St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 502- كيف يقول مرقس عن إلهه "إِنَّهُ مُخْتَل" (مر 3: 21)، وحتى لو سبقه في القول آخرون، فكيف ينطق بهذا اللفظ؟ وكيف تشك العذراء مريم في ابنها فتدعوه مختلًا وتطلب منه أن يترك خدمته ويعود معها؟

 

س502: كيف يقول مرقس عن إلهه "إِنَّهُ مُخْتَل" (مر 3: 21)، وحتى لو سبقه في القول آخرون، فكيف ينطق بهذا اللفظ؟ وكيف تشك العذراء مريم في ابنها فتدعوه مختلًا وتطلب منه أن يترك خدمته ويعود معها؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: كيف يقول مرقس عن إلهه " إِنَّهُ مُخْتَل" (مر 3: 21)، وحتى لو سبقه في القول آخرون، فكيف ينطق بهذا اللفظ؟..

1-

أ - لم يقل مرقس الرسول عن سيده " إِنَّهُ مُخْتَل " لكن الذين قالوا هذا هم أقرباء يسوع: " وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ لأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ مُخْتَل" (مر 3: 21). وقد تعودنا من كتابنا المقدَّس الصراحة التامة، فقد ذكر الأحداث كما جرت بالضبط بحلوها ومرها، بدون مواربة ولا تجميل، فذكر عري نوح وزنا داود وسجود سليمان للأوثان، وإنكار بطرس وخيانة يهوذا.. إلخ. ونحن لا نؤمن بعصمة إنسان من الخطأ إلَّا في حالة واحدة فقط وهيَ حالة تسجيله للأسفار المقدَّسة فقط.

ب - كلمة " مُخْتَل" التي استخدمها القديس مرقس هيَ ترجمة لفعل "existimi" ويوصف به الذي يخرج عن صوابه جراء دهشته وتعجبه، مثلما استخدمه القديس مرقس في مواضع أخرى من إنجيله معبرًا به عن الدهشة والتعجب، ففي إقامة ابنة يايرس قال: " فَبُهِتُوا بَهَتًا عَظِيمًا" (مر 5: 42) وفي معجزة إسكات البحر الهائج: " فَبُهِتُوا وَتَعَجَّبُوا فِي أَنْفُسِهِمْ جِدًّا إِلَى الْغَايَةِ" (مر 6: 51) (راجع يوحنا كرافيذوبولس - إنجيل مرقس ص 77). ويقول "دكتور وليم إدي": " مُخْتَل: لعلهم ظنوا أن التجليات الإلهية شغلت كل قواه العقلية وغلبتها حتى ذهد عن الضروريات الجسدية. ونسب فستوس مثل ذلك إلى بولس بقوله: "أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ" (أع 26: 24). وبولس عينه نسب مثل ذلك إلى نفسـه بقوله: "لأَنَّنَا إِنْ صِرْنَا مُخْتَلِّينَ فَلِلّهِ" (2كو 5: 13). ونعلم مما قاله يوحنا أن أقرباؤه لم يكونوا يومئذ مؤمنين به
(يو 7: 5). وكانت سيرة يسوع في ذلك تختلف اختلافًا كثيرًا عما عهدوا منه مدة ثلاثين سنة سكن فيها معهم. فلم يبقَ لهم لبيان ذلك الاختلاف سوى القول بذلك الاختلال. ولا يزال أهل العالم إلى الآن يظنون أن الأتقياء الذين يغيرون للَّـه غيرة غير عادية لخلاص نفوسهم وخلاص نفوس غيرهم، فهم مختلين
" (280).

ويقول "جيرهام سويفت": " مُخْتَل ليس معناها أنه فقد عقله بل المعنى المتداول اليوم أنه يعاني من الهوس الديني وقد أصبح متطرفًا. ولقد وُجّه اتهام مماثل أكثر من مرة إلى بولس (أع 26: 24، 2كو 5: 13) وكثيرًا ما يُوجَه للمسيحيين الغيورين" (281).

جـ - لقد خشى أقرباء يسوع عليه من كثرة تزاحم الجموع حتى أنه لم يجد فرصة للاعتناء بنفسه، فقطعوا مسافة ليست بالقليلة من الناصرة إلى كفرناحوم بسبب محبتهم له وإشفاقهم عليه، فكانت دوافعهم صادقة ولكن التوقيت كان خاطئًا، ولو أن السيد المسيح استجاب لمطلبهم وعاد إلى مدينته وبيته ألا يُعد هذا انسحابًا من الخدمة؟!!. ولك يا صديقي أن تُلاحظ قول مرقس البشير في الآية السابقة مباشرة: " فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ" (مر 3: 20)، فهذا يؤيد ويؤكد الدافع الذي من أجله خرج أقرباؤه يطلبونه ليعيدونه إلى موضع راحته حسب تصوُّرهم الخاطئ، ولذلك يرى البعض أن الأصل اليوناني لكلمة " مُخْتَل" تحتمل معنى أنه خائر القوة Powerless لأنه انهمك في الخدمة على حساب طعامه وراحته (د. ميخائيل مكسي إسكندر - تفسير الإنجيل بحسب ما كتبه مارمرقس الرسول). ويقول "دكتور وليم إدي": " لِيُمْسِكُوهُ: قصدوا بذلك أن يرجعوه معهم إلى الناصرة لكي يستريح من أتعابه ويحتمي من رؤساء الكهنة الذي تآمروا عليه. وقوله ليمسكوه يدل على أن أقرباؤه حسبوه قاصرًا عن الاهتمام بصحته وحياته وعاملوه كمن ليس له تمييز" (282).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

د - هؤلاء الأقرباء الذين حملوا نوايا حسنة ومشاعر فياضة ومحبة خالصة ليسوع، قد أمالوا أذانهم للشائعات الشريرة التي انطلقت حول مخلصنا الصالح، وما أكثرهـا، فمثلًا قالوا عنه:

(1) أنه يجدف لأنه يدعو نفسه ابن الله مسايًا نفسه باللَّـه " لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ الله أَبُوهُ مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللَّـه" (يو 5: 18) متجاهلين صوت الآب الذي جاء من السماء في المعمودية " أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ" (مر 1: 11)، وفي التنجلي: "هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ" (مر 9: 7)، وشهادة يوحنا المعمدان: " وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ الله" (يو 1: 34).

(2) كيف يقول أنه كائن قبل إبراهيم: " قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ. فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ " (يو 8: 58 - 59).

(3) استهان بالسبت وتعمَّد صنع معجزاته في السبوت، بل وأمر المفلوج أن يحمل سريره في يوم سبت " ثُمَّ قَالَ لَهُمُ السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ" (مر 2: 27)، فقالوا عنه: "هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ الله لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ" (يو 9: 16).

(4) احتجوا عليه لأنه قال أنه نزل من السماء، فقالوا: " أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ. فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ" (يو 6: 42).

(5) تزمروا عليه بل أنهم انفضوا بعيدًا عنهم عندما تحدث عن سر الأفخارستيا " فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ" (يو 6: 52).

(6) جاء تقرير الوفد المُرسَل للجليل من قِبل السنهدريم في أورشليم لمراقبته: " إِنَّ مَعَهُ بَعْلَزَبُولَ وَإِنَّهُ بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ" (مر 3: 22) وبالرغم من أن السيد المسيح ناقش هذا الاتهام وأظهر بطلانه بالعقل والمنطق إلَّا أنهم لم يقبلوا كلامه.

(7) شتموه قائلين " أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ" (يو 8: 48).

(8) قالوا عنه: "هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ" (مت 11: 19).

(9) قالوا: أن تعاليمه غريبة ويتكلم بأمثال لا نفهمها نحن ولا حتى تلاميذه.

(10) قالوا: أنه يقود مجموعة من الجهلة الأدنياء صيادي الأسماك ومنهم العشار والغيور.

ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: "خرجوا ليأخذوه ويعودوا به إلى البيت، إشفاقًا عليه، إذ أعتقدوا أنه من فرط غيرته في نشر دعوته قد أصبح في غير وعيه، أو لعلهم صدقوا الافتراءات التي كان أعداؤه يذيعونها عنه، أو أنه فقد عقله، وهيَ وصمة قد اعتاد بعض الناس إلصاقها بكل مُصلح أو عبقري، بيد أنه كان من الصعب أن يصدق الشعب هذا بالنسبة لذلك الإنسان الإلهي الوديع الحكيم القادر على ما لا يقدر عليه البشر" (283).

ومن أجل هذه الاتهامات وغيرها ناصب الكتبة والفريسيون والصدوقيون والهيرودسيون السيد المسيح العداء، وكانت هذه القيادات تمثل جماعات قوية تفتق بمن يقف في طريقها، وقد صبَّ السيد المسيح عليها الويلات، فلا بد أن تنتقم منه، وشعر أقرباء يسوع بهذه الخطورة التي تهدد يسوع بل وتهددهم هم أيضًا فأرادوا إنقاذ الموقف بأن ينسحب يسوع مـن المشهد. ويقول "ألفرد هافنت": " ذوو يسوع هم أقرباءه، أنه لا يعجبهم بتاتًا تحمس الجموع، لذلك "وافوا ليأخذوه" عنوة إلى الناصرة، فهم لا يفهمون البتة من رأوه يكبر وينمو أمامهم. لقد حيَّرهم إلى درجة جعلتهم يحكمون عليه "بأنه متهوّس" يعني أن النجاح قد أفقده العقل.. أنهم يلمسون لمس اليد تحامل السلطات الدينية عليه حسدًا، ويريدون إخراج يسوع من المأزق الحرج الذي وضع نفسه فيه.. ووضعهم هم أنفسهم فيه، فالأسرة والقبيلة في الشرق، تظلان متضامنتين رغمًا عنهما مع كل من أفرادها.. وإن أوقفت الشرطة الرومانية يسوع بتهمة إثارة الاضطرابات السياسية فأنه ينتج عن ذلك بصورة أكيدة مضايقات لذويه، فيُلاحَقون وربما يُوقفون ويُعذَبون" (284).

 

2- كيف تشك العذراء مريم في ابنها فتدعوه مختلًا وتطلب منه أن يترك خدمته ويعود معها؟.. لم تشك السيدة العذراء القديسة مريم في ابنها الحبيب، ولم تقـل عنـه قط أنه "مختل"، بل هذا قول أقرباؤه فقط كقول القديس مرقس: " وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ لأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ مُخْتَل" (مر 3: 21). أما أخوة يسوع مع أمه فجاءوا يطلبونه " فَجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُهُ وَأُمُّهُ وَوَقَفُوا خَارِجًا وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَدْعُونَهُ" (مر 3: 31)، العذراء مريم هيَ التي حبلت به بدون زرع بشر بعد أن بشرها رئيس الملائكة الجليل جبرائيل قائلًا لها: " اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ الله" (لو 1: 35) ويوم جاء الرعاة وسجدوا لمولود المزود وأخبروا بما كان " وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا" (لو 2: 19) فهيَ تفهم وتدرك وتعي حق قدرة، ولعلها كانت تخاطبه سرًّا "يا ابني وإلهي". ولا تنسى العذراء يوم أن طلبته في عودتهم من أورشليم ولم تجده بين الصبية فعادت أدراجها إلى المدينة المقدَّسة وبعد أن وجدته بعد ثلاثة أيـام قالت له: "هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ. فَقَالَ لَهُمَا لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِيمَا لأَبِي" (لو 2: 48 - 50). لم تشك في رسالته قط، وتقدر الخدمة التي كان يخدمها، بل هيَ التي أستعجلته السير في طريق الخدمة يوم أن قالت له في عُرس قانا الجليل: " لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ" (يو 2: 3) واثقة في قدرته على حل هذه المشكلة وغيرها. ويوم قال لها سمعان الشيخ: " وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ" (لو 2: 35) وضعت في قلبها ما سيلحق بابنها من آلام قاسية.. إذًا لماذا ذهبت مع أخوته يطلبونه؟.. لقد ذهب أخوته يطلبونه لأنهم خشوا عليه بطش القيادات الدينية، أما هيَ فذهبت إليه لأن الحنين قد جذبها لرؤيته بعد أن هجر بيته ومدينته وخرج ليزرع، ويبذر بذار الحياة في تربة أرض فلسطين. لقد اشتاقت لرؤياه لذلك خرجت إليه، وعندما سمعت صوته يقول: " مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي. ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي. لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ الله هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي" (مر 3: 33 - 35) لم تغضب منه ولم تعاتبه، بل أدركت المعنى والمغزى، وهيَ تثق وتدرك مقدار محبتها في قلبه، تلك المحبة التي عجزت كل آلام الصليب أن تهزها أو تضعفها.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/502.html