St-Takla.org  >   articles  >   fr-botros-elbaramosy  >   a
 

مكتبة المقالات المسيحية | مقالات قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

مقالات الراهب القمص بطرس البراموسي - تاريخ المقال: 4 يونيو 2018 م.

81- الشر غريزة أم صفة مُكتسبة؟

 

St-Takla.org Image: Victory over Satan, Coptic art by Tasony Sawsan صورة في موقع الأنبا تكلا: الانتصار على الشيطان، فن قبطي رسم تاسوني سوسن

St-Takla.org Image: Victory over Satan, Coptic art by Tasony Sawsan

صورة في موقع الأنبا تكلا: الانتصار على الشيطان، فن قبطي رسم تاسوني سوسن

من المُلاحَظ أن الإنسان مُعرَّض لمؤثرات خارجية عديدة، ويحاربه الشيطان والجسد والعالم، فيقف أمام عدة أعداء، فهل في ذلك ما يتنافَى مع القول بحرية إرادة الإنسان؟  ليس الإنسان مجرد روح بل أنه جسد أيضًا، ولهذا الجسد طبيعته وغرائزه التي لا تموت، والإنسان خاضع لهذه الغرائز منذ مولِده حتى يوم مماته؛ فالإنسان أسير غرائزه التي تُسَيِّره، فكيف نقول بحرية الإنسان وهو أسير جسده؟  قد يبدو هذا الاعتراض وجيهًا عند مَنْ لم يعرف معنى الغريزة ولم يفهم علاقة الجسد بالروح.  ليس الجسد والروح في الإنسان منفصلين، بل هما وحدة متآزرة.  فغريزة الجسد قوة لا ننكرها، ولكن توجيهها واستخدامها في يد الروح والإرادة.  ففي الإنسان مثلًا غريزة حب الامتلاك، ولكن ليس من الضروري أن يسرق الإنسان كل ما تقع عليه يده ليمتلكه بدافع هذه الغريزة، بل أن الإنسان بإرادة الحرية المُريدة يستخدم هذه الغريزة ليمتلك ما ينبغي فقط أن يمتلك.  وفي الحقيقة نرى أن الله قد وضع في الإنسان غريزة حب الامتلاك التي لا تشبع، لكي يسعى بها إلى امتلاك الوجود بأسره في الله.  أي أن يتحِد بالله ليمتلك فيه الوجود كله.

وهكذا في كل الغرائز نرى أن الجسد بغرائزه وطبائعه آلة توجهها الإرادة حسبما تشاء.  وهنا يقول ابن سيراخ: "هُوَ صَنَعَ الإِنْسَانَ فِي الْبَدْءِ، وَتَرَكَهُ فِي يَدِ اخْتِيَارِهِ، وَأَضَافَ إِلَى ذلِكَ وَصَايَاهُ وَأَوَامِرَهُ. فَإِنْ شِئْتَ، حَفِظْتَ الْوَصَايَا وَوَفَّيْتَ مَرْضَاتَهُ. وَعَرَضَ لَكَ النَّارَ وَالْمَاءَ؛ فَتَمُدُّ يَدَكَ إِلَى مَا شِئْتَ" (سي 15: 14-17).

هنا ونعود إلى مشكلة وجود الشر في العالم، فنقول أن كل ما عمل الله حسنٌ جدًا، إذًا، فمن أين أتى الشر؟  بل وهل الشر غريزة أم رغبة داخلية أم صفحة مُكتسبة؟  نقول: بينما إرادة الله غير المحدودة تستطيع أن تخلق أشياء صالحة بعد عدم، إذ بإرادة الإنسان المحدودة تستطيع أن تصنع أو تخلق -لو جاز التعبير- أشياء لا بعد عدم بل ما مما هو كائن، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى.  فالإنسان يستطيع أن يخلق (يوجِد) من الأشياء الصالحة الموجود شرًّا؛ بأن يضع الأشياء في غير موضعها.  خُذ مثلًا جريمة القتل، فتلك المادة التي صُنِعَت منها السكين صالحة ونافعة، وكذلك السكين نفسها يمكن أن نستخدمها في أعمال واحتياجات صالحة كثيرة، ولكن بمبدأ تحويل الخير إلى شر، تتحوَّل هذه الأداة من دورها المفيد الفعال إلى وسيلة للقتل والنحر والجريمة والتعذيب، فيتحوَّل الخير إلى شر بواسطة الاستخدام السيئ للإنسان الذي يسعى نحو الشر.

والحرية التي أعطاها الله إيانا هي صالحة لكي نوجهه بها غرائزنا وأفعالنا وجهة نافعة.  فعناصر الجريمة -أعني السكين والغريزة والحرية- هي في حد ذاتها أدوات صالحة، أما الشر في استخدام الإنسان الغريزة لمكافحة أخيه، كأن بقاء وبقاء أخيه متعارضان!  واستخدام الحرية واستخدام السكين لتحقيق هذه الغريزة في غير ما يقصد الله منها.

وعلى هذا النحو  يخلق الإنسان من الغريزة الجنسية السامية زِنى، ومن حب الامتلاك سرقة ونهبًا، ومن حب السيطرة على الوجود سيطرة على الناس وظُلمًا، ويعتبر وزوجته وأولاده أشياء يمتلكها امتلاكًا مريضًا، فيذل فيهم ويتعامل معهم بقسوة وعنف، ويسعى جاهِدًا أن يمحو شخصياتهم وكياتهم، ويمتلك كل ما عندهم، ويعطيهم القليل من الكلام والاحترام والمأكل والمشرب بواقع أنهم ملكه الخاص، ويتحوَّل الإنسان إلى شيء يُحْمَل ويوضَع في من مكان لآخر دون إرادته، فتُلغى كياناته ومشاعره ويُعامل بقسوة وتَجَبُّر.  هذا العنف الأسري الذي نراه ونلحظه في تزايد سريع وطرق عجيبة تساعد على الانهيار والتفكك والشكوى أمام القضاء بالمحاكم، وعدم الخضوع إلى الكنيسة والنُّصح الروحي.  فكثرة الضغوط من طرف لآخر يجعله يصل إلى مرحلة الانفجار، وينشئ الأولاد في أُسَر منهارة كيانيًّا وأخلاقيًّا، مما يؤثِّر عليهم بالسلب، ويتحوَّل الزواج -"هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ" (أف 5: 32)- إلى سجن وجحيم، يتوق أحد أطرافه إلى يوم الإفراج منه، والخروج من دائرة إذلاله، فتتحوَّل الفضيلة إلى رذيلة، وتتحوَّل غريزة الامتلاك إلى مرض الملكية وإلغاء الآخر، ويكتسب الشخص خبرات سيئة من أصحاب السوء والمُعاشرات الرديئة، فيزداد الإنسان شرًّا كل يوم عن سابقه، وينسى يوم مغادرته هذا العالم، هل سيصبح ذِكرى عطرة أم اسمًا تطنّ الأذن عند سماعها إياه، وهرب أسرته وأقرب الناس إليه من ذِكر اسمه وسماع كلمة عنه.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/articles/fr-botros-elbaramosy/a/evil-instinct-vs-mark.html