St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 1531- كيف يقتبس بولس الرسول (1كو 3: 19) من قول أليفاز التيماني (أي 5: 13) مع أن الله لم يوافق على أقواله (أي 42: 7، 8)؟ وما معنى قول أليفاز لأيوب: "تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ، كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ"(أي 5: 26)؟

 

ج: أولًا: 1- قال " أليفاز التيماني": "الآخِذِ الْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ، فَتَتَهَوَّرُ مَشُورَةُ الْمَاكِرِينَ" (أي 5: 13).

     وفي " الترجمة اليسوعية": "ويصطاد الحُكماء باحتيالهم، فتسقط مشورة الماكرين".

     وفي " ترجمة كتاب الحياة": "أو يُوقِع الحُكماء في خدعتهم، فتتلاشى مشورة الماكرين".

     وفي " الترجمة العربية المشتركة": "يمسك الحُكماء بحيلتهم، ومشورة الماكرين تصيرُ جهلًا".

فإن الله يتخلى عن الأشرار الماكرين الذي يظنون أنهم بحكمتهم يقهرون الأبرار، ولكن حكمتهم وخططهم تنقلب عليهم، وتتهوَّر أي تنهار مشورة هؤلاء الماكرين، وخير مثال على ذلك مشورة أخيتوفل ضد داود التي حمَّقها الله فأردَّت إلى نحره، وأيضًا ما فعله هامان الذي أعدَّ صليبًا ليرفع عليه مردخاي عاليًا، وانتهى الأمر بأن رُفع هو عليه. وبنفس الفكر قال داود النبي: "كَرَا جُبًّا. حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي الْهُوَّةِ الَّتِي صَنَعَ. يَرْجعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُه" (مز 7: 15، 16)... "تَوَرَّطَتِ الأُمَمُ فِي الْحُفْرَةِ الَّتِي عَمِلُوهَا. فِي الشَّبَكَةِ الَّتِي أَخْفَوْهَا انْتَشَبَتْ أَرْجُلُهُمْ" (مز 9: 15)... " لِتَأْتِهِ التَّهْلُكَةُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، وَلْتَنْشَبْ بِهِ الشَّبَكَةُ الَّتِي أَخْفَاهَا، وَفِي التَّهْلُكَةِ نَفْسِهَا لِيَقَعْ" (مز 35: 8)... " هَيَّأُوا شَبَكَةً لِخَطَوَاتِي. انْحَنَتْ نَفْسِي. حَفَرُوا قُدَّامِي حُفْرَةً. سَقَطُوا فِي وَسَطِهَا." (مز 57: 6). وقال سليمان الحكيم: "الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ" (أم 5: 22)... " الزَّارِعُ إِثْمًا يَحْصُدُ بَلِيَّةً، وَعَصَا سَخَطِهِ تَفْنَى" (أم 22: 8)... " مَنْ يَحْفِرُ حُفْرَةً يَسْقُطُ فِيهَا، وَمَنْ يُدَحْرِجُ حَجَرًا يَرْجعُ عَلَيْهِ" (أم 26: 27).

إذًا عندما قال بولس الرسول: "لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هي جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِمَكْرِهِمْ" (1كو 3: 19) فهو اقتبس من قول أليفاز التيماني، والذي ردَّده داود النبي وسليمان الحكيم عِدّة مرّات، وهو قول صحيح تمامًا... فما العيب في هذا؟! بل أن السيدة العذراء مريم ردَّدت نفس الفكرة في تسبحتها الخالدة: " شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ" (لو 1: 51)، وهذا الاقتباس الذي اقتبسه بولس الرسول هنا يُعدُّ هو الاقتباس الوحيد المباشر من سفر أيوب في العهد الجديد(2).

 

2- اقتبس بولس الرسول من بعض فلاسفة اليونان الوثنيين، فعندما وقف في أريوس باغوس في أثينا قال للوثنيين: "لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ" (أع 17: 28) كما قال لأهل كورنثوس: "لاَ تَضِلُّوا: فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو 15: 33) فقد اقتبس بولس الرسول هذا القول من الكوميديا الإغريقية " Thais " التي كتبها الشاعر الإغريقي " مناندر " Menander وكانت كتاباته معروفة لدى أهل كورنثوس(3).

 

3- ما قاله أليفاز وصديقيه عن الله يتميز بالحكمة والروعة... إذًا لماذا غضب الله عليهم وقال: أنهم لم يقولوا الصواب مثل أيوب..؟ غضب الله عليهم لأنهم أدانوا أيوب بقسوة وهو بريء، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. واتهموه أنه فاعل شر قاس القلب سَلَبَ الأجير واليتيم والأرملة ولم يترفق بالضعيف، وهو من كل هذا برئ، والله لا يحب أن ندين بعضنا البعض، فهو الديان العادل، وإن كان أيوب لم يُوفق في بعض العبارات ظنًا منه أن الله قد أهمله ولم يعد يسمع له، ونظرًا للاضطرابات النفسية التي عَبَرَ بها، ونظرًا لتوبته الصادقة، فقد غفر الله له آثامه.

 

     ثانيًا: 1- قال أليفازأليفاز لأيوب: "تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ، كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ" (أي 5: 26).

     وفي " الترجمة اليسوعية": "وتدخلُ القبرَ في شيبةٍ وافيةٍ، كما يُرفَعُ الكُدسُ في أوانه".

     وفي " ترجمة كتاب الحياة: "وتدخلُ القبرَ في شيبةٍ ناضجةٍ، كما يُرفَعُ كُدسُ القمح في موسمه".

     وفي " الترجمة العربية المشتركة: "تدخلُ القبرَ في تمام الشيخوخة، كما تُرفع الأكداس في أوانها".

     فأليفاز يقول لأيوب أن من يخضع لتأديبات الرب يموت في شيخوخة صالحة، وهو في تمام العافية، وقال الله في سفر الأمثال للإنسان البار: "لأَنَّهُ بِي تَكْثُرُ أَيَّامُكَ وَتَزْدَادُ لَكَ سِنُو حَيَاةٍ" (أم 9: 11)، كما قال سليمان الحكيم: "مَخَافَةُ الرَّبِّ تَزِيدُ الأَيَّامَ، أَمَّا سِنُو الأَشْرَارِ فَتُقْصَرُ" (أم 10: 27)، فالإنسان الخائف الرب الخاضع لتأديباته يموت في شيبة وافية ناضجة مثل رفع الكدس في أوانه، والكدس هو حصيد القمح الذي بعد أن يتم فصله عن التبن يُرفَع من الأرض (الجُرن) ويحفظ في المخازن لحين استخدامه، والأمر العجيب أن أليفاز وهو يقول هذا لأيوب لم يكن يتوقع أن الله سيهبه مائة وأربعين عامًا بعد هذه التجربة ويرى بني بنيه حتى أربعة أجيال
(أي 42: 16، 17).

 

2- يقول " متى هنري " أن الأبرار " يموتون في الوقت المناسب، ويختمون حياتهم أخيرًا بفرح وكرامة... إنها لرحمة جزيلة:

(1) أن يحيا المرء إلى الشيخوخة، وأن لا يُؤخَذ في منتصف أيامه. إن كانت العناية الإلهيَّة لا تعطينا عمرًا طويلًا، ومع ذلك تعطينا نعمة الله بأن نكتفي بالوقت المحدَّد لنا، فيمكن أن يُقال بأننا عمَّرنا طويلًا. يعمر المرء طويلًا عندما يتمم عمله وعندما يكون قد استعد للعالم الآخر.

(2) أن يرتضي بأن يموت وأن يذهب إلى القبر فرحًا، وأن لا يذهب إليه مُرغمًا، مثل ذاك الذي قيل له: "هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ" (لو 12: 20).

(3) أن يموت في أوانه، كما يقطع القمح ويخزن في أوانه، ولا يبقى يومًا واحدًا أطول لئلا يتناثر ويتلف. إن أعمارنا في يد الله، وحسنًا أن تكون هكذا، لأنه يحرص على أن الذين هم له يموتون في أحسن وقت. ومهما بدا في نظرنا أن موتهم حدث قبل الوقت، فأنه لا يمكن أن يتم إلَّا في الوقت المناسب"(1).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير سفر أيوب جـ1 ص 94، 95.

(2) راجع الكتاب المقدَّس الدراسي ص 1199.

(3) راجع الكتاب المقدَّس الدراسي ص 2784.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/1531.html