St-Takla.org  >   books  >   fr-sarafim-elbaramousy  >   light
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتاب قبطي | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

رواية ليكن نور - الراهب سارافيم البرموسي

13- الفصل الثاني عشر: خيوط الغفران الأولى

 

بدأ الصباحُ يُرسِل خيوط النور، الذي شكّل هالات على أوجه الفتيات النائمات، فأضفَى على وجوههن حُسنًا إلهيًّا. دلفت روحامه إلى الغرفة ووجدت أنّ سارة لا تزال نائمة. خرجت ووقفت في شرفة النَزْل المُطلّ على الأفق المُفْتَرَش ببناياتٍ صغيرةٍ.

جاءها صوتٌ من الخلف قائلًا: هل نمت جيّدًا؟

التفتَت وكأنّ شخصًا أيقظها من سُباتٍ عميق، وأجابت: أُبارك الربّ.

كان الكاهن قد عَلِمَ ممّن قضوا ليلتهم في الغرفة مع روحامه أنّها كانت تجهشُ بالبكاء طوال الليل. فما كان منه إلاّ أنْ ذهب ليطمئن عليها ويعرف سبب الحزن الذي يرتسم على وجهها وكأنّه جزءًا منه أو بالأحرى هي جزءٌ منه.

- أنا أعلم أنّ جراحَ الأبناءِ قاسيّةٌ على قلوب الأُمّهات، ولكن عليكِ أنْ تجتازي هذا الأمر.

- إنّ آلام ابنتي هي جزءٌ من مأساتي؛ فالمستقبل لا يُنبِئ سوى بالألم لي ولابنتي.

- لماذا هذا اليأس من الغد، فالغد في يدِّ الله ومنه نتلقَّى الخيرات حسب إرادته من جهتنا..

- ولكني صرت مرفوضة من الله، لقد حوّل وجهه عني، لذا فغدي هو إطلالةٌ من الشرّ الذي يتربّص بي منذ زمنٍ بعيد.

- إنّ الله لا يرفض مَنْ يأتون إليه، بل يحنو عليهم ويجتذبهم بكلمات محبّته وبعنايته الأبويّة. ألم تسمعي ما قاله إشعياء النبي: كإنسانٍ تُعزّيه أمّه هكذا أُعزّيكم أنا.

- إنّ الله يُعزّي شعبه، أمّا أنا فمرفوضة كلّ الرفض.. قالتها وهي تنظر إلى البحر في الأفق البعيد وكأنّها تلتمسه أنْ يُرسِل موجةً عاتيةً لتبتلعها وتُلقي بها في غياهب النسيان.

- لقد قال الربّ: مَنْ يُقبِل إليّ لا أُخرجه خارجًا..

- هذا الكلام الحَسن ليس لأمثالي من الخطاة.

- يبدو أنّ هناك صخرةٌ جاثمةٌ على صدرك تقف عائقًا بينك وبين الله.

طرقت برأسها إلى أسفل وقالت: نعم.. إنّها صخرة لا تتحرّك، ويتفتّت عليها رجائي في غدٍ آمنٍ.

- يمكنك البوح بآلامك، فنحن نُشارِكُ بعضنا البعض في الضيق والفرح..

- نظرت إلى وجهه فرأت نظرات حانية صادقة آمنة، لن تنتهك حُرمة سِرَّها الأليم. أطرقت بعينيها إلى أسفل وهي تقول: لقد أسلمت جسدي للخطيئة من أجل المال بعد أنْ طُرِدتُ من بلدتي وعملي وأهلي، حتّى رجال المجمع لم يُلقوا عليَّ برداء الرحمة حينما تعرّيت من ثوب الطهارة بل رموني بحجارةِ الرفضِ..

ابتسم الكاهن في وجهها وكأنّه أضاء كَونها المُظْلِم بنورِ الحياة وقال: ألم أقل لكِ مَن يُقبِل إلى الآب يلقَى غفرانًا..

- إنّ الشريعة ترجم الزانية..

- ليست شريعة الربّ الإله الكلمة، يسوع المسيح.. هل تعرفين ماذا فعل حينما أتوا إليه بامرأةٍ زانيةٍ وهي مُمسكةٌ في إثمِها وألقوا بها عند أقدامه في طرقات أورشليم؟؟

- ماذا فعل؟!!

- قال للجموع: مَنْ كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولًا بحجرٍ، ومال إلى الأرضِ وبدأ يُدوِّن خطاياهم بأصبعِه على التراب، فأخذهم الخزي والخوف من الفضيحة وتركوا الحجارة والساحة وانصرفوا جميعًا. لم يبق سواه والمرأة، فقال لها: أنا لا أدينك، اذهبي ولا تخطئي..

كانت روحامه مأخوذة بكلمات الكاهن وكأنّه ينسج ثوبًا من الرجاء ليستر به عري خطيئتها..

بَكَت حينما سمعت تلك الكلمات وكأنّ دموعها مياهٌ ألقت بها العناية الإلهيّة لغسل نفسها المُتدنِّسة باليأس، وقالت: لقد سمعت عنه كلامًا سيّئًا حينما كنت بين أقراني من اليهود.

- إنّ المسيح لاقَى من اليهود مقاومةً عنيفةً لأنّه جاءهم بالحبّ وبالفهم الكامل للآب ولوصاياه، بينما هم أرادوا موطِنًا أرضيًّا يُملِّكه إياهم ملكٌ قويٌّ ذو بأس في الحروب والقتال.

قالت روحامه: من فضلك حدّثني عن الربّ يسوع هذا، ما هي قصّته؟

جلسا يتجاذبان أطراف الحديث معًا عن الربّ يسوع المسيح سحابة النهار. كانت نسائم البحر تُرسِل رائحتها وكأنّها عطر الخليقة الجديدة التي بدأت تُعبّق قلبها الرطب المخنوق بزُّهْمِ (رائحة نتنة) اليأس، لخلق كينونة جديدة منطلقة بقوّة الرجاء.. كانت كلماته عن يسوع تلدها من جديد وكأنّ مجدليّة جديدة على وشك الانضمام لرَكْبِ المُخلِّص.

- إنّي أريد أنْ أصير مسيحيّة وأسير خلف هذا الإله الحاني.. قالتها بحسٍّ مشبوب بالفرح..

- إنّ الإيمان ليس شيئًا هيّنًا وتبعيّة المسيرة مع الربّ ليست بالشيء الميسور؛ فهناك ضريبة يدفعها كلّ مَنْ يعبُر من الظلمة إلى النور.. ولكنّ أتعاب العالم لا تضاهي لحظة تجلٍّ للمُخلِّص في أرجاء روح الإنسان.. عليكِ أولًا أنْ تتلقّني أساسيّات الإيمان المسيحي، وبعدها تُقرّرين ما يتوجّب عليك فعله.

- وأين أتلقّنها؟

- عند المُعلِّم.. كليمندس..

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

إنّ الأيامَ كموج البحر كثيرًا ما تلفظ أسرارها التي غابت ليالٍ طويلةٍ في الأعماق. ولكن كثيرًا ما تبوح الأيام بأسرارها ولا تجد آذانًا لتأويها وتُحوِّلها إلى إعلانات.

جلس أبشالوم في الحانوت وهو واجمُ الفكرِ. كان عقله يتأرجح ما بين سارة التي اختفت فجأةً دون سابق إنذار، وبين ما حدث من قادة المجمع مع والدتها، وبين كلمات الرابي موشى المتشدّدة ورفضه الحديث مع المسيحيّين.

دخل إلى الحانوت، أبنير العامل، وهو يقول: هل سمعت ما حدث في الملعب اليوم.

- ما الجديد؟

- لقد جلدوا أربعة فتيات؛ منهم ثلاثة مسيحيّات لأنهنّ كن يُبشِّرن بالمصلوب للفقراء، والرابعة لأنّها ضربت جندي روماني.

- هل ضَرَبَت فتاة مسيحيّة جندي روماني؟!!

- لا، فالفتاة الرابعة ليست مسيحيّة، ولكنّها ضَرَبَت الجندي حينما حاول التعرُّض لها. هذا ما سمعته من صديقٍ لي كان مارًّا بالمكان ليلًا.

- إنّها حقًّا لجريئة!!

دخلت إلى الحانوت سيدّة تسأل عن قنينةٍ من الزجاج المُلوَّن لحفظ الخمور. قام أبنير بعرض عِدّة قطع عليها. حرّكتهن يمينًا ويسارًا، واستقرّت على إحداهن. دفعت المال لأبشالوم وخرجت.

قال أبنير: يُقال إنّ الفتاة الرابعة يهوديّة الأصل..

- يهوديّة!! وكيف لم نسمع بهذا الأمر لنرفع احتجاجنا إلى الوالي؟ فهل يستبحن فتياتنا ونحن صامتون!!..

- إنّها كانت تبيت في نزلٍ على الطرف الجنوبي من المدينة..

- وكيف تبيت فتياتنا هناك ولا يأتين إلى حيِّنا حيث يمكننا أنْ نوفّر لهن المأوى والغذاء بعيدًا عن مظال الفساد الوثنيّة؟

- لا أعلم..

- اذهب وتحرّى عن الأمر ولا تَعُد قبل أنْ تأتي لي بالأخبارِ الكاملةِ.

خرج أبنير مُسرِعًا متوجّهًا إلى الحي الغربي..

وبعد حوالي الساعة عاد إلى الحانوت وهو يقول بصوتٍ قطعته لهثاته المتواترة:

- إنّ الفتاة تُدعَى سارة وهي..

قاطعه أبشالوم وهو يقفز من مقعده ويقول: أتقول سارة..

- نعم.

- وأين هي الآن؟

- في نزل المحبّة الخاص بالمسيحيّين..

خرج أبشالوم مسرعًا متوجّهًا إلى هناك، لعلّه يجد عند المسيحيّين حُبَّه المفقود..


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/fr-sarafim-elbaramousy/light/forgiveness.html