه الأخير إلى أهل رومية بقوله: أنَّ بولس حين يمتدح يكرم الجميع بالتساوي ولكنَّه في الوقت عينه يُبيّن لنا الفضيلة الخاصة بكل منهم. تأملوا مثلًا كيف يتحدث عن النسوة العجيبات فيصف بعضهن بأنَّهن "تاعِبات في الرب" بينما يقول عن برسيس (المحبوبة التي تعبت كثيرًا في الرب) - فهو يوضح أنَّهن جميعًا تعبن في الرب. لكنْ بدرجات متفاوتة. فهل في اعتراف بولس بتعب النسوة تناقض لقوله بأنْ تصمت النساء في الكنيسة؟ كلاّ. لقد أقرّ بحقهن في الجهاد وفي الخدمة ولكنَّه استهدف اقصاءهن عن "البيما"(95) لا عن كلمة التعليم. وإلاَّ فكيف تقدمت بريسكلا إلى تعليم أبولس على علم من بولس؟ ثم أنَّ قوله "تَعِبَتْ كثيرًا في الرب" تبيّن أنَّ تعبها تضمَّن التعليم إلى جانب تقديم المال والتعرض للمخاطر والقيام بالأسفار. لأنَّ النسوة في ذلك العهد امتزن ببسالة الأسود فشاركن الرسل جهادهم من أجل الإنجيل وهن راضيات بما قد يجلبه عليهن هذا الجهاد من مخاطر. فسافرن، وحملن الرسائل، وقدمن مختلف الخدمات من غير تردد. لأنَّ الرسل اقتدوا بمخلصهم الذي كانت تتبعه النسوة وتخدمنه من أموالهن(96).

والعجيب أنَّ بولس عند تركه كورنثوس للذهاب إلى غيرها من المدن ائتمن امرأة للإشراف على جماعة المسيحيين الذين فيها -هذه المرأة هي كلووي(97) التي تُكتب بالعربية "خلوي"- فهي كانت طبعًا ضمن تلميذات بولس ولم يرقها الخصام القائم بين قومها فأخبرته به لكي يحسمه بحكمته. ففي كورنثوس نفسها كانت لبولس تلميذات يقمن بالخدمة وعلى الأخص في غيابه ويسهرن على الرعاية فيرفعن إليه التقارير عن الشعب.

ويشير بولس في رسالته إلى أنَّه لم يُعمِّد غير بيت "اسطفاناس" المترجم بالعربية اسطفانوس. والفرق في الإسميْن أنَّ الأول اسم امراة والثاني اسم رجل. فنجد في بيت اسطفاناس مثلًا من تلك الأمثلة العديدة التي جاءتنا عن الكنيسة في العصور الرسولية والتي كانت المرأة فيها "أرخنة" أو "رئيسة عائلة" أو "عميدتها" حتى أنَّ اسمها كان يطلق على عائلتها.

ثم ينتهي بولس إلى توجيهات عما يحل وما يليق وإلى وجوب اتباع النظام بين مَنْ يتكلم بلسان ومَنْ يتنبأ. ولنصغي إلى ذهبي الفم مرة أخرى: "بعد أنْ وضع بولس حدًا للجدل حول التنبؤ والتكلم بالألسنة، وبعد أنْ وضع القاعدة لمنع كل تشويش وبلبلة، انتقل إلى وضع حد للثرثارات. لأنَّه إنْ كان لم يسمح لأصحاب المواهب أنْ يتكلموا من غير ترتيب أو لياقة فبالأولى لا يسمح للنسوة الثرثارات اللواتي تكلمن بغير هدف ما. وهو لذلك يضع حدًا صريحًا لهن لأنَّ التكلم في الكنيسة لا يُلقَى جزافًا"(98).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(95) المقعد الخاص بالكهنة - كالكرسي الأسقفي مثلًا.

(96) آباء نيقية (بالإنجليزية) جـ12 ص554ـ555.

(97) وَتُكْتَبْ هكذا Chloe.

(98) آباء نيقية... جـ12 ص222.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/iris-habib-elmasry/woman-christ/paul-on-women.html

تقصير الرابط:
tak.la/m9ks748