![]() |
فالتفت حينئذ القاضي إلى العذابات، منهزمًا في هذه النقطة. وعند ما جلد الصديق بقسوة، سمعه يقول بأنه لا يشعر بشيء في تلك المعاملة السيئة. وأنه بعد أن أمر بأن يمزقوه بواسطة أظافر العذاب، كان يسمع نفس الكلمات البطولية، مع أن جسد الشهيد كله كان مسلخًا. وأمر القاضي أيضًا أن يعلق هذا الشجاع في المشنقة؛ وانكسرت عظمة الترقوة بسبب العنف وسقطت العظام الأخرى من مفاصلها الطبيعية، ومع ذلك كان ذلك القاضي الذي فقد عقله يطالبه بأن يضحي للآلهة؛ أما الذي كان يتحمل الألم، وكأنه لا يشعر بشيء، فكان يؤكد بنفس الطريقة أنه لا يتألم.
كان القاضي في جنونه بأوامره يتجاسر ويتعدى حدود الطبيعة. فكان يأمر أن يفتحوا راحة يد الصديق وهو معلق في الهواء وأن يضعوا فيها جمرًا ملتهبًا مضافًا إليه البخور؛ وأمر أن يقام مذبح تحته، حتى إذا قلب يده، يعتبر أنه قدم بخورًا للشياطين. لكي ببساطة يقال له: "كيف يمكن، أيها التافه، أن اللحم وقد فقد وعي آلام الجسد يميل يده ليحرق بخورًا. إن هذا الأمر لا يقدم إتهامًا ضد الشهيد، كما أن أحدًا لا يقول أنه يكرم الشياطين عندما يسقط دمه وهو يسيل من جسده على المذبح بدون إرادته". إن الشهادة في حقيقة الأمر هي في موقف الروح الصلب الشجاع وليس بتحميل الجسد ما ليس له، لذلك فإن الذي أسس هذه المعارك المقدسة كان يقول: "ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم" (مت 10: 28). ومع هذا فلما كان الشهيد يعلم بشأن هذه المسألة أن الخير سوف يفسد مع الشر، ودحضًا لضلال هذا الأمر، صبر وأبقى يده في وضع ثابت تؤذيها النار ببطء دون أن يغلبه الجمر.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
لنتعلم إذن نحن أنفسنا من هذه اليد غير المتغيرة أن يكون لنا روح صحيح ثابت غير متزعزع. بماذا يجيب يوم الدينونة أولئك الذين ينكرون التقوى ليس فقط بالروح بل أيضًا بأعمالهم، الذين إنحازوا للتعاليم التي تحتوي على تجديف؟
لنرجو أن يد الشهيد هذه، اليد التي تتوج، أن تعطي للكنيسة بطريقة غير منظورة كل بركة روحية؛ فهي في الواقع مليئة بآلاف الخيرات، لأنها فازت بشهادتها الخاصة خارج كل باقي الجسد.
في هذه الليلة الصيفية القصيرة، يا أبانا، دبجت لك هذا المقال المختصر؛ لأن الليلة اليفية التي للأربعين شهيدًا القديسين تتيح لنا أن نتلذذ بالمعارك في حرية تامة، ونسترسل في المقال ونطنب. وإذا كنت بصلواتك تخفف همومنا، وإذا كنت توفر لنا راحة يومية، فربما يكون لنا استعداد لتعليقات علنية وروحية أطول وأكثر قبولًا لديك، لمجد المسيح الإله المخلص، له يليق المجد والكرامة والقدرة إلى أبد الدهور آمين.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-st-barlaha/witness-in-spirit.html
تقصير الرابط:
tak.la/dprs5z8