St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 262- كيف يؤكد السيد المسيح أنه جاء ليثبّت الناموس ولم يأتِ لينقضه (مت 5: 17)، ثم يغير ويبدل فيه، فيقول: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" (مت 5: 21، 22 - 27، 28 - 33: 34 - 38، 39 - 43، 44)؟

 

س262: كيف يؤكد السيد المسيح أنه جاء ليثبّت الناموس ولم يأتِ لينقضه (مت 5: 17)، ثم يغير ويبدل فيه، فيقول: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" (مت 5: 21، 22 - 27، 28 - 33: 34 - 38، 39 - 43، 44)؟

يقول "حفيظ اسليماني" " إذًا القارئ لهذا النص (مت 5: 17 - 19) يدرك يقينًا أن المسيح عليه السلام لم يأتِ من أجل نقض أو نسخ شريعة موسى عليه السلام " الناموس " وإنما جاء ليكمل ويثبت الشريعة بقوله لا تظنوا إني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لألغي بل لأكمّل.

ومما يثير الدهشة والعجب تقول سارة العبادي (التحريف والتناقض في الأناجيل الأربعة ص207) أن يأتي بعد هذا النص مباشرة نصوص أخرى متناقضة وبالتفصيل في نفس الأصحاح، وهيَ كما يلي.. (مت 5: 21، 33، 38، 43). وتضيف سارة العبادي القول يتضح مما سبق التناقض الموجود في إنجيل متى بعينه، بل وفي أحد فصوله، وفي فقرات متتالية ومفصلة منه.. من هذه النصوص يظهر أن متى لم يثبّت الشريعة وإنما نسخ الأحكام السابقة وجاء بتشريع من عنده كما تؤكد ذلك النصوص السالفة الذكر" (582).

كما يقول "علاء أبو بكر": "س313: يُنسب إلى عيسى عليه السلام قوله: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" (مت 5: 21، 27، 33، 38، 43)، والسؤال الآن: من الذي قال للقدماء من الأنبياء وأقوامهم؟ ألا يثبت ذلك أن القائل سابقًا غير عيسى عليه السلام، وأن عيسى ليس هو اللَّه الذي أوحى هذا الكلام؟ ولو كان عيسى هو الإله الذين أوحى الكلام الأول، ويغيره هنا، لكان هذا نسخًا لما قاله. فمال النصارى لا يعترفون بالنسخ في كتابهم"(583). (راجع أيضاْ علاء أبو بكر - البهريز س241 ص216، 217).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ تكررت عبارة: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُول " في الأصحاح الخامس خمس مرات (مت 5: 21، 27، 33، 38، 43) وعبارة: "وَقِيلَ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ" (مت 5: 31)، ومن خلال ست مقاطع أوضح السيد المسيح كمال الناموس وتعاليم بني الملكوت أبناء العهد الجديد، فهوذا رب الشريعة بسلطانه المُطلق يصل بشريعته إلى حد الكمال، وهو يربط بين الماضي والحاضر، فالحاضر لا يتناقض مع الماضي، بل هو وليد الماضي ومُكمّل له، ليس ثمة صراع بينهما، الماضي كان مقدمة وجذور للحاضر والحاضر الشجرة الوارفة التي تمتد أغصانها إلى السماء.. في الماضي تمتعت البشرية بالبراعم والزهور وفي الحاضر جنت الثمار.. في الماضي قدَّس اليهود الناموس جدًا لأنه كلمة اللَّه المقدَّسة، وقالوا أن من ينكر أن الناموس جاء من السماء فليس له نصيب في الحياة الأخرى، ومن يقول أن الناموس كله من اللَّه ماعدا عبارة واحدة فإنه يقع تحت الدينونة، وفي الحاضر يتحدث رب الشريعة بسلطان مُطلق لم يعطى لأحد من قبل، ولم يسمع اليهود في تاريخهم الطويل من يجرؤ أن يتكلم بهذا الأسلوب، وفوجئوا بقول السيد المسيح: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ.. ". وقال أحد الأفاضل " مَن مِن الأنبياء يتجرأ وينطق بمثل هذا؟ لقد كانت لغتهم "هكذا يقول الرب"، فهل يوجد من يستطيع أن يستعمل هذه اللغة إلاَّ واضع الناموس الذي له السلطان أن يخلص وأن يدين؟" (584).

وبالحقيقة ليس في أقوال وتعاليم السيد المسيح ما يناقض الناموس أو الأنبياء، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. لو قال الناموس " لا تقتل "، وجاء السيد المسيح ليقول: أقتل وإسرق، فمادمتَ موحّدًا باللَّه ومعترفًا برسله فإن مكانك في الملكوت لن يُنزع منك.. لكان هذا تناقض.. وأيما تناقض !! ولو قال الناموس " لا تزن"، وجاء السيد المسيح وقال "أزني" لكان هذا تناقض، إنما ما فعله السيد المسيح أنه أخذ بيد البشرية إلى طريق الكمال، فالناموس يقول " لا تقتل " أما هو فيقول " لا تغضب على أخيك باطلًا"، لأن الغضب هو عود الثقاب الذي يشغل غضب الإنسان وإنفعالاته التي تقوده إلى الحنق والانتقام والقتل، وهل يُعقَل أن واضع الناموس ينقضه؟!! لقد كبَّل الكتبة والفريسيون الشعب بتقليدات كثيرة وثقيلة، وتركوا الناموس في أبسط صوَّره، الحق والرحمة والإتضاع: "بِمَ أَتَقَدَّمُ إِلَى الرَّبِّ وَأَنْحَنِي لِلإِلهِ الْعَلِيِّ. هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ بِعُجُول أَبْنَاءِ سَنَةٍ. هَلْ يُسَرُّ الرَّبُّ بِأُلُوفِ الْكِبَاشِ بِرِبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ. هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي ثَمَرَةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي. قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ" (مي 6: 6 ــ 8).

وجاء في "الكتاب المقدَّس الدراسي": "التباين الذي يطرحه الرب يسوع (الآيات 21، 27، 31، 33، 38، 43) ليس بين العهد القديم وتعاليمه (فقد أكد لتوه صلاحية شريعة العهد القديم) وإنما بين التفسير السطحي لتقليد الربيين من ناحية والتفسير الصحيح الذي يقدمه الرب يسوع المسيح للشريعة من الناحية الأخرى" (585).

 

2ــ يرد الكاتب الكبير "عباس محمود العقاد" على أفكار هؤلاء النُقَّاد ردًا بليغًا حيث يقول: "روى إنجيل متى في الأصحاح الخامس أن السيد المسيح قال: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ ".

وردت الأناجيل أنه عمل في يوم السبت وسخر من المحرمات التي لا تدنس الإنسان، وخاطب الناس بغير خطاب الناموس، فهل نقض المسيح من تقدموه أو أتبعهم في كل ما أبرموه؟

إن شئت فقل أنه نقض كل شيء..

وإن شئت فقل أنه لم ينقض مثقال ذرة.

لأنه نقض شريعة الأشكال والظواهر وجاء بشريعة الحب أو شريعة الضمير.

وشريعة الحب لا تُبقي حرفًا من شريعة الأشكال والظواهر، ولكنها لا تنقض حرفًا واحدًا من شريعة الناموس بل تزيد عليه.

وينبغي هنا أن نصحح معنى الناموس في الأذهان، فإن معناه هو "القوام" الذي يقوم به ضمير الإنسان مادام للضمير وجود، فلن يزل قائمًا - كما قال السيد المسيح - ما قامت الأرض والسموات.

ولقد أكمل المسيح شريعة الناموس حقًا لأنه جاء بشريعة الحب، وهيَ زيادة عليه.

إن الناموس عهد على الإنسان بقضاء الواجب. أما الحب فيزيد على الواجب، ولا ينتظر الأمر ولا ينتظر الجزاء. الحب لا يحاسب بالحروف والشروط، والحب لا يعامل الناس بالصكوك والشهود، ولكنه يفعل ما يُطلب منه ويزيد عليه، وهو مستريح إلى العطاء غير متطلع إلى الجزاء.

بهذه الشريعة - شريعة الحب - نقض المسيح كل حرف في شريعة الأشكال والظواهر. وبهذه الشريعة - شريعة الحب - رفع للناموس صرحًا يطاول السماء، وثبَّت له أساسًا يستقر في الأعماق. وبهذه الشريعة - شريعة الحب - قضى على شريعة الكبرياء والرياء، وعلَّم الناس أن الوصايا الإلهيَّة لم تُجعَل للزهو والدعوى والتيه بالنفس ووصم الآخرين بالتهم والذنوب، ولكنها جُعلت لحساب نفسك قبل حساب غيرك، وللعطف على الناس بالرحمة والمعذرة، لا لاقتناص الزلات واستطلاع العيوب.

وفي اعتقادنا أن " شخصية " السيد المسيح لم تثبت وجودها التاريخي وجلالها الأدبي بحقيقة من حقائق الواقع كما أثبتتها بوصايا هذه الشريعة: شريعة الحب والضمير. فكل كلمة قيلت في هذه الوصايا فهيَ الكلمة التي بنبغي أن تُقال، وكل مناسبة رُوّيت فهيَ المناسبة التي تقع في الخاطر ولا تصل إلى شبهة الاختلاق.

يلزم في شريعة الكبرياء والرياء أن يُتخذ الدين سبيلًا إلى التعالي على الآخرين، ويلزم في شريعة الحب من يقول لذلك المتعالي على غيره المتغاني بنفسه: "لماذا تنظر إلى القذى في عين أخيك ولا تنظر إلى الخشبة في عينك ".." (586).

وبعد أن استعرض "عباس محمود العقاد" الخطوط العريضة في أقوال السيد المسيح في (مت 5: 21 - 48) " قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ.. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" قال: "هذه شريعة تهدم كل عُرف قائم وتعصف بكل شكل ظاهر، ولكنها لا تهدم الناموس ولا تعصف بركن من أركانه، وقد تزيد فرائضه ولا تنقص حرفًا منها حين تنقلها عن الأوراق ومناظر العيان إلى الضمائر والقلوب، لأن الإنسان يُحاسب نفسه إذا أحب حسابًا لا تدركه الشرائع ولا يطلع عليه القضاء..

تلك معالم واضحة ومقاصد بينة معروفة المنحى، فإذا وقع اللبس مرة فليس أيسر من الحسم في مواقع اللبس على ذوي النية الحسنة، فكل ما وافق شريعة الحب والضمير وخالف شريعة الظواهر والأشكال فهو هنا، وكل ما مشى في سبيل الظواهر والأشكال وأعرض عن سبيل الحب والضمير فهو هناك، ولن يطول اللبس في معنى معاني السيد المسيح إلاَّ على عُبَّاد الألفاظ والنصوص، وليس من الإنصاف ولا من حسن الفهم أن تحكم الألفاظ والنصوص في الدعوة التي تُراد بها وترجع بكل شيء إلى مقاصد الحب والضمير. ذلك كما قال السيد المسيح هو وضع الخمر الجديدة في الزق القديم أو وضع الرقعة القشيبة على الثوب الرديم" (587).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(582) الأناجيل الأربعة دراسة نقدية ص93 - 95.

(583) البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ 2 ص290، 291.

(584) سلسلة تفسير جون ويسلي للعهد الجديد - تفسير إنجيل متى ص44.

(585) الكتاب المقدَّس الدراسي ص2262.

(586) حياة المسيح في التاريخ وكشوف العصر الحديث ص142، 143.

(587) حياة المسيح في التاريخ وكشوف العصر الحديث ص148.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/262.html