St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

715- هل قول السيد المسيح: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" (يو 6: 35، 48).. "جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق" (يو 6: 55) لا يقصد به العشاء الرباني الذي لم يحدث بعد؟

 

سؤال 715: هل قول السيد المسيح: " أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" (يو 6: 35، 48)... "جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق" (يو 6: 55) لا يقصد به العشاء الرباني الذي لم يحدث بعد؟

في القرن التاسع الميلادي أنكر "يوحنا أربجانا" الإيرلندي استحالة الخبز إلى جسد المسيح، وكتب يقول: " بأن هذا السر لا يحوي جسد المسيح ودمه حقيقة" وتبعه في القرن الثاني عشر "بطرس دي بريز" بفرنسا، وطائفة الألبيجتسيين في القرن 13، وتبعهم زعماء الإصلاح الريخ زونكلي، وجون كالفن، ويوحنا ويكلف (راجع حبيب جرجس - أسرار الكنيسة السبعة ص60).

وقال "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " هل كان المسيح في كلامه عن أكل جسده وشرب دمه (يو 6) متحدثًا إلى سامعيه عن العشاء الرباني؟, وجوابًا على هذا السؤال بكل صراحة" كلاَّ":

(1) لأنه ليس من الطبيعي أن يتحدث المسيح إلى سامعيه، عن فريضة لم تكن قد رُسمت بعد -وواضح من أخبار البشيرين، أن فريضة العشاء الرباني رُسمت بعد مرور عام على هذا الحديث- فمن المحقق أن سامعيه في كفرناحوم لم تكن عندهم أي فكرة عن الفريضة لا تصريحًا ولا تلميحًا...

(3) لقد علمنا المسيح ورسله، في كل مناسبة، أن الإيمان الحي هو الوسيلة الوحيدة التي بها ينال الإنسان الحياة الأبدية، فليس من المعقول أن يناقض المسيح نفسه، ويهدم تعاليمه التي أوصى بها، ويعلمنا أن الحياة الأبدية تنال بواسطة وسيلة مادية بحتة، مثل الأكل والشرب... فلا مناص إذًا من التسليم بأن أكل جسد المسيح وشرب دمه، يراد بهما شيء آخر غير فريضة العشاء الرباني" (181).

وقال "وليم باركلي": " نستطيع أن نأخذ هذا القول (يو 6: 50-56) بصورة معنوية... فحينما يقول يسوع أن علينا أن نشرب دمه، فإنه يعني أننا ينبغي أن نشبع بحياته، ونمتلئ بكيانه... (فهو) أكثر من موضوع للمنازعات اللاهوتية والخلافات العقائدية... هلموا خذوني في أعماقكم، لأتحد بكم في أعماقي... وهذا ما يقصده يسوع من حديثه عن ثباته في أحبائه، وثبات أحبائه فيه. وهذا ما يعنيه بقوله أننا ينبغي أن نتغذى بجسده، ونرتوي بدمه... ما أقسى حالة المجتمع المسيحي، الذي يحبس المسيح بين جدران الكنيسة، وجعل حضوره رهنًا بمراسيم يقوم بها الكاهن، وتلاوات يتلوها وصلوات يرفعها. ينبغي أن نلمس المسيح في كل مكان لأن حضور السيد يملأ كل مكان" (تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا جـ 1 - الأصحاح السادس).

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- نعم السيد المسيح حدث الجموع في كفرناحوم عن العشاء الرباني قبل أن يرسى هذا السر في ليلة آلامه، وهذا السر العظيم ليس فريضة كقول من ينكرون هذا السر. لقد أراد السيد المسيح أن يهيئ ذهن البشرية لقبول هذا السر العظيم الذي تشتهي الملائكة أن تطلع عليه، وهذا ليس أمرًا فريدًا أن يتحدث السيد المسيح عن سر أو حدث قبل تأسيس هذا السر أو حدوث هذا الحدث، فقد تحدث السيد المسيح مع نيقوديموس عن سِر المعمودية والولادة الجديدة من الماء والروح، ولم تكن الكنيسة قد مارست هذا السر بعد، لأن المعمودية موت وقيامة مع المسيح الذي لم يكن قد صُلب ومات بعد، وتعجب نيقوديموس (يو 3: 4)، وهكذا كان رد فعل اليهود عندما سمعوا السيد المسيح يتحدث عن سر الإفخارستيا، فتعجبوا بل خاصم بعضهم بعضًا قائلين: " كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ" (يو 6: 52) وهكذا سيظل البعض يتعجب والبعض يتشكَّك من بعض تعاليم السيد المسيح. وهكذا تحدث السيد المسيح عن مجيء المعزي: " وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ" (يو 16: 13) قبل أن يحل الروح القدس على الكنيسة يوم الخمسين، وتحدَّث عن مجيئه الثاني والدينونة (مت 25: 31-46) قبل أن تحدث هذه الأمور.

2- تحدث السيد المسيح عن أهمية الإيمان لنوال الحياة الأبدية، دون أن يحدّد أن الإيمان فقط لا غير هو اللازم لنوال الحياة الأبدية، وهنا تظهر خطورة الاعتماد على جانب واحد وإهمال بقية الجوانب... ألم يوضح السيد المسيح لنيقوديموس أهمية سر المعمودية قائلًا: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّـهِ" (يو 3: 3، 5)...؟! أليست الأعمال الصالحة لازمة وضرورية، والعذارى الجاهلات لن يدخلن الملكوت ما دام ليس لديهن زيت، والزيت أي الأعمال الصالحة (مت 25: 1-13)، ونظرة إلى موقف الدينونة ومكافأة الأبرار وعقاب الأشرار بناء على أعمال كل منهم (مت 25: 31-46) لنرى أن: " الإِيمَانُ أَيْضًا بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ" (يع 2: 26).

3- قول السيد المسيح " أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" (يو 6: 35، 48) ليس قولًا مجازيًا رمزيًا، مثل قوله: " أَنَا هُوَ الْبَابُ" (يو 10: 9)، و" أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ" (يو 14: 6) و" أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" (يو 15: 1). وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س423.

4- نحن لا نحصر وجود المسيح داخل جدران الكنيسة ونجعل وجوده رهن مراسم يقوم بها الكاهن، بل أننا نؤمن أن السيد المسيح بحسب لاهوته مالئ كل مكان وزمان، وفي نفس الوقت هو حاضر بلاهوته وناسوته في سر الإفخارستيا، والكاهن لا يتمم مراسم من عنده، ولا يتلو تلاوات من اختراعاته، إنما يتمم ما رسمه السيد المسيح وأوصى به عندما قدم جسده ودمه لتلاميذه في خميس العهد، وأوصاهم أن يصنعوا هذا للذكرى العينية، وجميع صلوات القداس مُستمدة من الأسفار المقدَّسة ولها سندها الكتابي، فالكنيسة تُقدِّم لنا الإنجيل الحي المُعاش وتعيشنا أحداث ميلاد المسيح وخدمته وآلامه وموته وقيامته وصعوده ومجيئه الثاني. أنها السماء على الأرض، وقد مارست الكنيسة هذا السر خمسة عشر قرنًا، فهل كان فهمها خاطئًا حتى جاء زعماء الإصلاح الريخ زونكلي وجون كالفن وأتباعهم ليصححوا مُمارسة الكنيسة التي استمرت زمنًا هذا مقداره، وما زالت تعيش به للآن؟!!

5- حديث السيد المسيح عن العشاء الرباني حديث واضح وصريح لا يحتمل أي لبث ولا تأويل، فتجده يؤكد على أهمية السر وخطورة إهماله، يتحدث تارة بالإيجاب وتارة بالسلب. بالإيجاب يقول: " أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ" (يو 6: 51)... " مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يو 6: 54)... " مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو 6: 56). وبالسلب يقول: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإنسان وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو 6: 53). ومن أهمية هذا السر أوضح السيد المسيح أنه الخبز الحي النازل من السماء عدة مرات (يو 6: 33، 35، 48، 50-51، 58) ولك أن تلاحظ استخدام السيد المسيح كلمة " الْحَقَّ" ومشتقاتها في هذا الحديث مثل قوله "جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق" (يو 6: 55). وكلمة " الْحَقَّ" في العبرية אֱמֶת "إيميت" تشير إلى ما هو صحيح وحق وموضع ثقة واعتماد، وكلمة " الْحَقَّ" في اليونانية πιστεύω "بستيؤو" واستخدمها أفلاطون للتعبير عن الحقيقة كنقيض لغير الحقيقة (الباطل) مثلما استخدم تعبير "السماوي" كنقيض للأرضي (راجع د. بوب إتلي - إنجيل يوحنا والرسالة 1، 2، 3 ليوحنا).

6- أجمع الآباء الأولون أن السيد المسيح في حديثه (يو 6: 32-69) كان يتحدث عن سر الإفخارستيا. يقول "القديس كيرلس الكبير": "مرة أخرى يعقد (السيد المسيح) مقابلة بين البركة السرية وعطاء المن، وبين مذاق الكأس والينابيع المُتفجرة من الصخر وما كان قد قاله بكلمات أخرى، يقوله مرة ثانية هنا. فإن طعام المن قد وفى بحاجة الجسد زمنًا قليلًا جدًا، فأبعد ألم الجوع، لكنه صار بعدها بلا قوة، ولم يهب الذين أكلوه حياة أبدية. إذًا لم يكن ذاك هو "الطعام الحقيقي" والخبز الذي (نزل) من السماء، بل: الجسد المقدَّس الذي للمسيح الذي يقود إلى الخلود والحياة الأبدية، الذي هو حقًا الطعام "الحقيقي". "وهم شربوا ماءًا من الصخرة أيضًا" (وهو يقول: وماذا أيضًا)، أو ما المنفعة التي عادت على الذين شربوا؟ لأنهم قد ماتوا. لأنه لم يكن ذاك الشراب أيضًا شرابًا حقيقيًا، بل المشرب الحق في الواقع هو دم المسيح الثمين، الذي يستأصل الفساد كله من جذوره، ويزيح الموت الذي سكن في جسد الإنسان... لهذا نحن نُدعى جسد المسيح وأعضاؤه (1 كو 12: 27) إذ أننا ننال الابن نفسه... من خلال الإفخارستيا (البركة)" (182) أيضًا) ، أو ما المنفعة التي عادت.

كما يقول "القديس كيرلس الكبير" أيضًا: " فكما أنه إذا ألصقنا شمعة بشمعة أخرى وعرضناهما للنار، فينتج عنهما شمعة واحدة، فهكذا أيضًا فعن طريق الاشتراك في جسد المسيح ودمه الثمين، إذ يكون هو فينا ونحن فيه، فإننا نصير واحد معه لأنه لا توجد طريقة أخرى يمكن بها للفاسد بالطبيعة، أن ينال الحياة ويصير حيًا، إن لم يندمج ويلتصق جسديًا بجسد ذاك الذي هو بالطبيعة الحياة، أي الابن الوحيد. ومن لا يتقنع بكلامي، فليصدق المسيح نفسه وهو يصرخ قائلًا: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإنسان وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّـةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يو 6: 53-54). ها أنت تسمعه هو نفسه وهو يعلن بوضوح أننا إن لم "نأكل جسده ونشرب دمه" فليس لنا في أنفسنا أي في جسدنا "حياة أبدية"... حيث أن الحياة، أي الكلمة الذي أشرق من اللَّه الآب، قد اتخذ لنفسه جسدًا، فإن الجسد تحوَّل إلى مبدأ حي يُعطي الحياة، ومن غير المعقول أن تنهزم الحياة من الموت" (183). والكنيسة على مدار التاريخ تمارس هذا السر العظيم ودعته بأسماء كثيرة تُظهِر مدى تقديرها وتعظيمها لهذه العطية الإلهية، فهو سر الإفخارستيا أي الشكر، العشاء الرباني، العشاء السري، العشاء الإلهي، المائدة المقدَّسة، مائدة الرب، المائدة السرية، سِر المذبح، خبز الحياة، خبز الرب، الخبز السماوي، الخبز الجوهري، جسد المسيح، دم المسيح، الجسد المقدَّس والدم الكريم، الخلاص المقدَّس، الشركة، الاتحاد، كأس الحياة الخلاصية، الأسرار الإلهية، الأسرار المقدَّسة، الأسرار المخوفة السمائية، الذبيحة المقدَّسة السرية (راجع حبيب جرجس - أسرار الكنيسة السبعة، ص57).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

7- يقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " والسيد المسيح يتكلم هنا بكل الوضوح قائلًا أنه هو الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء (يو 6: 32) وخبز الحياة (يو 6: 35) الذي يهب الحياة للعالم (يو 6: 33)، وأنه هو الذي يبذل جسده ودمه من أجل حياة العالم (عب 10: 10)، وأن من يأكله يحيا به، وأن جسده هو الطعام الحق، وأن دمه هو الشراب الحق، ولذلك فإن من يأكل جسده ويشرب دمه فله الحياة الأبدية. أما الذي لا يأكل جسده ولا يشرب دمه فليس له حياة في نفسه. وكلها كلمات واضحة، ولا تحتاج إلى مزيد من تفسير في أن سر التناول ذبيحة حية يأكل منها الإنسان أكلًا حقيقيًا لا مجازيًا ولا معنويًا، وأنه بهذا الأكل الحقيقي والشرب الحقيقي يستمد عصارة الحياة من الكرمة الحقيقية لكي يحيا، ومن دون ذلك فلا حياة... ولأن مخلصنا كشف بوضوح عن حقيقة التناول من جسده ودمه الأقدسين، وضرورة هذا التناول للحياة الأبدية، لذلك اكتفى الإنجيل للقديس يوحنا بما جاء على فم المسيح له المجد في حديثه وحواره مع اليهود عامة، ومع تلاميذه خاصة. ولم يورد ما أوردته الأناجيل الثلاثة الأخرى من تسليم السيد المسيح لسر القربان المقدَّس في ليلة آلامه... (مت 26: 26-28؛ مر 14: 22-24؛ لو 22: 19-20؛ 1 كو 11: 23-30)" (184). ويقول "الأب لويس برسوم الفرنسيسكاني": " فأنتم أيها الجياع، هلموا جميعًا إلى وليمة الحمل الذي يعطيكم الخبز الحقيقي النازل من السماء، والواهب الحياة للعالم، حياة البر والقداسة: "والْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّـذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يو 6: 51). وأنتم أيها العطاش، هلموا جميعًا وارتووا من دم الحمل، الرافع خطايا العالم، ذلك الينبوع الحي... أن جسد يسوع المسيح ودمه، ليسا هما جسد ودم ابن يوسف، كما ظن اليهود، بل هما جسد ودم ابن اللَّه. وعليه فمن يأكل جسد الرب يسوع ويشرب دمه باستحقاق، فمن المُحال أن يموت إلى الأبد. لأن باتحاده بيسوع في سر التناول، يتحد بمبدئ الحياة ورب الكون العظيم الذي له " يُحْيِي مَنْ يَشَاء" (يو 5: 21)" (185).

8- يذكر التاريخ أن مارتن لوثر اختلف مع زعماء الإصلاح ولا سيما الريخ زونكلي الذي نظر لسر الإفخارستيا على أنه مجرد رمز وذكرى به نتذكر آلام المسيح وموته. أما "مارتن لوثر" فقد كان مُتمسكًا بقول السيد المسيح: " خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي" (مت 26: 26). "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مت 26: 28) وكتبهما، ووضعهما أمامه أثناء جداله مع زونكل والزونكليين، وكلما احتدم الجدال كان يشير لهاتين الآيتين قائلًا هذا هو قول السيد المسيح. ونادى لوثر بفكرة الحلول المزدوج، فالخبز يظل خبزًا لكن يحل فيه جسد المسيح، والخمر يظل خمرًا ولكن يحل فيه دم المسيح، وهيَ نظرية تختلف عن سر الاستحالة الذي نؤمن به، فالخبز يتحوَّل بعمل الروح القدس إلى جسد المسيح، وعصير الكرمة يتحوَّل إلى دم المسيح، ونحن نأكل جسد المسيح ونشرب دمه تحت أعراض الخبز والخمر، مؤمنين دائمًا بقول المسيح "جسدي" و"دمي": "جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق" (يو 6: 55).

قال "مارتن لوثر": "بما أنه لا توجد نصوص كتابية تقول بأن الخبز ليس جسد المسيح، يجب علينا إذًا قبول كلام السيد بطريقة بسيطة كما نطق به، فلا يجب إذًا تغيير هذا الكلام، بل قبول حقيقة أن الخبز هو جسد المسيح" (186). كما قال "مارتن لوثر" أيضًا: " أنني واثق تمامًا أن اللَّه لا يكذب وبما أن كلمته تعرفنا بأن جسد ودم يسوع موجودان في هذا السر فيجب تصديقها"(187). ويقول "الدكتور القس حنا جرجس الخضري": " وفي معاهدة سنة 1527م يقول لوثر: أن كلمات السيد "هذَا هُوَ جَسَدِي" كلمات صحيحة لأنها تبرهن على أن يسوع يُريد أن يثبت بطريقة واضحة وصريحة عندما قدم الخبز، أنه أعطى جسده للأكل. وعلى هذا الأساس فنحن نؤمن ونعترف بأننا نأكل ونشرب بطريقة حقيقية وحرفية جسد المسيح في أثناء تناول العشاء الرباني. من هذه الاقتباسات السابقة ومن نصوص كثيرة أخرى كتبها لوثر في هذا الموضوع نرى بطريقة لا تدع مجالًا للشك، أن (لوثر)... كان يؤمن إيمانًا ثابتًا بحضور جسد المسيح الحقيقي في الخبز والخمر، وهذا الحلول أو حضور المسيح في الخبز والخمر ليس حضورًا روحيًا كما سنرى فيما بعد في عقيدة كالفن، بل هو حضور حقيقي وفعلي" (188). ومما يُذكر عن مارتن لوثر قوله أنه أحبَّ له أن يشرب الدم مع البابا من أن يشرب الخمر مع زونكلي.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(181) شرح بشارة يوحنا، ص253، 254.

(182) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص414، 415.

(183) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص260.

(184) موسوعة الأنبا غريغوريوس جـ 16 - الكتاب المقدَّس جـ 5 - تفسير إنجيل القديس يوحنا، ص158، 159.

(185) تفسير الأناجيل المقدَّسة التي تُقرأ في أيام الآحاد والأعياد جـ2، ص43.

(186) أورده الدكتور القس حنا جرجس الخضري - تاريخ الفكر المسيحي - يسوع المسيح عبر الأجيال - المجلد الأول ص327.

(187) أورده الدكتور القس حنا جرجس الخضري - تاريخ الفكر المسيحي - يسوع المسيح عبر الأجيال - المجلد الأول ص327.

(188) المرجع السابق، ص327.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/715.html

تقصير الرابط:
tak.la/t3mpmn8