St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 220- كيف يشتم يوحنا الشعب قائلًا لهم: "يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي" (مت 3: 7)؟ وهل قول يوحنا: "فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت 3: 8) يعني أن التوبة كافية للخلاص بدون الفداء على الصليب؟ ولماذا لم يقبل اللَّه الغفور الرحيم توبة عبده آدم وأمته حواء؟

 

س220: كيف يشتم يوحنا الشعب قائلًا لهم: " يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي" (مت 3: 7)؟ وهل قول يوحنا: " فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت 3: 8) يعني أن التوبة كافية للخلاص بدون الفداء على الصليب؟ ولماذا لم يقبل اللَّه الغفور الرحيم توبة عبده آدم وأمته حواء؟

يقول "علاء أبو بكر": "س555: يقول الكتاب: " فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت 3: 8). هذا كلام يوحنا الذي تفترضون أن يسوع أرسله بهذه الرسالة. وكان ذلك أثناء وجود المسيح عليه السلام مما يبطل القول بأن المسيح عليه السلام جاء ليفدي العالم.. فهل ينزل الرب نفسه ويقول بالصلب والفداء لغفران الخطايا ثم يقول نبيه لا تسمعوا له، أنا أضمن لكم الجنة إن فعلتم أثمارًا تليق بالتوبة؟!!. أو يُرسل الرب نبيه برسالة ما، ثم ينزل هو ليكذبه؟!!. إذًا فقد كانت هناك توبة، وأن اللَّه غفور رحيم، يقبل التوبة من عبده العاصي، فلماذا لم يقبل بالذات توبة عبده آدم وأمته حواء؟" (388).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ لم يقل يوحنا للشعب البسيط الذي خرج ليعتمد منه: " يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي"، إنما قال هذا للفريسيين والصدوقيين، والإنجيل واضح في هذا: " فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ قَالَ لَهُمْ يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي. فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَة" (مت 3: 7، 8)، وبالرغم من أنه كان هناك صراعًا خفيًا أحيانًا ومُعلنًا أحيانًا بين الفريسيين والصدوقيين، إلاَّ أن كلا الطائفتين إتسم بالمُكر والدهاء والخداع، الفريسيون يتمسكون بالناموس بطريقة حرفية بشعة ويكرهون الصدوقيين المتحررين ويرونهم خطرًا على مستقبل الأمة، والصدوقيون يبادلونهم نفس المشاعر، وكل من هؤلاء وأولئك جاءوا إلى معمودية يوحنا رياءًا وتظاهرًا بصورة التقوى، بينما هم يرون في يوحنا مصدر خطر عليهم جميعًا، إذ سحب البساط من تحت أقدامهم، وقد ذهبت الجماهير كلها وراءه يرون فيه صورة البساطة والتجرد والتقوى وقداسة السيرة والشجاعة والجسارة، ولذلك استحقوا توبيخ يوحنا المعمدان لهم ووصفهم بأولاد الأفاعي، كانوا يتشبهون بالحيَّة القديمة الشيطان (تك 3: 1، رؤ 12: 9، 20: 2)، فهم يتخفُّون ويأذون الآخرين وانطبق عليهم قول إشعياء النبي: " قَدْ حَبِلُوا بِتَعَبٍ وَوَلَدُوا إِثْمًا. فَقَسُوا بَيْضَ أَفْعَى وَنَسَجُوا خُيُوطَ الْعَنْكَبُوتِ. الآكِلُ مِنْ بَيْضِهِمْ يَمُـوتُ وَالَّتِي تُكْسَرُ تُخْرِجُ أَفْعَى" (إش 59: 4، 5). وعندما وصف يوحنا الفريسيين والصدوقيين بأنهم أولاد الأفاعي لم يقصد أن يشتمهم ويُحقّر من شأنهم، إنما قصد توبيخهم ودفعهم لطريق التوبة، وللأسف فإن تبكيت يوحنا لهم لم يصلح من أحوالهم، ولم يثمروا أثمارًا تليق بالتوبة فاستحقوا توبيخات السيد المسيح لهم، فتارة يصفهم أيضًا بأولاد الأفاعي (مت 12: 34)، وتارة يدعوهم الحيات أولاد الأفاعي (مت 23: 33) وتارة يصب عليهم الويلات (مت 23: 13 - 36). وقول يوحنا المعمدان: " يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي" تشبيه مأخوذ من البيئة التي عاش فيها يوحنا المعمدان حيث كانت تنمو بعض الأعشاب والشجيرات التي تختفي تحتها الأفاعي، وأحيانًا كانت تشتعل النيران في الأعشاب الجافة فتهرب من تحتها الأفاعي لتنجو من النيران، فيوحنا يريد أن يبلغ الفريسيين والصدوقيين الذين جاءوا إلى معموديته بدون توبة، ولكن خوفًا وهلعًا من الغضب الآتي، أن هذه المعمودية لن تنفعهم في شيء إن لم يصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة.

ويقول "بنيامين بنكرتن" عن الفريسيين والصدوقيين الذين اعتمدوا من يوحنا: "ومنهم من قبلها قبولًا صوريًّا ظنًا منهم أن ذلك يكفي لأن ينجيهم من الغضب فلما رآهم يوحنا هكذا لم يقرهم على أنهم أولاد إبراهيم بل لقبهم "أولاد الأفاعي" بسبب شرهم وتعاليمهم السامة، وتحايلهم على الهرب من الغضب الآتي.. وهو الغضب الذي كانوا يعلمون من التوراة أنه يأتي على الأشرار عند ظهور المسيح (قابل ملا 3: 1 - 5، 4: 1، 5).. " وَلكِنْ قَدْ أَدْرَكَهُمُ الْغَضَبُ إِلَى النِّهَايَة" (1 تس 2: 16)" (389).

ويقول "متى هنري": " لقد كانوا "كالأفاعي" إذ كانت لهم صورة التقوى والمظهر الخلاب إلاَّ أنهم كانوا مملوئين سُمًا، مشحونين خُبثًا وعداوة لكل ما هو حسن. وكانوا "أولاد الأفاعي" نسل وذرية الأفاعي، فكان السُم يسري في دمهم وعظامهم. كانوا يفتخرون بأنهم وُلِدوا من إبراهيم ولكن يوحنا يبين لهم أنهم نسل الحيَّة (انظر تك 3: 15) وأن إبليس هو أبوهم (يو 8: 44) وكانوا "عصابة الأفاعي " كلهم متساوون. ورغم أنهم كانوا أعداء بعضهم لبعض إلاَّ أنهم كانوا متحالفين في الشر.

( ملاحظة ) أن النسل الشرير هو نسل الأفاعي، ويجب أن يدعو كذلك ويجب على خدام المسيح أن تكون لهم الشجاعة ليظهروا للخطاة صفاتهم الحقيقية" (390).

 

2ــ إذ رأى يوحنا رياء الفريسيين والصدوقيين، أولاد الغضب، أراد أن يضع أمامهم مخرجًا من دائرة الغضب الإلهي، بأن تصدق نواياهم في التوبة وأن يغيّـروا سلوكياتهم، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فيقول "الأب متى المسكين": " المعمدان هنا ينكر عليهم صدق مجيئهم وطلبهم للعماد، فهم لم يتحرَّكوا خوفًا من غضب آتٍ، بل طمعًا في كسب موقف الأتقياء والمتجدّدين ليتاجروا به، فهم في نظر المعمدان أبناء غضب، فكيف يهربون من الغضب. وعلى كلٍ جعل محك توبتهم وتجدُّدهم وعودتهم الصادقة إلى اللَّه الثمار التي يقدمونها كأتقياء حقيقيين. فالتوبة لها ثمر ولها سلوك مشهود له، فالاعتراف الشكلي بالخطية لن يفيدهم شيئًا، والعماد دون نية الرجوع إلى اللَّه من طرق الشر والزنا وعبادة أصنام المال والغنى والرئاسة والأولوية لا يفيدهم بل يثبت خطاياهم. فالأساس في معمودية يوحنا هو التغير الداخلي بتجديد الحياة والرجوع إلى اللَّه الحي وتمجيد اللَّه بالقول والعمل والسلوك" (391).

 

3ــ لم تصلح التوبة من قبل لإصلاح ذلة آدم وحواء ومن خلفهما نسلهما، فقد قدم آدم توبة قوية، ولم تُرجِعه هذه التوبة للفردوس، فالتوبة لا تُلغي الحكم الصادر من فم اللَّه: " وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تك 2: 17)، ولكن التوبة تنقل العقوبة من الجاني للفدية، فعندما أعلن داود توبته أمام ناثان النبي قائلًا: " قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ"، قال له ناثان: " الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2 صم 12: 13). لقد نقل اللَّه عقاب خطية داود، كما ينقل عقاب خطايا العالم كله ليحملها المسيح الذبيح، لأنه مكتوب " وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب 9: 22). وتفيد التوبة في المستقبل حيث يحذر الإنسان من الخطية فلا يسقط فيها ثانية، ولكن ما هو الحل في الخطية التي قد تم إرتكابها؟!.. من يدفع ثمنها لأنه مكتوب: " لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو 6: 23)؟!.. من يرفع الحكم الإلهي الصادر بموت الخاطئ؟!.. هل توفي توبة الإنسان مطالب العدل الإلهي بدون دم المسيح؟!.. من المستحيل، فالتوبة لا تنزع الخطية ولا تمحو الإساءة التي وُجهت ضد اللَّه مُعطي الوصية، فبدون دم المسيح لا خلاص على الإطلاق من الخطية، بل تهبط الخطية بالإنسان في قاع الهاوية.

هب أن عروسًا بعد أن جهزت فستان زفافها الناصع البياض، سكبت عليه دون قصد نقاط من الحبر المُركَّز، فحزنت جدًا وقالت سآخذ حذري حتى لا يتكرر هذا مرة ثانية قط، ومع هذا يتبقى السؤال: هل يصلح هذا الفستان للزفاف؟!.. بالقطع لا يصلح، إلاَّ إذا استخدمت معه مزيل قوي، وتأكد يا صديقي أنه لا يوجد مزيل للخطايا والآثام إلاَّ دم المسيح، ولهذا قال الملاك: " هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوف" (رؤ 7: 14)، فالتوبة لا تصلح الطبيعة البشرية التي أفسدتها الخطية.

ويقول "البابا أثناسيوس الرسولي": " 2ــ إذن، ماذا كان يجب أن يُفعَل حيال هذا؟ أو ما الذي يجب على اللَّه أن يعمله؟ أيطلب من البشر التوبة عن تعدياتهم؟ ويمكن أن يرى المرء أن هذا يليق باللَّه ويقول: كما أن البشر صاروا إلى الفساد بسبب التعدي، فأنهم بسبب التوبة يمكن أن يعودوا إلى عدم الفساد والخلود.

3ــ لكن التوبة تعجز عن حفظ أمانة اللَّه لأنه لن يكون اللَّه صادقًا إن لم يظل الإنسان في قبضة الموت (لأنه تعدى فحُكم عليه بالموت كقول اللَّه الصادق). ولا تقدر التوبة أن تغير طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية.

4ــ فلو كان تعدي الإنسان مجرد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية. أما الآن بعد أن حدث التعدي، فقد تورط البشر في ذلك الفساد الذي كان هو طبيعتهم ونزعت منهم نعمة مماثلة صورة اللَّه، فما هيَ الخطوة التي يحتاجها الأمر بعد ذلك؟ أو من ذا الذي يستطيع أن يعيد للإنسان تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلاَّ كلمة اللَّه الذي خلق في البدء كل شيء من العدم" (تجسد الكلمة 7: 2 - 4) (392).

بل أننا نقول لا التوبة، ولا أن يفني اللَّه الإنسان ويخلق إنسانًا جديدًا، ولا أن يخلص اللَّه آدم من قبضة الشيطان بالقوة، ولا أن يسامح اللَّه الإنسان ويغفر له، ولا أن يطالب اللَّه الإنسان بالأعمال الصالحة، ولا أن يقدم الإنسان الذبائح.. إلخ، فكل هذا لا يصلح أبدًا لحل مشكلة سقوط الإنسان، بل كانت هناك حتمية لتجسد ابن اللَّه لفداء الإنسان (راجع كتابنا: أسئلة حول حتمية التجسد الإلهي ط 2016م من س6 إلى س13 ص188 - 204).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(388) البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ3 ص297.

(389) تفسير إنجيل متى ص41.

(390) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ1 ص66.

(391) الإنجيل بحسب القديس متى ص176، 177.

(392) ترجمة دكتور جوزيف موريس فلتس - تجسد الكلمة ص18، 19.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/220.html