St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 358- هل قول السيد المسيح: "كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ" (مت 15: 13) يُنفي المسئولية عن الإنسان، لأن الآب هو الذي يغرس أو لا يغرس؟ وكيف يشتم السيد المسيح الفريسيين ويحتقرهم قائلًا لتلاميذه: "اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ" (مت 15: 14)؟ وإن كان التلاميذ بشهادة السيد المسيح لا يفهمون ولا يدركون (مت 15: 16) فكيف سيحملون لواء الدعوة ويدوّنون الأسفار المقدَّسة؟ وكيف يصدر القتل والزنى والفسق والسرقة من داخل قلب الإنسان (مت 15: 19)؟ ولماذا اختلفت قائمة الخطايا في إنجيل متى (مت 15: 19) عنها في إنجيل مرقس (مر 7: 21، 22)؟

 

س358: هل قول السيد المسيح: "كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ" (مت 15: 13) يُنفي المسئولية عن الإنسان، لأن الآب هو الذي يغرس أو لا يغرس؟ وكيف يشتم السيد المسيح الفريسيين ويحتقرهم قائلًا لتلاميذه: "اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ" (مت 15: 14)؟ وإن كان التلاميذ بشهادة السيد المسيح لا يفهمون ولا يدركون (مت 15: 16) فكيف سيحملون لواء الدعوة ويدوّنون الأسفار المقدَّسة؟ وكيف يصدر القتل والزنى والفسق والسرقة من داخل قلب الإنسان (مت 15: 19)؟ ولماذا اختلفت قائمة الخطايا في إنجيل متى (مت 15: 19) عنها في إنجيل مرقس (مر 7: 21، 22)؟ (راجع علاء أبو بكر - البهريز جـ 5 س132).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ عندما قال السيد المسيح: "كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ" (مت 15: 13) وتساءل النُقَّاد: إذًا ما هو ذنب الإنسان الذي لم يغرسه الآب أصلًا؟ الحقيقة أن اختيار اللَّه مبني على سلوك الإنسان، فقبول الإنسان للوصايا الإلهيَّة وضبط تصرفاته وسلوكياته على إيقاعها هو الذي يفصح عن غرس من هو؟ هل غرس اللَّه أم غرس الشيطان؟ فالإنسان الذي اختار طريق القداسة حتمًا هو من غرس الآب السماوي، أما الإنسان الذي اختار طريقًا آخر يضاد طريق الملكوت فهو من غرس الشيطان، بمعنى أنه ترك نفسه للشيطان ليغرس فيه الزوان التي تغلبت على الحنطة وأفسدت أرض حياته، ومثل هذا الإنسان حتمًا سيُقلع ويُلقى به في النار الأبدية، فليس له نصيب في الملكوت السمائي. إذًا جوهر الغرس هنا يتوقف على قبول الإنسان للحياة مع اللَّه أو رفض طريق الملكوت، وليس لدى اللَّه محاباة وتحيُّز، لأنه يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، ولكن الأمر يتوقف على إرادة الإنسان.

وتشبيه الإنسان بالغرس يذكرنا بقول الروح القدس على لسان آساف المرنم عن شعوب اللَّه: "كَرْمَةً مِنْ مِصْرَ نَقَلْتَ. طَرَدْتَ أُمَمًا وَغَرَسْتَهَـا" (مز 80: 8). ويقول "الأب متى المسكين": "التعليم هنا ينصب على ما يغرسه اللَّه من أقوال ومن أشخاص لهم سمة الملكوت وخدمته، وما يغرسه الإنسان من أقوال وأشخاص يعملون لأهداف غير اللَّه والملكوت والحياة الأبدية. والقلع هنا قلع من الأرض وقلع من السماء فلا يعود يوجد له أثر معين. لأن كل صنعة الإنسان التي ليست لحساب الملكوت إلى زوال. أما الذي يغرسه الآب فَهُمْ: ".. مَغْرُوسِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ فِي دِيَارِ إِلهِنَا يُزْهِرُونَ. أَيْضًا يُثْمِرُونَ فِي الشَّيْبَةِ. يَكُونُونَ دِسَامًا وَخُضْرًا. لِيُخْبِرُوا بِأَنَّ الرَّبَّ مُسْتَقِيمٌ. صَخْرَتِي هُوَ وَلاَ ظُلْمَ فِيه" (مز 92: 13 - 15)" (966).

ويقول "متى هنري": "ملاحظات: الأولى: ليس غريبًا أن نجد في الكنيسة المنظورة غروسًا لم يغرسها أبونا السماوي. والمفهوم من سياق الحديث أن كل ما هو صالح في الكنيسة فهو من غرس اللَّه (إش 41: 19). على أنه مهما كان حرص الفلاح فإن أرضه لا بد أن تنبت عشبًا من نفسها، كثيرًا أو قليلًا، لأن هنالك عدوًا منشغلًا في بذر بذور الزوان. وكل ما هو فاسد ليس من غرس اللَّه، حتى وإن كان بسماحه، فهو لا يزرع إلاَّ: "زَرْعًا جَيِّدًا فِي حَقْلِه" (مت 13: 24).. " لاَ تُصَدِّقُـوا كُلَّ رُوحٍ بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ" (1يو 4: 1)..

الثانية: إن الذين يحملون الروح الفريسية، المتكبرين المتمسكين بمجرد الشكليات المرائين لا يمكن أن يعترف بهم اللَّه كأنهم من غرسه مهما بدت مظاهرهم.

الثالثة: وتلك الغروس التي ليست من غرس اللَّه لا يمكن أن تنعم بحمايته وعنايته، بل لا بد أن تُستأصل. كل ما ليس من اللَّه لا يمكن أن ينبت (أع 5: 38). كل ما لا يتفق مع الإنجيل سيذبل ويموت من نفسه.." (967).

 

2ــ بعد أن أوضح السيد المسيح تضارب تقليد الشيوخ مع الوصية الإلهيَّة الخاصة بإكرام الوالدين، وقد استخدم المشرط كطبيب ماهر يستأصل الأفكار الخبيثة، موضحًا للفريسيين أم ما فعله تلاميذه هو تعدي تقليد الشيوخ الذي يُمثل وصايا الناس، أما هم فقد تعدوا الوصية الإلهيَّة بتقليداتهم الفاسدة. وبالطبع لم تحتمل أسماعهم هذا النقد، لأن العيون الرمداء لا تحتمل التعاليم الساطعة، فشعروا بالضيق الشديد ونفروا: "فَأَجَابَ وَقَالَ كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ. اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ" (مت 15: 12 - 14). وفي هذا لم يشتمهم السيد المسيح ولم يحتقرهم لكنه عرَّفهم مدى جهلهم وكبرياؤهم، فهم يتصوَّرون أنهم القدوة والمثال الذي ينبغي أن يُتبَّع، وأنهم أصحاب الكرم وورثة الملكوت، فأغووا الناس لإتباعهم وصبوا اللعنات على من لا يتبعهم، وبينما هم يدَّعون أنهم حكماء وفهماء ومعلمين كانوا في حقيقتهم أكثر الناس جهلًا، ولو شعروا بعماهم الروحي ووضعوا أنفسهم بين يدي الطبيب الشافي لشفاهم من عماهم ونجاهم من أنفسهم ومنحهم البصيرة الروحية، ولكنه يعرف جيدًا أنهم سيعاندون ويكابرون على طول الخط، وهذا ما حدث إذ ظلوا يقاومون المسيح حتى أسلموه للصلب، فعندما قال عنهم السيد المسيح أنهم " عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ" فهو لم يشتمهم لكنه وصَّف وشخَّص حالتهم وكشف عن حقيقتهم وحقيقة تعاليمهم الفاسدة، فهو العارف بخباياهم وظواهرهم.

ويقول "القمص تادرس يعقوب" عن السيد المسيح: "إنه الطبيب الحكيم الذي يعرف متى يحتاج المريض إلى ضربات المشرط ليقتلع كل فساد، ومتى يستخدم الدهن الطيب ليلطف الجراحات، متى يجرح ومتى يضمد. لم يكن ممكنًا شفاء المعلمين المرائين بالكلمات الطيبة، فإن هذا يغطي على شرهم في الداخل ليفسد الجسد كله" (968).

 

3ــ قال السيد المسيح ليس كل ما يدخل الفم هو الذي ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجسه، ولم يفهم التلاميذ لأنهم رأوا أن كلام السيد المسيح يبدو وكأنه يناقض ما جاء في الناموس من النهي عن بعض الأطعمة، ولذلك طلب منه بطرس أن يُفسّر لهم المَثَل، مع أن السيد المسيح لم يقل مثلًا إنما قال تعليمًا جديدًا يتناسب مع العهد الجديد: "فَقَالَ يَسُوعُ هَلْ أَنْتُمْ أَيْضًا حَتَّى الآنَ غَيْرُ فَاهِمِينَ" (مت 15: 16). فقد كان الأمر مغلقًا عليهم لأنهم يهود حتى النخاع وتربوا على الحذر كل الحذر من الأطعمة المحرَّمة التي تنجس الإنسان (لا 11)، وحتى بعد القيامة عندما رأى بطرس الملأة النازلة من السماء وسمع صوتًا يقول له: "قُمْ يَا بُطْرُسُ اذْبَحْ وَكُلْ. فَقَالَ بُطْرُسُ كَلاَّ يَارَبُّ لأَنِّي لَمْ آكُلْ قَطُّ شَيْئًا دَنِسًا أَوْ نَجِسًا. فَصَارَ إِلَيْهِ أَيْضًا صَوْتٌ ثَانِيَةً مَا طَهَّرَهُ اللَّه لاَ تُدَنِّسْهُ أَنْتَ. وَكَانَ هذَا عَلَى ثَلاَثِ مَرَّاتٍ" (أع 10: 13ــ 15).

والحقيقة أن هناك أمورًا كثيرة أُغلقت على التلاميذ، فعندما كان يكلمهم السيد المسيح عن صلبه وآلامه وموته وقيامته لم يفهموا ماذا يقصد، وخافوا أن يسألوه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. والإنجيل الذي عوَّدنا على الصراحة لم يُخفي هذا الأمر. بل أنهم لم يدركوا شخصية وهوية المسيح وأنه اللَّه المتجسّد، ولو أدركوا ذلك فكيف كانوا سيتعاملون معه؟!!! ولذلك فالسيد المسيح بحكمته الإلهيَّة كان يكشف لهم عن هذه الأمور شيئًا فشيئًا ولا سيما بعد القيامة حيث فتح أعينهم على الحقائق الإيمانية: "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ" (لو 24: 31).. " حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ" (لو 24: 45)، وعندما حلّ الروح القدس على التلاميذ أعطاهم روح الفهم وأرشدهم وعلمهم كقول السيد المسيح: "وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُـمْ" (يو 14: 26).. " مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ" (يو 16: 13)، فحملوا لواء الدعوى للأرض كلها وتحقَّق فيهم قول داود النبي: "فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ" (مز 19: 4)، وسجلوا لنا الأسفار المقدَّسة من الألف للياء، فكان يرشدهم وينير أذهانهم ويعلمهم بأمور لا يعرفونها ويعصمهم من أي خطأ أو شائبة ويساعدهم على إنتقاء الألفاظ (2 تي 3: 16، 2 بط 1: 21).

 

4ــ أعطى السيد المسيح أمثلة للخطايا التي تنبع من داخل الإنسان: "لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ زِنىً فِسْقٌ سِرْقَةٌ شَهَادَةُ زُورٍ تَجْدِيفٌ" (مت 15: 19).. ولك يا صديقي أن تلاحظ أن الأفكار الشريرة هيَ بذار الخطايا، وأن الخطايا التي ذكرها السيد المسيح مرتبطة بمخالفة الوصايا العشر التي تمثل العمود الفقري للناموس كله، فالقتل يبدأ بالكراهية والحقد وحب الإنتقام، وهيَ الخطية التي نهت عنها الوصية السادسة، وقال يوحنا الحبيب: "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ" (1 يو 3: 15). والزنى والفسق يبدأ بالنظرة الشريرة والشهوة الرديئة، وهذه الخطية نهت عنها الوصية السابعة، وقال القديس يعقوب: "الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا" (يع 1: 15). والسرقة تبدأ بإشتهاء ما للغير، وقد نهت عنها الوصيتان الثامنة والعاشرة، وشهادة الزور ضد الحق ونهت عنها الوصية التاسعة. والتجديف أي التفوَّه على اللَّه بألفاظ لا تليق وقد نهت عنه الوصية الثالثة. وذكر القديس مرقس خطايا أخرى فقال: "لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ زِنىً فِسْقٌ قَتْلٌ. سِرْقَةٌ طَمَعٌ خُبْثٌ مَكْرٌ عَهَارَةٌ عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ تَجْدِيفٌ كِبْرِيَاءُ جَهْلٌ" (مر 7: 21) فذكر الطمع والخُبث والمكر والعهارة والعين الشريرة والكبرياء والجهل، ولم يذكر شهادة الزور. فهل السيد المسيح نطق بما ذكره القديس متى أم ما ذكره القديس مرقس؟ لقد نطق السيد المسيح بهذه وتلك وربما بأكثر من هذه وتلك، فالأناجيل لم تسجل كل ما تفوَّه به السيد المسيح، بل وقف كل كاتب أمام محيط شاسع، والروح القدس كان يرشده إلى ما يختار ويكتب.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(966) الإنجيل بحسب القديس متى ص474، 475.

(967) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 2 ص17.

(968) تفسير إنجيل متى ص345.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/358.html