St-Takla.org  >   books  >   fr-angelos-almaqary  >   john-chrysostom-providence-of-god
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب العناية الإلهية: للقديس يوحنا ذهبي الفم - القمص أنجيلوس المقاري

19- الفصل التاسع عشر: شهداء كثيرون عاشوا وماتوا في هذا الرجاء

 

1- تفكر في كل من نالوا إكليل الشهادة. البعض منهم جُلدوا والبعض الآخر تم اقتيادهم إلى السجن وآخرون قيدوا بسلاسل كفاعلي شر.

البعض طُردوا من وطنهم، والبعض الآخر فقدوا ثروتهم، والبعض هاجر إلى بلاد ما وراء الحدود، والبعض جازوا هذا بالخبرة (عمليًا)، والبعض الآخر كانوا يتوقعونه.

 

2- في الواقع عندما تم إشهار السيف من غمده وعندما شُحذ، وكان كل يوم يتم تهديدهم، والميتات مع كل أنواع العقوبات والعذابات يتم إعدادها، فإنهم لم ينثنوا ولم يسلّموا، بل ثبتوا على الصخرة غير متزعزعين، ومفضلين احتمال كل شدة على المشاركة في شر من قد تجاسروا على اقتراف مثل هذه الأفعال. ولم يكونوا فقط من الرجال، بل كانوا أيضًا من النساء.

 

St-Takla.org Image: Spiritual discipleship, Christian religious studies, spiritual and theological education with teacher and students (Image 5) - AI art, idea by Michael Ghaly for St-Takla.org, 30 November 2024. صورة في موقع الأنبا تكلا: التلمذة الروحية، الدراسات الدينية المسيحية، التعليم الروحي واللاهوتي، الطلاب والمعلم (صورة 5) - فن بالذكاء الاصطناعي، فكرة مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 30 نوفمبر 2024 م.

St-Takla.org Image: Spiritual discipleship, Christian religious studies, spiritual and theological education with teacher and students (Image 5) - AI art, idea by Michael Ghaly for St-Takla.org, 30 November 2024.

صورة في موقع الأنبا تكلا: التلمذة الروحية، الدراسات الدينية المسيحية، التعليم الروحي واللاهوتي، الطلاب والمعلم (صورة 5) - فن بالذكاء الاصطناعي، فكرة مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 30 نوفمبر 2024 م.

3- في الواقع إن النساء خاضوا هذه الحرب وتصرفوا بشجاعة أكثر من الرجال، وليس النساء فقط، بل أيضًا الفتيان والفتيات وكل الأطفال الصغار. قل لي: هل هو شيء هيّن أن يكون للكنيسة مثل هذا الجمع العظيم من الشهداء؟ لأن كل هؤلاء كانوا شهداء. فليس الذين تم جرهم إلى المحاكم وتلقوا أمرًا بالذبح ولم يرضخوا له واحتملوا ما احتملوه من آلام، هم فقط الذين يمكن أن يكونوا شهداء، بل أيضًا الذين قبلوا (ولو بالنية) أن يعانوا أي عذاب في أي مجال كان من أجل إرضاء الله. وإن أردت أن تفحص الأمر بعناية، فالآخرون أحق من الأولين.

 

4- لأنه ليس الأمر سيان: فعندما يهددونك بالقتل وإهدار دمك، فالقبول بالتألم مهما يكون، أجدر من القتل واحتمال نفس العذاب لأجل منفعة لا تساوي هذا. فليس فقط الذين قد ذُبحوا نالوا إكليل الشهادة، بل أيضًا الذين كانوا مستعدين له والذين كانوا جاهزين لاحتمال هذه العقوبة.

لقد قلت سابقًا: الذي قد ذُبح لأسباب أقل أهمية هو أيضًا شهيد كامل، وسأجتهد لتوضيح هذا بصوت بولس.

 

5- بعد أن بدأ بولس الرسول في تعداد من تلألأ بين القدماء، إذ ذكر أولًا هابيل ثم وصل إلى نوح وإلى إبراهيم وإسحق ويعقوب، فإن بولس الطوباوي استمر قائلًا: "لذلك نحن أيضًا إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا... إلخ." (عب 12: 1).

 

6- لكن لم يُقتل أحد منهم إلا اثنين أو ثلاثة: هايبل ويوحنا المعمدان، أما كل الآخرين فقد ماتوا ميتة طبيعية. ويوحنا نفسه قُتل، ليس لكونه أُجبر على تقديم ذبيحة فرفض، ولا لأنه سُحب أمام صنم (ليسجد له فرفض)، بل لمجرد كلمة قالها ولأنه قال "لا يحل أن تكون لك امرأة فيلبس أخيك" (مت 14: 4) سٌجن وكان ضحية لهذا العذاب (العقوبة).

 

7- إن كان الذي نطق بحكم ضد زواج غير شرعي بأقل مما كان يستطيعه، لأنه لم يقوّم الفعل الشرير المقترف، بل فضحه فقط، ولم تكن له قوة على وضع نهاية له، فإن كان الذي قال مجرد كلمة، وتوقف عمله عند هذا الحد، لأن رأسه كانت قد قُطعت يعتبر شهيدًا، بل أول الشهداء، فالذين أصابتهم جروح كثيرة، الذين أعدوا أنفسهم للجهاد -ليس ضد هيرودس وحسب- بل ضد سلاطين الأرض كلها والذين لم يقاوموا زواجًا غير شرعي وحسب بل كانوا متكفلين بالدفاع عن شرائع آبائنا وقوانين الكنيسة أمام مَنْ يحتقرونها، الذين كلامهم وتصرفاتهم أظهرت جسارتهم الواثقة، متعرضين يوميًا للموت، رجالًا وأطفالًا ونساء، ألا يكون من العدل وضعهم في مصاف الشهداء؟

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

8- كما أن إبراهيم، ولو أنه لم يذبح ابنه بالحقيقة، فإنه ذبحه بالنية وسمع من السماء هذه الكلمة "لم تمسك ابنك وحيدك عني" (تك 22: 12)، كذلك -في كل أمر- عندما تكون النية مُلهمة بالفضيلة، تنال المكافأة بالتمام.

 

9- إن كان إبراهيم ذُكر بمزيد من الشرف لأنه لم يشفق على ابنه، فالذين لم يشفقوا على أنفسهم، تخيل أي أجر سينالونه وهم يخوضون مثل هذا الجهاد، ليس لمدة يوم أو يومين، بل على مدى الحياة كلها، وهم مُلاحقين بإهانات وإساءات وتهديدات وتشهيرات، وهذا ليس بالأمر الزهيد. لهذا السبب فإن بولس الرسول بإعجاب شديد يشهد في هذه الحالة فيقول: "... من جهة مشهورين (أي يتم التشهير بهم) بتعبيرات وضيقات، ومن جهة صائرين شركاء الذين تُصرف فيهم هكذا" (عب 10: 33).

 

10- ماذا يقال أيضًا عن الذين ماتوا وهم يعانون مثل هذه التجارب، وهم يعدوا رجالًا ونساء للجهاد؟ لهذا فإن بولس الرسول معه حق في الإعجاب بهم. كثيرون بذلوا ثروتهم لكي يجد المسجونين والمنفيين بعض الراحة في بليتهم العظمى. وعندما سُلبت أموالهم قبلوا هذه التجربة بفرح بحسب كلمة الرسول. البعض منهم طردوا من وطنهم، والبعض الآخر طردوا من الحياة (أي ماتوا).

 

11- لذلك عند رؤية مثل هذا الغنى والمكسب والغنيمة وقد اُقتيدت إلى الكنيسة، ومثل هذه الكنوز تتراكم، والذين كانوا ضعفاء في السابق صاروا الآن أكثر حرارة من النار، والذين لم يكونوا يغادرون المسارح رحلوا إلى الصحراء جاعلين الوديان والجبال بمثابة كنائس.

وبينما لا يوجد من يقود القطيع (لنفي البطريرك أو الأسقف) فإن الخراف قامت بعمل الرعاة. جنود الرئيس -بفضل جسارتهم الواثقة وشجاعتهم، بكل الغيرة والحماس والتحفظ الذي يليق- قاموا بأداء المهمات المنوطة بالرئيس. ألا تُصاب بالدهشة وتمتلئ بالإعجاب لأعمال الفضيلة التي سببتها الأحداث؟

 

12- لأنه ليس الذين يعيشون حياة مستقيمة بل كثيرون من الذين يقضون أوقاتهم في المسارح وميادين سباق الخيل، الذين تطهروا بحمية نار شديدة، قد تخلوا تمامًا عن طياشتهم واندفعوا -إن جاز القول- عبر السيوف مُظهرين أمام الولاة جسارة واثقة، محتقرين البلايا ومستهزئين بالتهديدات، مُظهرين كيف تكون قوة الفضيلة، وكيف يمكن لمن سيوصله الموت حتمًا لأعلى السموات بتوبته وندامته (فيكون جديرًا بالإقتداء به).

 

13- عندما ترى كثيرًا من المكافآت، ومثل هذه الأكاليل المضفورة، ومثل هذا التعليم منتشرًا، أخبرني من أين يتأتى أنك تُعثر؟

لقد قلت ولن أكف عن القول أن هلاك من يعثرون شيء يُعزى إليهم (لضعفهم)! إن حديثنا موجه بكل طريقة لإظهار هذا.

وسأذكر أيضًا مزية أخرى. كم عدد الناس الذين يرتدون قناع التقوى، وكم عدد الذين لهم وداعة كاذبة، وكم عدد الذين كانوا يعتبرون عظماء ولم يكونوا (في حقيقة الأمر) عظماء، وسقطوا تمامًا في الظروف الحالية؟ إن حيل خداعاتهم قد انهارت، وظهروا على حقيقتهم وسقط ما كان يزيفونه ويتراءون به.

 

14- هذه ليست مزية هينة بل امتياز مُعتبر جدًا لمن اهتموا لما فيه فائدتهم من جهة تمييز من يرتدون جلود الحملان ولا يختلطوا بالذئاب التي تخفت هكذا وسط الحملان الحقيقية. إن الوضع الحالي هو أتون يتيح التمييز بين قطع النقود، فتلك التي من البرونز تذيب الرصاص وتحرق القش وتجعل المواد الثمينة تظهر أكثر قدرًا. وهذا ما يبينه بولس الرسول عندما يقول: "لأنه لابد أن يكون بينكم بدع أيضًا ليكون المزكون ظاهرين بينكم" (1كو 11: 19).


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-providence-of-god/martyrs.html

تقصير الرابط:
tak.la/t96djcm