الإفخارستيا تذكار حي وليس مجرد تذكار رمزي:- فنحن نُخبر بموت الرب لأن ذبيحة الصليب بجسد الرب ودمه تكون حاضرة بالفعل في وسطنا. فإذا كان دم المسيح الذي سُفك على الصليب هو نفسه الذي يكون حاضرًا في القداس؛ فليس هناك تذكار أقوى من ذلك.. ونُخبر بموت الرب عندما نشرب من هذه الكأس لأننا نؤمن أن ما بداخل الكأس هو دم حقيقي تحت أعراض الخمر، ولكنه مسفوك بالكامل، وقد ترك الجسد. وهذا يعنى موت الجسد. ولكنه دم فيه حياة، دم محيى، هو دم المسيح القائم من الأموات بحياة أبدية. ولا يمكننا أن نُخبر بما لم نراه ونختبره. فالذين أخبروا بالقيامة؛ هم شهود القيامة، والذين يخبرون بموت الرب؛ هم شهود موته. لذلك فنحن نُخبر بموت الرب وقيامته وأيضًا بمجيئه الثاني لأننا نختبر هذه الأمور اختبارًا حقيقيًا في سر الإفخارستيا. نحن نخبر بموت الرب القائم من الأموات بحياة أبدية، وهذا الإيمان هو إيمان قائم أمام أعيننا. جسد مكسور ودم مسفوك ومتحداً بهما لاهوت المسيح. وفيهما حياة أبدية.
![]() |
هل هناك طريقة نخبر بها بموت المسيح وسفك دمه عنا أوضح من هذا الجسد المكسور والدم المسفوك المحيى في كل قداس. وستستمر القداسات لنهاية الأيام إلى أن يأتي الرب في مجيئه الثانى. وهذا ما أراده الرب يسوع أن يُعْلَن دائما أنه يسوع المصلوب كما قال الملاك للمريمات عند القبر (مت5:28). وهذا ما فهمه بولس الرسول فقال لأهل غلاطية "أَيُّهَا ٱلْغَلَاطِيُّونَ ٱلْأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لَا تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟ أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا" (غل1:3). وقال لأهل كورنثوس "وَلَكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِٱلْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً" (1كو23:1). فبولس الرسول كان يكرز بما يريده المسيح ليخبر ويظهر صورة المسيح المصلوب.
يقول ملاخى النبى "لِأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ ٱلشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا ٱسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ ٱلْأُمَمِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُقَرَّبُ لِٱسْمِي بَخُورٌ وَتَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ ٱسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ ٱلْأُمَمِ، قَالَ رَبُّ ٱلْجُنُودِ" (ملا11:1). فما هي هذه التقدمة الطاهرة؟ كان اليهود يقدمون محرقة صباحية وأخرى مسائية وتشمل تقدمة اليهود حمل محرقة مع دقيق وسكيب خمر (عد28: 1-8). وكلام ملاخى ليس لليهود لأن الله شدد على اليهود ألا يقدموا ذبائح إلا في هيكل أورشليم (تث12). وكانوا يقدمون مع الحمل تقدمة دقيق وسكيب خمر. وواضح من نبوة ملاخى أن هذه النبوة موجهة للأمم من مشرق الشمس إلى مغربها. وتكون هذه التقدمة هي التي بها نخبر بموت الرب وقيامته كما يقول بولس الرسول فيعلم العالم كله محبة المسيح التي وصلت للموت ليعطينا حية أبدية. ونفهم قطعاً أن هذه التقدمة هي ذبيحة الإفخارستيا. الرب يسوع حين قال للتلاميذ إصنعوا هذا لذكرى قطعاً لم يقصد أن نأتى في إجتماعاتنا ونأكل قطعة من الخبز وبعض النبيذ لنذكر تلك المأدبة التي أقامها للتلاميذ يوم خميس العهد. بل أراد أن يظل المسيح المصلوب القائم من الأموات ليعطينا حياة. المسيح ولمدة ثلاث سنين ونصف كان يأكل مع تلاميذه ولم يقل لهم "إصنعوا هذا لذكرى".
يقول الرب لموسى عن يوم الفصح "تَحْفَظُونَ هَذَا ٱلْيَوْمَ فِي أَجْيَالِكُمْ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً" (خر17:12). ويكرر موسى للشعب كلام الرب فيقول "فَتَحْفَظُونَ هَذَا ٱلْأَمْرَ فَرِيضَةً لَكَ وَلِأَوْلَادِكَ إِلَى ٱلْأَبَدِ" (خر24:12). فإذا كان الله يعلم أن فريضة الفصح ستتوقف عندما يأتي المسيح المرموز له بالفصح، إذ يقول القديس بولس الرسول "لِأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا ٱلْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لِأَجْلِنَا" (1كو7:5). فلماذا يطلب الرب أن تحفظ هذه الفريضة أبدياً إن لم يكن هذا هو أمر بأن يكون الأكل من جسد المسيح فصحنا هو الفريضة الأبدية في كنيسة المسيح لنهاية الأيام، فاليهود كانوا يأكلون لحم خروف الفصح.
في سر الإفخارستيا نحن نرى أمامنا جسد مكسور حقيقى ودم مسفوك حقيقى وهذا أوضح إعلان بموت الرب وقيامته، وبهذا السر نعلن إيماننا بموت الرب (الدم المسفوك والمنفصل عن الجسد، وأيضاً نعلن إيماننا بالقيامة فهذا الدم حى ومحيى. وهكذا قال القديس بولس الرسول "فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هَذَا ٱلْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هَذِهِ ٱلْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ ٱلرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1كو26:11). فالدم مسفوك ومنفصل عن الجسد لكنه حى لإتحاد اللاهوت به.
*لذلك ناول الرب تلاميذه الجسد منفصلاً عن الدم، فالدم سيسفك تماما من الجسد على الصليب. بل بدأ سفك الدم في بستان جثسيمانى ثم الجلد والمسامير وإكليل الشوك وأخيراً طعنة الحربة. ولأن الجسد يكون منفصلا عن الدم نقول عن الإفخارستيا أنها ذبيحة، فالذبيحة يُسفك دمها تماما. ولكنها ذبيحة حية لأن كلا الجسد والدم متحدين باللاهوت الحى.
لذلك نمارس التناول من سر الإفخارستيا في كنيستنا، وذلك بأن نأكل الجسد ونشرب الدم منفصلين عن بعضهما:-
أولاً: لأن المسيح فعل هذا.
ثانياً: إشارة لأن المسيح سفك دمه وإنفصل الدم عن جسده. وبهذا نرى الدم مسفوكا في الكأس منفصلا عن الجسد المكسور الذى في الصينية.
ثالثاً: نضيف أننا حينما نتناول الجسد المكسور المقطع في الصينية يجب أن نتخذ قراراً بالموت مع المسيح عن خطايانا، ونصلى قائلين "كما قدمت أنت ذاتك ذبيحة ومت لأجلنا سنمارس نحن حياة الإماتة أي نقف كأموات أمام الشهوات والخطية (رو11:6)، مقدمين أجسادنا ذبيحة حية (رو1:12) صالبين الجسد مع الأهواء والشهوات (غل24:5). وبهذا نموت مع المسيح فتغفر خطايانا. حينئذٍ نتجه لشرب الدم فنأخذ حياة فالدم حياة. وبهذا نفهم معنى "يُعطى لغفران الخطايا وحياة أبدية لِمَن يتناول منه".
رابعاً: هذا ما قصده المسيح حينما قال "إصنعوا هذا لذكرى" أي إعلنوا محبتى التي ظهرت في أسمى صورها في دمه المسفوك غفرانا لخطايانا وحياة أبدية لنا. نعلنها يومياً على مذبح الإفخارستيا بدمه المسفوك عنا، مسفوكا منفصلا عن الجسد حباً لنا. وهذا ما قاله رب المجد "هَذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ. لَيْسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو13،12:15). ولهذا ظل الملاك متمسكاً بلقب "يسوع المصلوب" حتى بعد قيامة رب المجد من الموت (مت5:28). وكان إصرار الملاك على هذا اللقب له نفس المعنى وهو إعلان دائم عن محبة المسيح التي ظهرت فى سفك دمه على الصليب.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/daw4747