St-Takla.org  >   articles  >   fr-botros-elbaramosy  >   a
 

مكتبة المقالات المسيحية | مقالات قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

مقالات الراهب القمص بطرس البراموسي - تاريخ المقال: 9 سبتمبر 2018 م.

97- الإيمان.. ودرجات اختباره

 

إن الإيمان يُصَنَّف إلى درجات، فليس الجميع لهم نفس القدر من الإيمان الذي تكلَّم عنه لسان العِطر في رسالته إلى العبرانيين في قوله: "أَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. فَإِنَّهُ فِي هذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ" (عب 11: 1، 2).  ويختلف البشر في مدى ثِقتهم في الله، إيمان القلب الحقيقي..  ونحن لسنا بصدد فهم كلمة الإيمان بأن الإنسان يؤمن بالمسيح أم لا.  هذا هو المفهوم العام أو السطحي، فالملايين بل المليارات يؤمنون بالمسيح، ولكن ما نقصده هنا بالإيمان هو إيمان القلب بوجود الله داخل حياة الإنسان، وأنه هو مُدَبِّر كل الأشياء، وأنه هو الضابط كل الأشياء في الكون كله.  هو مُحِب البشر، هو الله الذي يحب البشرية كلها، وهو الذي يدبِّر خلاصها وينظر لكل البشر أنهم خليقته وصنعة يديه، ومحبتهُ للكل هي التي دفعتهُ لِبَذْل ابنه الوحيد: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو 3: 16).  إيماننا بالله أنه هو يصنع كل شيء حسنًا: "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا" (تك 1: 31).  كذلك الإيمان الحي والراسخ داخل الإنسان هو ما يؤمن بما قاله معلمنا بولس الرسول: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ" (رو 8: 28).

St-Takla.org Image: The vision, looking up, meditation moment, used with permission - by Mina Anton صورة في موقع الأنبا تكلا: الرؤية، الأنافورا، لحظة تأمل، موضوعة بإذن - رسم الفنان مينا أنطون

St-Takla.org Image: The vision, looking up, meditation moment, used with permission - by Mina Anton

صورة في موقع الأنبا تكلا: الرؤية، الأنافورا، لحظة تأمل، موضوعة بإذن - رسم الفنان مينا أنطون

هذا هو الشِّق الداخلي أو قُل الشخصي في الإيمان  الداخلي للإنسان..  ولكن دعنا نذهب إلى الشق الخارجي، وهو المتاعِب والمشقات التي قد تأتي علينا لتذكية إيماننا، وما تؤول به لنا: "عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا" (يع 1: 3).

فالآلام والمتاعِب والمشقات اليومية هي ناموس من نواميس الحياة البشرية.  فالرجال والنساء والشباب والأطفال -الكل- مُعَرَّضون للآلام البشرية اليومية، كذلك الأغنياء والفقراء تتخلَّل حياتهم التجارب، حتى مع اختلافها، ولكن لكل واحد في أي موقِع وفي أي مرحلة عمرية..  هكذا عبَّر صاحب سفر أيوب: "لكِنَّ الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لارْتِفَاعِ الْجَنَاحِ" (أي 5: 7).

فقد لا يمر وقت مهما كان قصيرًا لا يحمل معه شدائده وضوائقهُ، وهذا الموضوع من أعقد مواضيع الحياة، وكثيرون لا يفهمون ويُعْثَرون كثيرًا بسببه؛ إذ هم لا يعرفون كيف يوفِّقون بين ما يعلمونه عن محبة الله وإشفاقهُ، وبين سماحهُ لأبنائه أن تضايقهم الآلام.

ولكن أولاد الله الحقيقيون لا يُعْثَرون في هذا، إذ هم يعرفون أن للضيقات فائدتها الخاصة كما تكلًّم يعقوب الرسول، لذلك تغنَّى الرسل بفرحهم بالضيقات وبالتجارب، ناظرين إليها أنها هي سبب الخيرات لحياتهم.  فبولس الرسول يقول: "فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ" (2 كو 12: 9).  وبطرس الرسول يقول: "بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ" (1 بط 4: 13).  كذلك يعقوب الرسول يقول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع 1: 2).

والإنسان المؤمن يستطيع أن يجد من الضوائق فوائد عديدة، وهو يعلم أنه لا يجد هذه الفوائد سوى في الضيقات.

فمن أهم فوائد الآلام تأثيرها علينا في إيماننا:

فالإيمان من أعظم الأمور الجوهرية في الحياة المسيحية، والحياة التي تكون ضعيفة في إيمانها هي حياة ضعيفة في روحانياتها.  وعلى قدر قوة الإيمان فينا على قدر ما نختبر الحياة الروحية، وندرك سر عمق أسرارها.  فما أحوج الإيمان المسيحي إلى ما يُقوّي روح الإيمان فيه.  ولذلك فما أعظم بركات الآلام لنفسه لأنها تقوّي إيمانه وتزيدهُ عُمقًا.

ونلاحظ أن القديس يعقوب الرسول يدعو الضيقات "امتحان الإيمان"، وبطرس الرسول يسميها: "تزكية الإيمان".  والله كثيرًا ما يسمح بالضيقات لهذه الغاية، وهي امتحان إيماننا: هل هو مؤسَّس على الصخر، أن هو إيمان هَشّ وضعيف؟

ونحن نعلم أن الامتحان لهُ نتيجتان: فإما نجاح وإما سقوط.  وفي كلا الحالتين للامتحان فائدة للمُمْتَحِن؛ فالناجح يكون له امتحان سببًا للسرور والجزاء الحسن، والساقِط يكون له امتحان سببًا لمعرفة نقط ضعفهُ حتى يقوّيها.

والمؤمنون عندما يسمح الله بامتحانهم، فسواء نجحوا أم أظهروا ضعفًا، ففي كلا الحالتين هم يستفيدون في إيمانهم نتيجة امتحانه بالآلام.

ونحن نستطيع أن نرى نَفْع الإيمان في كلا الأقوياء في الإيمان والضعفاء فيه، وذلك في قصتين كتابيتين:

دعني أيها القارئ أكلمك عن هاتين النقطتين بأكثر تفصيلًا في المقالتين التاليتين.  فإلى اللقاء.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/articles/fr-botros-elbaramosy/a/faith.html