St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 208- هل يُعقَل أن زوج أم الرب يهرب حاملًا الرب على ذراعيه خوفًا أن يقتله أحد عبيد الرب "فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ" (مت 2: 14)؟

 

س208: هل يُعقَل أن زوج أم الرب يهرب حاملًا الرب على ذراعيه خوفًا أن يقتله أحد عبيد الرب "فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ" (مت 2: 14)؟

يقول "علاء أبو بكر": "س232: زوج أم الرب يهرب حاملًا الرب على ذراعيه، خوفًا من أن يقتله أحد عبيد الرب، الذي خلقهم الرب بقدرته وبعلمه الأزلي. هل تعقلون ذلك؟. هل تؤمنون بذلك في زمن العلم؟. هذا لا يمكن أن يصدقه أو يتخيله عقل، ليس لأنه عمل رائع لم يخطر على بال بشر، ولكن لأنه يبلغ من السذاجة والتعقيد مبلغًا، جعل أصحاب هذا الدين في الغرب يعزفون عنه.. (مت 2: 13 - 14) فبذلك يكون الرب الطفل الرضيع أوحى لزوج أمه أن يهرب به إلى مصر!. يا له من إله قاسي!. يأمر بأن تقطع أمه كل هذه المسافة بعد ولادته ببضعة أيام!" (328).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: لاحظ الطريقة الخبيثة التي صاغ بها الناقد السؤال، فهذه هيَ طريقة عدو الخير في إثارة الشكوك منذ القدم: " أَحَقًّا قَالَ اللَّه لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟" (تك 3: 1)، وهكذا هيَ طريقة عدو الخير التي تثير الشكوك، فهو دائمًا يبذل قصاري جهده ليضع الإيمان في مضادة مع العقل، وكأن العقل قد صار الحكَم في الأمور الإيمانية، ولو اتبع أحد تلك الطريقة وسأل الناقد: هل يُعقَل أن اللَّه موجود وأنت لا تراه؟!.. هل تصدق أنه كائن في كل مكان بالكامل؟!.. هل يُعقَل أن تكون هناك قيامة عامة بعد أن تتحلَّل الأجساد وتعود إلى التراب؟!، وهل؟ وهل؟ وهل؟.. إلخ فهل يستطيع أن يجد إجابة عقلانية مقنعة. إن الأمور الإيمانية كثيرًا ما تكون فوق مستوى العقل، فالعقل يحدثنا عن وجود اللَّه من خلال الكون ونظمه وقوانينه والطبيعة وروائعها، ولكن العقل يعجز أن يحدثنا عن طبيعة اللَّه وصفاته.. لو كانت نية الناقد حسنة حتمًا كانت ستتغير صيغة السؤال، لذلك دعنا نصيغ السؤال بأسلوب مُهذَّب: كيف يهرب اللَّه المتجسَّد من وجه هيرودس؟

 

1ــ قال اللَّه في العهد القديم: " اَلذَّكِيُّ يُبْصِرُ الشَّرَّ فَيَتَوَارَى" (أم 22: 3، 27: 12).. "اَلْحَكِيمُ يَخْشَى وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ وَالْجَاهِلُ يَتَصَلَّفُ وَيَثِقُ" (أم 14: 16)، فالهروب من الشر مبدأ روحي وضعه اللَّه، وهوذا الآن ينفذه عمليًا ويسلّمه للكنيسة حتى لا تواجه الشر بالشر، بل تهرب من وجه الشر، وتغلب الشر بالخير، وقد أوصى تلاميذه: " وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى" (مت 10: 23)، وعندما تشاور عليه الفريسيون ليقتلوه انصرف من هناك: " فَلَمَّا خَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ. فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ" (مت 12: 14، 15)، وهكذا سلك بولس الرسول فعندما راقب اليهود أبواب دمشق ليل نهار ليقتلوه: " فَأَخَذَهُ التَّلاَمِيذُ لَيْلًا وَأَنْزَلُوهُ مِنَ السُّورِ مُدَلِّينَ إِيَّاهُ فِي سَلّ" (أع 9: 25)، وعندما هبَّ يهود وأمم أيقونية ليقتلا بولس وبرنابا: " شَعَرَا بِهِ فَهَرَبَا" (أع 14: 6).

 

2ــ هروب الرب يسوع من وجه هيرودس ليس جبنًا، ولا خوفًا من المواجهة، لكن لكيما يعلّم أولاده طريق النصرة على الشر، وفي مواقف أخرى واجه الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة حتى أنه وصفهم بأنهم مرائيّن وعميان وجُهَّال مثل القبور المبيَّضة والحيات أولاد الأفاعي (مت 23: 11 - 33)، كما قال عن هيرودس الملك: " امْضُوا وَقُولُوا لِهذَا الثَّعْلَب" (لو 13: 32).

 

3ــ يسوع المسيح اللَّه المتجسد هو رب الحياة، فكيف يخشى الموت؟!.. إذًا الموضوع لا يدخل في دائرة الخوف، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. إنما قصد بهروبه أن يبارك أرض مصر، ويقتلع منها العبادات الوثنية، ولاسيما أن مصر كانت تمثل أكبر المعاقل الوثنية، فآثار مصر الفرعونية تبلغ ثلث آثار العالم كله، كما قصد السيد المسيح أن يحقّق النبؤات: " وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا" (إش 19: 1).. " فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ.. يُبَارِكُ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلًا مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش 19: 21، 25).

 

4ــ كان هذا الهروب اختبارًا لإيمان يوسف ومريم، فيقول "متى هنري": "هذا التصرف يمكن اعتباره (1) كإمتحان لإيمان يوسف ومريم كان ممكنًا أن يجربا هذه التجربة: إن كان هذا الطفل هو ابن اللَّه حقًا كما أخبرنا فهل لا توجد طريقة أخرى لينجي نفسه من الإنسان..؟ ألا يمكنه أن يستدعي جيوشًا من الملائكة لحمايته، أو كروبيم بسيوف نارية لحراسة شجرة الحياة هذه؟. ألا يمكنه أن يبطش بهيرودس، أو يشل اليد التي تمتد إليه، وبذلك يوفر علينا مشقة الإرتحال؟. لقد سبق أن سمعنا منذ وقت وجيز أنه سيكون "مجدًا لشعبه إسرائيل"، وهل أبغضته أرض إسرائيل لهذه الدرجة وبهذه السرعة؟

ولكننا لا نجد أنهما أقاما اعتراضات كهذه، فإن إيمانهما إذ إمتحنهما اللَّه وُجِد ثابتًا، وكانا واثقين أن هذا هو ابن اللَّه، ولو لم يريا معجزة تُصنَع لسلامته، فاضطرا أن يستخدما الوسائط العادية..

(2) إطاعة يوسف لهذا الأمر ع 14. كانت الرحلة مضنية للطفل وأمه بل محفوفة بالمخاطر، ولم يكن في إمكانياتهم الاستعداد لها إلاَّ استعدادًا بسيطًا جدًا، وكان متوقعًا أن يُقابلوا بمنتهى الفتور في مصر، ومع ذلك فإن يوسف لم يعاند الرؤيا السماوية، ولم يبد أي اعتراض، كما أنه لم يتباطأ في طاعته. فأنه حالما تلقى الأمر "قام" وبدأ في الإرتحال "ليلًا" في الليلة ــ على ما يظهر - التي تلقى فيها الأمر" (329).

 

5ــ اتهم الناقد اللَّه بالقسوة لأنه أمر أمه أن تقطع هذه المسافة بعد بضعة أيام من ولادتها، فقد جهل الناقد نظرة المسيحية للآلام التي يتحملها الإنسان من أجل اللَّه ومن أجل إيمانه المسيحي، أنها بالحقيقة الطريقة للأمجاد، ولذلك عندما أراد السيد المسيح أن يمجّد أمه ويحمّلها ويكلّلها، تركها تتحمل آلام اليتم وهيَ صغيرة، تعيش في الهيكل بعيدًا عن والديها وبيتها وأسرتها وعائلتها، تعيش في كنف شيخ عجوز في أسرة فقيرة، وعندما حبلت لم تدافع عن نفسها بل تركت السماء تدافع عنها وتخبر خطيبها بالحبل المقدَّس، وفي أيامها الأخيرة لتلد تحملت مشقة الرحلة من الناصرة إلى بيت لحم، وإذ لم يكن لها موضع ارتضت أن تضع طفلها في مزود، وعندما بدأ السيد المسيح كرازته وإصطدم بالقيادات الدينية تحمل الكثير، فقد سخروا منه، وقالوا عنه أنه سامري وبه شيطان وببعلزبول يخرج الشياطين.. إلخ، مما سبب آلامًا نفسية قاسية للسيدة العذراء، وعندما جاز ابنها رحلة عذابات الجلد والصلب كمُهان مرذول عريان مصلوب جاز في نفسها السيف الذي تنبأ عنه سمعان الشيخ منذ أكثر من ثلاثين عامًا: " وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ" (لو 2: 35).. لقد استحقت العذراء مريم عن جدارة أن تطوَّبها الأجيال.. هذا هو الفكر الإلهي أما فكر الناقد فبعيد عن هذا تمامًا.

ثم أن رحلة الهروب لم تعقب ولادة يسوع ببضعة أيام كما ظن الناقد، لأن الرب يسوع وُلِد في بيت لحم، وبعد أربعين يومًا صعدت العائلة المقدَّسة إلى أورشليم لتقديمه للهيكل، وعادت للناصرة، وفي السنة التالية صعدوا إلى أورشليم في عيد الفصح، وعرجوا إلى بيت لحم وأقاموا أيامًا في بيت لحم، وجاء المجوس من المشرق يقدمون عبادتهم مع هداياهم، وعقب انصرافهم أوصى الملاك يوسف بالهرب إلى مصر.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(328) البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ 3 ص146، 147.

(329) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ1 ص43 ، 44.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/208.html