St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 516- لماذا أخرج السيد المسيح أعمى بيت صيدا خارج القرية (مر 8: 23) ولم يشفه أمام الجموع؟ ولماذا لم يشفه بكلمة إنما تفل في عينيه، وهل عجز أن يشفه مرة واحدة فشفاه على مرحلتين (مر 8: 23 - 24) وهل يقوم الله بتجربة فاشلة؟

 

س 516: لماذا أخرج السيد المسيح أعمى بيت صيدا خارج القرية (مر 8: 23) ولم يشفه أمام الجموع؟ ولماذا لم يشفه بكلمة إنما تفل في عينيه، وهل عجز أن يشفه مرة واحدة فشفاه على مرحلتين (مر 8: 23 - 24) وهل يقوم الله بتجربة فاشلة؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- لماذا أخرج السيد المسيح أعمى بيت صيدا خارج القرية (مر 8: 23) ولم يشفه أمام الجموع؟.. كانت عملية الشفاء هنا بطريقة مختلفة بسبب ضعف إيمان هذا الرجل الأعمى، ولو كان له إيمان بارتيماوس الأعمى ابن تيماوس لقال له يسوع: " اذْهَبْ إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ. فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَ" (مر 10: 52). لقد شفى السيد المسيح هذا الأعمى بالتفل واللمس مثلما شفى الأصم الأعقد باللمس والتفل (مر 7: 31 - 37)، وقد انفرد مرقس الإنجيلي بذكر هاتين المعجزتين كمراقب للأحداث بعين ثاقبة، ففي كلتا المعجزتين انفرد المسيح بالرجل سواء الأصم الأعقد، أو الأعمى، وفيهما استخدم السيد المسيح اللمس والتفل، وأمر كل منهما أن لا يُخبِر أحد بما جرى. وإذا ربطنا هاتين المعجزتين بمعجزتي إشباع الجموع، فشفاء الأصم الأعقد جرت بعد معجزة إشباع الجموع الأولى بين اليهود، وهذا الرجل الأصم الأعقد يشير إلى حالة الأمم، والعكس فأن شفاء الأعمى بعد معجزة إشباع الجموع الثانية بين الأمم، وهذا الرجل الأعمى يشير لحالة اليهود الذين عجزوا عن معرفة المسيا.

وقد أخرج السيد المسيح أعمى بيت صيدا خارج القرية لحكمة يراها هو، فهو له السلطان الكامل في تصرفاته، وليس ملزمًا أن يقدم حسابًا عن أعماله الصالحة وعن تصرفاته المملوءة خيرًا. غير أننا نثق أن كل ما فعله قد فعله بحكمة عجيبة.. هل لأن الرب يسوع أحب هذا الرجل وأراد أن يلتقي به في جو هادئ بعيد عن التوتر والانفعالات البشرية، ليتمعن في عمل الله معه؟!.. ربما.. هل فعل هذا لكي يعلم تلاميذه البُعد عن الشهرة والافتخار والهرب من المجد الباطل؟!.. ربما، ولهذا عندما شفاه: " فَأَرْسَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ قَائِلًا لاَ تَدْخُلِ الْقَرْيَةَ وَلاَ تَقُلْ لأَحَدٍ فِي الْقَرْيَةِ" (مر 8: 26).. هل فعل هذا لأن أهل بيت صيدا لا يستحقون أن يشاهدوا هذه المعجزة العجيبة، لأنهم شاهدوا الكثير من المعجزات ولم يؤمنوا؟.. ربما، فبالرغم من أنها بلدة ثلاثة من الرسل وهم بطرس وأندراوس وفيلبس، لكن سقط عليها الويل: " وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ. وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا لَتَابَتَا قَدِيمًا فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ" (مت 11: 21).

ويقول "متى هنري": " لقد اتخذ المسيح هذه الطريقة:

(1) لأنه لم يرد أن يربط نفسه بطريقة معينة واحدة، بل أراد أن يُبين أنه حُر في كل ما فعل. لم يرد أن تكون معجزات الشفاء على وتيرة واحدة، بل كانت تختلف طرقه حسبما كان يراه مناسبًا..

(2) لأنه كان يُعطي كل مريض حسب إيمانه، ولعل إيمان هذا الرجل كان في البداية ضعيفًا جدًا، لكنه اشتد فيما بعد، فأكمل له الشفاء..

(3) وهكذا أراد المسيح أن يُبين كيف يشفي بنعمته أولئك الذين هم عميان روحيًا بالطبيعة، في بداية الأمر تكون معرفتهم مشوشة، فهم يرون الناس كأشجار يمشون، لكنهم فيما بعد يجدون النور يتزايد كنور الصباح يتزايد وينير إلى النهار الكامل، وعندئذ يبصرون كل شيء جليًا (أَمَّا سَبِيلُ الصِّدِّيقِينَ فَكَنُورٍ مُشْرِق يَتَزَايَدُ وَيُنِيرُ إِلى النَّهَارِ الْكَامِلِ) (أم 4: 18)" (370).

وجدير بالملاحظة أن معجزات شفاء العميان كانت علامة مميزة للعصر المسياني:

† " وَيَسْمَعُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ الصُّمُّ أَقْوَالَ السِّفْرِ وَتَنْظُرُ مِنَ الْقَتَامِ وَالظُّلْمَةِ عُيُونُ الْعُمْيِ" (إش 29: 18).

"حِينَئِذٍ تَتَفَقَّعُ عُيُونُ الْعُمْيِ وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ" (إش 35: 5).

" لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ" (إش 42: 7).

" فَقَالَ يَسُوعُ لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ" (يو 9: 39).

 

2- لماذا لم يشفه بكلمة إنما تفل في عينيه، وهل عجز أن يشفه مرة واحدة فشفاه على مرحلتين (يو 8: 23 - 24) وهل يقوم الله بتجربة فاشلة؟..

أولًا: لا مجال للتشكيك في ألوهية السيد المسيح لأنه شفى هذا الأعمى على مرحلتين (راجع كتابنا: أسئلة حول ألوهية المسيح).

ثانيًا: لم تكن هذه التجربة فاشلة، ولم تكن المرحلة الأولى منها فاشلة، لأنها جعلته يرى البصيص، كما أنها قوت إيمانه الذي قاده للمرحلة الثانية.

ثالثًا: لم يكن إيمان هذا الرجل قويًا مثل إيمان أعمى أريحا، ولو كان إيمانه قويًا لشفاه السيد المسيح بمجرد الكلمة (مر 10: 46 - 50)، فهذا الرجل لم يسعى نحو النور الحقيقي ليبصر، إنما أهله وأصدقاؤه هم الذين قدموه للمسيح (مر 8: 22) فإيمانه ضعيف وليس منعدمًا، والدليل أنه لديه إيمان أنه أرتضى أن يذهب مع ذويه إلى السيد المسيح، وعندما قاده الرب يسوع إلى خارج القرية ذهب معه مسرورًا، دون أدنى اعتراض، وتفل السيد المسيح على أصبعه ومسح عينيه فأبصر يسيرًا برؤيا مشوشة، وسأله مُحب البشر عما إن كان أبصر شيئًا " فَتَطَلَّعَ وَقَالَ أُبْصِرُ النَّاسَ كَأَشْجَارٍ يَمْشُونَ" (مر 8: 24)، وبالطبع أن السيد المسيح عندما سأله لم يكن يجهل الحقيقة، إنما سأله مثلما سأل الله آدم في القديم: "آدم أين أنت؟ سأله لكيما ينعش الإيمان لديه ويدب الأمل في قلبه ويطمح للرؤيا الكاملة، وهذا ما حدث إذ أن هذه المرحلة الأولى قوَّت الإيمان في قلبه، وواضح أن عدم وضوح الرؤية لا يرجع إلى ضعف الطبيب، لأن نفس الطبيب هو الذي أعاد الرؤية جلية في المرة الثانية، إنما يرجع إلى ضعف إيمان هذا الرجل، وعندما تقوى إيمانه وضع السيد المسيح يده عليه ثانية، عندئذ: " أَبْصَرَ كُلَّ إِنْسَانٍ جَلِيًّا" (مر 8: 25)، فالنور الحقيقي يقود النفس الفقيرة في الإيمان خطوة فخطوة نحو الإيمان، وكلما سطع نور الإيمان في القلب كلما انفتحت البصيرة وعاد للنفس بصرها. لقد سعى مخلصنا الصالح إلى شفاء الرجل جسدًا وروحًا بالتمام والكمال، فيقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " وقد كان مخلصنا قادرًا على أن يشفي هذا الرجل دفعة واحدة بمجرد كلمة أو لمسة منه، ولكنه أدرك أنه قليل الإيمان فشفاه على مراحل، كي يقوده إلى الإيمان، مرحلة بعد مرحلة، بحيث يؤدي شفاؤه الجزئي إلى تدعيم إيمانه، ثم يؤدي إيمانه الكامل إلى شفائه الكامل. وبذلك يتم شفاء الجسد والروح معًا، وذلك ما كان يهدف إليه مخلصنا له المجد. وقد صرف الرجل بعد ذلك إلى بيته. وذلك لغضبه على أهلها وعلمه بعمى قلوبهم وضلال عقولهم وعدم جدوى أي مجهود يهدف إلى هدايتهم" (371).

وقد يعترض البعض قائلًا: كيف يتفل يسوع في عيني الأعمى؟.. والناقد هنا لم يفرق بين "التفل" و"البصق" ولم يقل الإنجيل أنه بصق في عينيه، إنما قال "تفل" أي بلل أصبعه باللعاب ولمس عيني الأعمى، فكما أن جسد السيد المسيح جسدًا شافيًا محيًّا، هكذا حمل لعابه قوة الشفاء. والناقد الذي يعترض على هذا التصرف لماذا يقبل ما حدث في صُلح الحديبية عما كان يفعله الصحابة مع الرسول: "ما تنخم النبي (صلعم) نخامة إلاَّ وقعت في كف الرجل منهم، فدلَّك بها وجهه وجلده (صحيح البخاري ج 1 ص66 - رقم الحديث 2529).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/516.html