الكتاب المقدس باللغة العربية + الإنجيل بكل اللغات + دراسات في كتاب مقدس + البحث في الكتاب المقدس الاجبية.. كتاب السبع صلوات | الأجبية باللغة العربية | الأجبية باللغة الإنجليزية | الفرنسية وصلات كل المواقع القبطية - سجل مواقع الكنائس القبطية الأرثوذكسية - دليل السايتات المسيحية الموقع باللغة الإنجليزية St-Takla.org in English ما الجديد؟ أخبار ويب سايت الأنبا تكلا وتحديثاته والجديد المضاف به الإيمان | اللاهوت | العقيدة القبطية الأرثوذكسية | طقوس الكنيسة المسيحية في مصر ركن الأطفال - ترانيم - تلوين - ألعاب - قصص Saint Takla Dot Org Web Site - Homepage لوجو موقع القديس الأنبا تكلا هيمانوت (سانت تكلا دوت أورج)- الإسكندرية - جمهورية مصر العربية | الموقع الرسمي | بطريركية الأقباط الأرثوذكس Coptic Orthodox Church راسلنا - اتصل أن | اكتب لنا رأيك - أضف موقعًا - الأفكار - المقترحات... إرسل كروت وبطاقات تهنئة مسيحية وقبطية إلى أصدقائك في كل المناسبات اتصل بنا.. رأيك يهمنا - العنوان - التليفونات - الخريطة - الدعم الفني الفوري سنوات مع إيميلات الناس | أسئلة وأجوبة في الكتاب المقدس، الشباب والأسرة، الإيمان واللاهوت والعقيدة، الروحيات، ويب سايد سانت تكلا الصفحة الرئيسية من الموقع الرسمي للأنبا تكلاهيمانوت الحبشي القس بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية - بطريركية الأقباط الأرثوذكس معرض الصور: السيد المسيح - السيد العذراء - القديسين - الأنبا تكلا هيمانوت - الكهنة - الكتاب المقدس - الخدمات الوسائط المتعددة: ترانيم - ألحان - عظات - أجبية مسموعه - ملفات ميدي - فيديوهات - تسبحة نصف الليل - قداسات قسم التحميل: أشكال برنامج وين آمب | خطوط قبطية | ترانيم | برامج متنوعة، وبرامج مسيحية | أيقونات | معرض الصور تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر العصور | التاريخ المسيحي مكتبة كتب قبطية أرثوذكسية | الكتب المسيحية في مختلف المجالات والمواضيع | كتب بطاركة، أساقفة، كهنة، علمانيين  

شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القس أنطونيوس فكري

يوحنا 5 - تفسير إنجيل يوحنا

 

* تأملات في كتاب يوحنا:
تفسير إنجيل يوحنا: مقدمة إنجيل يوحنا | يوحنا 1 | يوحنا 2 | يوحنا 3 | يوحنا 4 | يوحنا 5 | يوحنا 6 | يوحنا 7 | يوحنا 8 | يوحنا 9 | يوحنا 10 | يوحنا 11 | يوحنا 12 | يوحنا 13 | يوحنا 14 | يوحنا 15 | يوحنا 16 | يوحنا 17 | يوحنا 18 | يوحنا 19 | يوحنا 20 | يوحنا 21 | تسلسل الأحداث في إنجيل القديس يوحنا | ملخص عام

نص إنجيل يوحنا: يوحنا 1 | يوحنا 2 | يوحنا 3 | يوحنا 4 | يوحنا 5 | يوحنا 6 | يوحنا 7 | يوحنا 8 | يوحنا 9 | يوحنا 10 | يوحنا 11 | يوحنا 12 | يوحنا 13 | يوحنا 14 | يوحنا 15 | يوحنا 16 | يوحنا 17 | يوحنا 18 | يوحنا 19 | يوحنا 20 | يوحنا 21 | يوحنا كامل

رأينا في إصحاح (1) أن الكلمة صار جسدًا، ويوحنا المعمدان يشهد له بأنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم. ورأينا تلاميذ يوحنا المعمدان يتحولون إلى المسيح. ويوحنا المعمدان كان آخر أنبياء العهد القديم. والمعنى أن تلاميذ العهد القديم يتحولون للمسيح. وأنهم بدأوا يكتشفون المسيح، حتى لمن كان يشك فيه كنثنائيل. ورأينا في إصحاح (2) المسيح يحول الماء إلى خمر، فهو أتى ليعيد الفرح للإنسان، لكن على الإنسان أن يحاول أن يطهر نفسه، وإن لم يفعل فالمسيح بسوط تجاربه يطهره كما طهر هيكله. وفي إصحاح (3) نرى لزوم المعمودية لنولد من جديد. وفي إصحاح (4) نرى نموذج للتجديد، فالسامرية الخاطئة تحولت لكارزة.. ورأينا أهمية العبادة بالروح والحق. ثم رأينا قصة شفاء ابن خادم الملك بكلمة. وفي بداية إصحاح (5) نرى شفاء مريض بركة بيت حسدا بكلمة من السيد المسيح "قم. إحمل سريرك وأمشى". وفي المعجزتين الأخيرتين نرى قوة الكلمة التي تشفي فورًا. والفرق بين المعجزتين أنه في شفاء ابن خادم الملك نرى أنه يجب أن نأتي للمسيح فيشفينا ويشفي إيماننا. وفي معجزة مريض بركة بيت حسدا نرى المسيح يذهب للمريض إذ هو يائس تمامًا. وبعد هذا نتعرف على من هو المسيح، فهو خبز الحياة المشبع إصحاح (6) وهو ماء الحياة إصحاح (7) وهو النور إصحاح (8) وكتطبيق على النور نجد في إصحاح (9) شفاء الأعمى وفي (10) هو الراعي الصالح.

الإصحاحات الأربعة الأولى تسمى إنجيل التجديد، وفيها رأينا كيف أن المسيح ابن الله أتى ليجدد طبيعتنا وهذا ما رأيناه مع السامرية التي حولها من خاطئة إلى كارزة. هنا نرى صورة لعمل الخطية الذي دمر الإنسانية فمريض بيت حسدا هذا كان مريضًا مدمرًا جسديًا ونفسيًا وروحيًا. والسيد المسيح أتى له من نفسه ليشفيه فهو لهذا أتى للعالم.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

معجزة تحريك الماء:

St-Takla.org Image: Coloring picture of Healing of the man at the Pool of Bethesda - Courtesy of "Encyclopedia of the Bible Coloring Images" صورة في موقع الأنبا تكلا: صورة تلوين شفاء مريض بركة بيت حسدا - موضوعة بإذن: موسوعة صور الكتاب المقدس للتلوين

St-Takla.org Image: Coloring picture of Healing of the man at the Pool of Bethesda - Courtesy of "Encyclopedia of the Bible Coloring Images"

صورة في موقع الأنبا تكلا: صورة تلوين شفاء مريض بركة بيت حسدا (المخلع) - موضوعة بإذن: موسوعة صور الكتاب المقدس للتلوين

الماء المتحرك يرمز للروح القدس. وتحريك الماء والشفاء كان نبوة وتحريك لأذهان اليهود أن شيئاً ما سيحدث قريباً. كان هذا إشارة للروح القدس (الماء الحي واليهود يسمون الماء المتحرك ماء حي) الذي سيحل على كنيسة المسيح ليشفي طبيعتنا. وكان من ينزل أولاً يشفى. ومن الطبيعي أن من يستطيع النزول أولاً هم الأقوياء، وفي هذا إشارة إلى أن الأقوياء روحياً في العهد القديم كان الروح القدس يتعامل معهم كالأنبياء مثلاً ويشفيهم. أما مريض بركة بيت حسدا فهو يشير لمن ليس له أحد وهو في حالة ضعف، غير فاهم ولا يدري شئ، وهذا كان حال كل البشر قبل المسيح ما عدا قلة. والمسيح أتى لهؤلاء البشر الضعاف ليشفيهم كما أتى لهذا المريض. هذه المعجزة هي إشارة لأن هناك تدخل سماوي سيحدث ليشفي الأمراض (الطبيعة البشرية). وكان الملاك الذي يحرك الماء رمزاً للمسيح الذي سيرسل الروح القدس. فملاك يعني مرسل، والمسيح أرسله الآب. ولكن المسيح كان مرسلا ليس للأقوياء فقط كالأنبياء في العهد القديم، بل لكل البشر. والمسيح أرسل الروح القدس فحرك المياه لتجديد الخليقة.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

وكيف يشفى المسيح موتى الخطية؟

الابن له حياة في ذاته، وهو يحيي من يشاء (آيات21+26) ومن يسمع له يقوم من موت الخطية الآن (آية25) ويقوم إلى قيامة الحياة في الأبدية (آية29). فالمسيح الذي ظهر أمامنا كإنسان هو له قوة حياة، فيه حياة في ذاته تجسد ليعطيها لكل واحد فيحيا. ولكن الذي يحصل على هذه الحياة هو من يسمع للمسيح، ويؤمن به ويعتمد فيتحد به. ثم يسمع كلامه وينفذه، وإن أخطأ يتوب ويتناول من جسده ودمه، فيظل عضوا حيا في جسده. والشفاء الذي سنحصل عليه هنا على الأرض سيكون جزئياً بسبب أجسادنا الضعيفة التي تخطئ، أما في السماء سيكون الإتحاد بالمسيح بلا إنفصال فلا خطية في السماء. وفي السماء سيكون لنا أجساد ممجدة. هذا هو الشفاء الكامل والحقيقي.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

لماذا صنع المسيح المعجزة في يوم السبت؟

ليس هذه المعجزة فقط، بل المسيح غالباً ما كان يشفي يوم السبت. والله منع شعبه من العمل يوم السبت حتى يتفرغوا للعبادة ويذكروا إنتمائهم لله. وقال لهم الله أنه إرتاح يوم السبت. فما معنى راحة الله؟ وهل الله يتعب؟! الله لا يتعب حتى يستريح. ولكن راحة الله هي في خلاص الإنسان. فحين يقول إستراح الله في اليوم السابع فهذا معناه أن الله إستراح حينما تمم خلاص البشر في منتصف اليوم السابع بالصليب. فراحة الله في كمال عمله. فالراحة هي راحة الله في الإنسان وراحة الإنسان في الله. فما كان يفصل بين الله والإنسان هو الخطية التي مات المسيح ليرفعها عنا ويصالحنا على الله.

St-Takla.org Image: Curing the sick man of Bethesda, who was ill for 38 years waiting for any man to put him in the water when the angel stirs it. He was cured by Jesus. - Bible Clip Arts from NHP صورة في موقع الأنبا تكلا: شفاء مريض بركة بيت حسدا، كان مريضاً منذ 38 سنة وكان ينتظر من يلقيه في بركة بيت حسدا عندما يحرك الملاك المياه وشفاه السيد المسيح - صور الإنجيل من إن إتش بي

St-Takla.org Image: Curing the sick man of Bethesda, who was ill for 38 years waiting for any man to put him in the water when the angel stirs it. He was cured by Jesus. - Bible Clip Arts from NHP

صورة في موقع الأنبا تكلا: شفاء مريض بركة بيت حسدا، كان مريضاً منذ 38 سنة وكان ينتظر من يلقيه في بركة بيت حسدا عندما يحرك الملاك المياه وشفاه السيد المسيح - صور الإنجيل من إن إتش بي

والله في (حز20) نجده يقول ليدلل على محبته لشعبه أنه أعطاهم الوصية والسبت. فالله لم يذكر خروجهم من مصر ولا شق البحر.. إلخ. الله رأى أن أعظم ما قدمه لشعبه هو الوصية (ليحيوا سعداء على الأرض) والسبت (ليذكروا إنتمائهم للسماء فيكون لهم نصيب في السماء). ونص وصية السبت كان "أذكر يوم السبت لتقدسه" (خر20: 8) ومعنى قدسه أنه يوم مخصص للرب، فيكون للصلاة والتسبيح ..فهل شفاء وخدمة مريض يتعارض مع هذا المفهوم. لكن اليهود خرجوا من المعنى الروحي، وفهموا الوصية أو طبقوها بمعنى حرفي فقط فمنعوا أن يحمل إنسان حتى إبرة خياطة يوم السبت. والمسيح أتى ليصحح هذه المفاهيم، ليعيد المعنى الروحي، ففي المسيحية العبادة ستكون بالروح والحق. ففي المسيحية أعطانا المسيح أن نحيا في السماء إذ "طأطأ السموات ونزل" أي أنه أتى لنا بالحياة السمائية على الأرض (مز18: 9).

وهنا المسيح يشرح الآتي:

الآب يعمل حتى الآن فلماذا تعتبرون الشفاء خطأ يوم السبت. ولو توقف الآب عن العمل لحظة لهلك العالم.

الابن يعمل في حفظ العالم فلماذا تعتبرون الشفاء خطأ يوم السبت. ولاحظ أن الابن لا يعمل بالانفصال عن أبيه فهما واحد، بل هو عامل مع أبيه.

حينما يشفي المسيح فهو يشفي الإنسان كله (يو23:7) والمعنى أن المسيح شفاه نفسًا وجسدًا وروحًا. وطالما شفي روحه بأن غفر خطاياه، استراح هذا الإنسان في الله، والله استراح فيه، فتحقق مفهوم السبت، فما الخطأ في ذلك؟

إذا تصادف اليوم الثامن لطفل أن كان يوم سبت، كان يختنون الطفل، فالختان في نظرهم عمل مقدس (يو22:7-23) وذلك لأن الختان يجعل الطفل من شعب الله أي ابنًا لله. فالختان هو قطع كل رباط للشر ومريض بيت حسدا كان مختونًا ولكنه أخطأ، والمسيح شفاه وغفر خطاياه، فأعاده للعهد مع الله، أعاده كابن لله. فما الخطأ الذي صنعه المسيح إذ أراح الله بأن غفر خطية المريض وشفى له روحه وأراح الإنسان إذ شفى إنسان يوم السبت.

المسيح في كل عمل يعمله يحقق إرادة الآب (آية19)، فهو لا يقدر أن يعمل شيئًا إلاّ ويكون الآب موافقًا عليه (وهذا لتطابق إرادتهما ومشيئتهما).

ببساطة المسيح يشفي في السبت ليشفي اليهود من المفهوم الحرفي وينقلهم إلى العبادة بالروح والحق. هم فهموا السبت راحة ونوم للجسد. بينما أن أشعياء يشير لأن السبت تلذذ بالرب (13:58-14). إذًا هو فرح بالرب.

ولاحظ أن هذا المريض يعبر عن حال البشر المنحط الذي وصلوا إليه قبل المسيح:-

محطم جسدياً: بسبب مرضه الذي طال (38سنة) مدة توهان الشعب في البرية وهي ترمز لمدة غربتنا في العالم.

محطم نفسياً: فهو شاعر بأن لا أحد يهتم به ليلقيه في البركة، ولا الملائكة التي تحرك الماء تهتم به. هو فاقد الثقة في السماء والأرض.

محطم روحياً: بسبب خطيته. والخطية فيها إنفصال عن الله.

والمسيح شفاه من هذا كله (23:7). هو أتى لشفاء البشرية المعذبة.

في هذا تطبيق لما قاله إشعياء "فرأى أنه ليس إنسان وتَحيَّر من أنه ليس شفيع. فخلصت ذراعه (المسيح المتجسد) لنفسه" (أش16:59).

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

آية (1): "وبعد هذا كان عيد لليهود فصعد يسوع إلى أورشليم."

كان عيد= هناك رأيان أولهما أن هذا العيد هو الفصح الرابع للمسيح أثناء مدة خدمته وثانيهما أنه عيد الخمسين وأصحاب هذا الرأي يقولون أنه لو كان الفصح لقال العيد وليس عيد غير معرفة فالفصح أشهر الأعياد. والمسيح يتخذ فرصة تجمع مئات الألوف في أورشليم ليقدم نفسه للجموع. فصعد يسوع إلى أورشليم= كما ذهب الرب إلى السامرة ليقابل السامرية صعد إلى أورشليم ليشفي المريض المقعد، فهو الذي يأخذ المبادرة ليشفي أمراضنا ويلاقينا، فقط نحن نحتاج أن نكتشفه، وهو سيشفى ضعفنا الروحي. ولكن قوله عيد اليهود بدون تحديد وعمل المعجزة في سبت وهو رمز لليهود أن المسيح جاء ليشفي كل من كان تحت الناموس. وقوله أبي يعمل وأنا أعمل فلأن المسيح يخلقنا الآن خلقة جديدة ويكون العيد والسبت هما رمز للراحة الحقيقية والشفاء الحقيقي الذي جاء المسيح ليعمله. وهناك معنى آخر هام لقوله عيد لليهود، أن أعياد اليهود في نظر يوحنا ما عادت أعيادا للرب، فالرب إنفصل عنهم بعد أن صلبوا المسيح وما عادوا هم شعبا لله. وأضف لذلك أن الفصح كان رمزًا للصليب، ومتى جاء المرموز إليه بطل الرمز.

 

آية (2): "وفي أورشليم عند باب الضأن بركة يقال لها بالعبرانية بيت حسدا لها خمسة أروقة."

باب الضأن= هو باب في سور أورشليم بجانبه الحظيرة التي يأتون منها بالخراف لتقديمها ذبائح. وحينما فشلت ذبائح الناموس في شفائنا أتى المسيح ليشفينا. بركة بيت حسدا= أي بركة بيت الرحمة. واسمها هذا راجع للأشفية التي كانت تجري فيها. ولقد طالما هاجم نقاد الكتاب المقدس هذا النص إذ لم يستدلوا على بركة بهذا الاسم إلى أن تم اكتشاف البركة فعلًا ووجدوا لها 5 أروقة ووجدوا أنها إنطمست أثناء غزو الرومان. والأروقة هي دهاليز مسقوفة تستعمل كأماكن انتظار للمرضى. والبركة طولها 100متر. وعرضها يتراوح بين 50-70متر. وحولها أعمدة قسمت المساحة لخمس صالات للانتظار. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكان اليهود يستخدمون هذه البركة للتطهير الناموسي ويتركون ملابسهم في الأروقة ليغتسلوا فيها. إلى أن حدثت ظاهرة تحريك الماء فتحولت البركة إلى مكان إستشفاء. وكان المرضى يضطجعون في هذه الأروقة. وكانت هذه الظاهرة علامة على قرب مجيء المسيح الشافي الذي كان اليهود ينتظرونه.

معاني الأرقام: 5 أروقة + المقعد له 38سنة. ورقم 5 يشير للنعمة وللمسئولية ورقم 38 يشير لسنوات تيه الشعب في البرية (تث14:2). والمعنى أن العالم قبل المسيح كان في تيه بلا أمل في الشفاء إلى أن أدركته نعمة المسيح.

 

آية (3): "في هذه كان مضطجعًا جمهور كثير من مرضى وعمي وعرج وعسم يتوقعون تحريك الماء."

St-Takla.org Image: Another river at the bottom of the valley, watercourse, stream, waterway, gully, canal, at Gonder, Ethiopia, from St-Takla.org's Habasha visit, 2008 صورة في موقع الأنبا تكلا: نهر آخر أسفل الوادي، مجرى مياه في جوندر، الحبشة، من رحلة موقع أنبا تكلاهيمانوت لإثيوبيا عام 2008

St-Takla.org Image: Another river at the bottom of the valley, watercourse, stream, waterway, gully, canal, at Gonder, Ethiopia, from St-Takla.org's Habasha visit, 2008 - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, April-June 2008

صورة في موقع الأنبا تكلا: نهر آخر أسفل الوادي، مجرى مياه في جوندر، الحبشة، من رحلة موقع أنبا تكلاهيمانوت لإثيوبيا عام 2008 - تصوير مايكل غالي لـ: موقع الأنبا تكلا، إبريل - يونيو 2008

عُسم= مرضى بأنواع من الشلل. تتيبس فيه المفاصل. عمي وعرج= إذاً هي أمراض عسيرة وقوله عُسم وعمي وعرج فهذا إشارة لحال الناس قبل مجيء المسيح. تحريك الماء= الماء المتحرك هو ماء حي إشارة للماء الحي الذي يعطيه المسيح كما قال للسامرية، وللماء الذي يَلِدْ كما قال لنيقوديموس والماء الذي يتحول إلى خمر كما حدث في عرس قانا الجليل. وهو إشارة للروح القدس الذي يرسله المسيح. والماء المتجدد هو ماء جاري يزيل الأوساخ من مجري النهر، أما الماء الراكد فتتراكم فيه القاذورات. وحين نشير للروح القدس بماء جاري متحرك فهذا لأن عمله إزالة الخطايا من قلوبنا، لذلك نصلي "روحك القدوس جدده في أحشائنا" وراء داود الذي قال "قلباً نقياً إخلق فيَّ يا الله وروحاً مستقيماً جدده في أحشائي" ومن له القلب النقي فهو الخليقة الجديدة (2كو17:5).

 

آية (4): "إن ملاكًا كان ينزل أحيانًا في البركة ويحرك الماء فمن نزل أولًا بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه."

يقول يوحنا ذهبي الفم أن هذا سبق تصوير للمعمودية. وتحريك الماء إشارة إلى ما سيعمله الروح القدس. وهنا نرى تدخل سماوي إعجازي في العهد القديم لشفاء أمراض ميئوس من شفائها بنوع من الرحمة الإلهية (هذا معنى بيت حسدا). وفكرة الماء الذي فيه قوة للشفاء والحياة موجودة في العهد القديم (نعمان السرياني+ الذين شربوا من المياه النابعة من الصخرة لم يمرضوا 1كو4:10+ تث4:8) والمسيح شفى الأعمى بأن صنع له مقلة من طين ثم أمره أن يغتسل في بركة سلوام إشارة لما يعمله الروح القدس. فالملاك الذي يحرك الماء هو إشارة للمسيح السماوي الذي أتى ليرسل الروح القدس.

 

الآيات (5-6): "وكان هناك إنسان به مرض منذ ثمان وثلاثين سنة. هذا رآه يسوع مضطجعًا وعلم أن له زمانًا كثيرًا فقال له أتريد أن تبرأ."

يوحنا ينتقي المعجزات التي تثبت لاهوت المسيح(أش4:35-6، 18:29-19+ أر7:31-8+ مز7:146-8) فهذا ليس شللًا عاديًا بل هو مشلول منذ 38سنة.. كما شفى الأعمى منذ ولادته وأقام لعازر بعد أربعة أيام. ولنثق أنه مهما طالت مدتنا تحت الخطية فالمسيح قادر أن يشفينا ويجددنا. هذا الفصل يقرأ قبل أحد التناصير للموعوظين الذين سيعمدوا في أحد التناصير. فالمفلوج يمثل الحياة القديمة وبالمعمودية يصير الإنسان جديدًا ويولد من جديد من الماء، له قوة على الحركة في اتجاه السماء والشفاء من الشلل الروحي.

أتريد أن تبرأ= هناك من لا يريد أن يبرأ فمرضه صار مصدر رزق يتكسب منه. والمسيح يحترم الإرادة الإنسانية وهو لا يقتحم الإنسان، فنحن مخلوقين على صورته في حرية الإرادة. والمسيح يريد أن يظهر أن مناط أمر الإنسان هو بيد الإنسان، والأهم هو شفاء الإنسان من الخطية. ويكون سؤال المسيح معناه هل عندك إرادة أن تترك خطيتك، فنحن فهمنا من أن المسيح قال لهُ لا تعود تخطئ أيضاً (آية14) أن سبب مرضه هو الخطية. والخطية لها نتائج وخيمة على الإنسان ولذلك فبعد توهان 38 سنة دخل الشعب لأرض كنعان، وكانوا حينما يخطئون يُسَلَّمون لأيدي الأمم فيذلونهم. والخطية في حياة هذا المقعد هي التي حطمته بعد أن إستعبدته، ولكن المسيح رأي فيه بقايا من إرادة فأتى إليه ليشجع الرجاء الذي فيه، وهذا يعطي رجاء لكل خاطئ فلا ييأس. ولكن لنلاحظ أن الخطية مع الاستمرار فيها فترات طويلة تطمس الإرادة في الإنسان فلا يعود يشعر بأنه يفعل خطأ ولا يريد التغيير. وهذه الحالة غير التي وصفها بولس الرسول حين قال "حينما أريد أن أفعل الحسنى أن الشر حاضر عندي" (رو21:7). هنا هو يجد قوة تقاومه لكن إرادته تنتصر. والمسيح بسؤاله كان يشفيه ويخلق له إرادة، والإرادة يصحبها همة للتغيير والعمل. ولذلك قال المسيح لليهود "كم مرة أردت.. ولم تريدوا" (مت37:23) والمسيح لم يسأل المقعد هل تؤمن فهو لم يسمع به من قبل (12:5-13) وهذا كان حال كل البشر، لكن المسيح أتى ليقدم له وللعالم كله الشفاء المجاني. ولاحظ المسيح:- أتى لأورشليم= أتى إلى العالم. أتى للبركة وكل من فيها مرضي = الخليقة كلها مريضة، فاقدة لبهائها والرب أتى ليشفيها. أتريد = الشفاء لمن يريد. البركة = ماء للشفاء هو الولادة من الماء والروح.

 

آية (7): "أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء بل بينما أنا آت ينزل قدامي آخر."

ليس لي إنسان= المسيح يسأله عن الإرادة فأجاب بأن ليس له إنسان. هو أسقط الموضوع على الآخرين. كأنه يقول المشكلة ليست فيَّ بل في الآخرين فالخاطئ دائمًا يبرر نفسه. لكن عمومًا علينا أن نستفيد من هذا بأن نقدم خدمات لكل محتاج حتى لا يشتكي علينا أحد. كم مرة ألقينا همنا على الناس وفشلنا، لكن إذا ألقينا همنا على الله فلن نفشل (1بط7:5). ويبدو من قول المفلوج أنه كان معروفًا بفظاظته وقسوته حتى في مرضه، حتى لم يبق له إنسان يلقيه في البركة، فقد إنفض عنه كل الناس وكرهوه وهذا عكس الإنسان المفلوج الذي دلاّه أصدقاءه من السقف (مر1:2-11). ولكن المقعد عوضًا عن أن يلقي باللوم على نفسه يلقي باللوم على الآخرين= بينما أنا آتٍ ينزل قدّامي آخر هذه مثل الآخرون يأخذون فرصتي.

 

الآيات (8-9): "قال له يسوع قم احمل سريرك وامش. فحالًا برئ الإنسان وحمل سريره ومشى وكان في ذلك اليوم سبت."

هذا حال كل من يصدق المسيح، فكلمة منه تحيي العاجز وتنتهر الخطية فتلاشيها (يو63:6+ 25:5) فالمقعد نموذج لموتى الخطية ولكن لو لم ينفذ هذا المفلوج أمر المسيح ما كان قد شُفِىَ. وكان لو أعمل عقله لقال كيف أقوم. لكن هو نفذ. والمسيح الفادي قدَّم شفاؤه للمقعد دون أن يطلب منه شيئًا. وهكذا فدانا دون ثمن؟ والله يعطي القوة وله سلطان عجيب قم/ إحمل/ إمش. بل إن نقطة الضعف تصبح مصدر قوة ونهضة بعد أن كانت يأسًا. أوامر المسيح هي وعود في صورة أوامر وهكذا كل وصايا المسيح (1تس24:5). فكل وصية تحمل في داخلها قوة على التنفيذ. فحالًا= عجيب أن يقوم دون أن يسنده أحد وبدون علاج طبيعي بعد كل هذه المدة من الشلل. والمسيح أعطى المقعد حياة جديدة:

قم= ترمز إلى جدة الحياة (أي الحياة الجديدة) التي أعطاها له.

إحمل= ترمز إلى قوة الحياة التي أعطاها له.

إمش= ترمز إلى السلوك في هذه الحياة الجديدة.

سريرك= في اصلها اللغوي هي فرشة الفقير وهي من الحصير. وسريره يمثل ذكرياته المؤلمة عن المرض. وحمل السرير إشارة لطرد الذكريات والخبرات المؤلمة فما عادت تعيق حركته ونموه. هو إشارة لوضع ذكرياتنا المؤلمة وراء ظهورنا لنتقدم.

 

الآيات (10-11): "فقال اليهود للذي شفي أنه سبت لا يحل لك أن تحمل سريرك. أجابهم إن الذي أبرأني هو قال لي احمل سريرك وامش."

المسيح هو رب السبت (مر28:2+ لو5:6) وهو جاء ليعطي سبتًا أي راحة من نوع جديد عوض الراحة الجسدية القديمة (عب10:4) وإجابة المقعد تدل على تقدير لشخص المسيح أكثر من تقديره للسبت، أيسمع للناموس الذي لم يشفه أم يسمع للمسيح الذي شفاه. ومشكلة اليهود مع المسيح هي [1] الشفاء في السبت [2] أنه قال للمفلوج أن يحمل سريره. وكان اليهود قد غالوا في موضوع السبت حتى أنهم قالوا إن من حمل إبرة في ثيابه فقد كسر السبت. والسيد المسيح شرح لهم أن الأعمال الصالحة جائزة يوم السبت مثل الختان ورفع خروف من حفرة ليفهموا أن لا يتقيدوا بالحرف (لا3:12+ يو22:7-24+ مت2:12-8+11-12+ يو16:9). ولكن كراهية اليهود للمسيح كانت ليس بسبب كسره السبت، بل لحسدهم لهُ لشهرته بسبب معجزاته.

فقال اليهود= اليهود هم الرؤساء الدينيون. ولكن واضح أن القديس يوحنا ما عاد يعترف بهم كشعب لله كما قال من قبل "كان عيد لليهود" الآية الأولى في الإصحاح.

 

آية (12): "فسألوه من هو الإنسان الذي قال لك احمل سريرك وامش."

هذا السؤال هو سخرية من المسيح، فهم يضعونه على أنه إنسان في مقابل الناموس. والله واضع الناموس، أي هل تطيع مجرد إنسان قال لك ولا تطيع الله وناموسه. ومن عمى اليهود أنهم لم يروا قوة المعجزة التي حدثت بل طلبوا رجم المسيح. وللآن وسط كل مراحم الله لا نرى سوى آلام تجربة سمح بها ولفائدتنا. والمسيح حاول جاهدًا أن يشرح لهم أن فعل الخير يحل في السبت (الختان/ حمل خروف) وما دام يحل فعل الخير في السبت فيحل شفاء إنسان في السبت (مر4:3+ لو3:14-6).

 

آية (13): "أما الذي شفي فلم يكن يعلم من هو لأن يسوع اعتزل إذ كان في الموضع جمع."

لم يكن من طبع المسيح أن يلفت الأنظار إليه بل يأتي للمحتاج سرًا. لم يكن يعلم من هو= هذه مشكلة المفلوج ومشكلتنا أننا نهتم بالعطية ولا نهتم بشخص العاطي أي بالمسيح لنتعرف عليه. بينما أن هدف العطايا أن نتعرف عليه.

 

آية (14): "بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر."

المسيح الذي حمل خطايانا على الصليب هو حمل خطايا هذا المقعد وغفرها له ليشفيه. حمل خطاياه في جسده الذي سيعلق على الصليب، والمسيح يعطي المقعد نصيحة أن لا يخطئ ثانية حتى لا يعود لنفس الحال. والمسيح أتى للمقعد حتى لا يظل جاهلًا من هو المسيح ليعطيه إمكانية الإيمان به. ولاحظ أن المقعد ذهب للهيكل غالبًا ليقدم الشكر لله. ونلاحظ أنه كلما نعود لخطية تركناها يكون لنا أشر، فالضربات تتصاعد حتى نتوب. فهذا جزاء الاستهتار بغني لطف الله وإمهاله. وقوله أشر يشير لأن يحدث مرض أصعب له أو للدينونة على الخطية.

 

الآيات (15-16): "فمضى الإنسان واخبر اليهود أن يسوع هو الذي أبرأه. ولهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا في سبت."

المقعد ذهب ليبشر بالمسيح الذي صنع المعجزة أو ليبرر تهمة حمل السرير ويلقيها على المسيح. ومن هنا حدث التصادم بين المسيح واليهود. والمسيح رد عليهم في الآيات (17-21-23-24..إلخ). طلبوا أن يقتلوه= من أول هنا ستتكرر محاولات اليهود لقتل يسوع. لكنهم لن يقدروا حتى تأتي ساعته. وهذا يثبت أنه سلم نفسه بإرادته. هو كان قادرًا أن لا يصلب. لكن هو أتى لهذا بإرادته.

وصل جنون اليهود في موضوع السبت أنهم قالوا أن الله نفسه ملتزم بالوصية فلا يعمل يوم السبت خارج حدود مسكنه الذي هو السماء والأرض، ولا يسير مسافة أطول من قامته لذلك فعمل الله هو في الحدود المسموحة. وابتداء من (آية17) نجد رد المسيح على أعضاء أو رسل أرسلهم السنهدريم للتحقق منهُ.

 

آية (17): "فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن وأنا اعمل."

ابتداء من هذه الآية يبدأ المسيح في الرد على اتهامات الفريسيين لأنهم اتهموه بكسر الناموس إذ عمل المعجزة يوم سبت. فأخذ يوضح لهم نوعية العمل ويوضح لهم شخصه وعلاقته بالآب. ولأن الله يستريح في خلاص الإنسان فلا يمكن أن يكف عن العمل، فهو يعمل على حفظ الخليقة ولعلاج الأخطاء الموجودة حتى لا يهلك الإنسان. الله خلق الخليقة بكلمته (اللوغوس) وهو أي اللوغوس مازال يحفظها ويدبرها، فهو حامل كل الأشياء بكلمة قدرته (عب3:1). وراحة الله ليست في التوقف عن العمل، فلو توقف الله عن عمله لتوقفت الحياة. ويتضح من كلام المسيح هنا أنه يضع نفسه مع الآب في موضوع الخلقة ومسئوليته عنها من جهة قيامها ودوامها وحفظها فهو ضابط الكون. وهذه الآية تشير أن المسيح يتساوي مع الله وفي وحدة كاملة معه فإذا كان له هذا السلطان فله سلطان على السبت وله أن يقول ماذا ينبغي أن يُعمل فيه أو لا يُعمل فيه. أبي يعمل وأنا أعمل= هذه مساواة في المقام فهو لم يقل أنا أعمل من تحت الآب. والمسيح في (مر27:2-28) شرح لهم أن السبت جُعِلَ لأجل الإنسان وليس العكس وكون المسيح يشفي يوم السبت فبهذا هو يكمل عمل الخلق، المسيح أراد أن يظهر بمعجزات الشفاء التي يصنعها في يوم السبت أنه يكمل نقص خليقته، نقصها الذي حدث بسبب الخطية، يكمله بفدائه الذي أتى لأجله، لذلك فعمل الفداء هو من صميم عمل الخالق. المسيح بهذا يشير أنه مسئول عن الخليقة كما أن الآب مسئول عنها. ويكون سبت المسيح الحقيقي هو بعد أن يكمل عمل الفداء وخلاص الإنسان. فراحة الله وراحتنا هي في خلاص نفوسنا. وصار سبتنا الحقيقي هو حياتنا الأبدية. وقارن هذه الآية مع (عب10:4-11) نجد أن العمل والراحة لدى الآب والابن متوازيان. حتى الآن= أي بدون توقف ومنذ الأزل. هذه تشير لوجوده مع الآب قبل التجسد. وإن كان الله يعمل فشرف للإنسان أن يعمل (تك15:2+ 2تس7:3-10+ 1تس10:4+ أف28:4).

 

آية (18): "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلًا نفسه بالله."

فهم اليهود من رد المسيح المختصر أنه ألغى وصية السبت علنًا وإصرارًا، بل ألغى بالتالي سلطة الناموس. وأنه يفعل هذا اعتمادًا على علاقته بالآب، وأنه ساوى نفسه بالله الآب (يو30:10) وأنه ابنه وله علاقة بنوة متميزة لله (كلمة أبوه أتت في اليونانية بمعنى أنه لا يوجد بشر يشاركه في هذه الأبوة بمعنى أنه (أبي أنا). لذلك فهم رأوا في كلامه هذا تجديف. والمسيح لم يتراجع فيما قاله ولم يناقض ما فهموه، بل أخذ يشرح فيما يلي علاقة الآب بالابن وامتياز الابن بكونه مساويًا لله الآب ولذلك فمن يكرم الآب عليه أن يكرم الابن أيضًا. يطلبون أكثر أن يقتلوه= فهو [1] كاسر للسبت [2] جعل المفلوج يحمل سريره في السبت [3] ساوى نفسه بالآب.

 

St-Takla.org Image: The right, word in Arabic صورة في موقع الأنبا تكلا: كلمة الحق

St-Takla.org Image: The right, word in Arabic - Designed by St-Takla.org

صورة في موقع الأنبا تكلا: كلمة الحق -  تصميم موقع الأنبا تكلا

آية (19): "فأجاب يسوع وقال لهم الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلاّ ما ينظر الآب يعمل لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك."

حينما تذمروا على قوله أن الآب أبيه بدأ يشرح بالأكثر علاقته بالآب وأن الآب أرسله ليعطي حياة للبشر ولاحظ أن المسيح لم يقل لهم أنتم فهمتم خطأ، فأنا لست مساويًا لله، بل تدرج بهم ليثبت لهم أنه الله. لا يقدر= لا يفهم منها العجز بل كما نقول أن الله لا يقدر أن يكذب، أو لا يقدر أن ينكر نفسه (2تي13:2). فمن مستلزمات طبيعة الله الابن المطابقة التامة لطبيعة الله الآب وإرادته، ولا يقدر أن يفعل ما يخالف الآب فهذا يصبح ضد طبيعته. فالابن يستطيع كل شيء إلاّ شيئًا واحدًا وهو أن تكون له إرادة مخالفة للآب. بل مهما عمل الابن فهو متمشي مع عمل الآب. والآب والابن يعملان معًا في وحدة. هما متفقان تمامًا بلا خلاف فهم في وحدة. فالآب هو الله غير المنظور والابن هو الله المنظور، ويعمل الأعمال المنظورة. والابن لا يعمل شيئًا ما لم يكن الآب يريده فإرادتهما واحدة. كما يكون في قلبي مشاعر تترجمها يدي إلى خطاب مكتوب. فالقلب واليد يعملان معًا. المسيح هنا يشرح علاقته بالآب إذ حنقوا عليه عندما قال "أبي" في (آية17) عسى أن تنفتح قلوبهم. والمسيح يتدرج مع الفريسيين في موضوع علاقته بالآب حتى يعلن نفسه بوضوح (آية24-30). ولنلاحظ أن وحدة العمل تتمشى مع وحدة الإرادة، وهذا يشير لجوهر الوحدة المطلق. وبالتالي فالمسيح لن يكسر السبت ما لم يكن الآب موافقًا على عمله= الابن لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئًا إلاّ ما ينظر الآب يعمل= أي أعمال الابن غير منفصلة عن أعمال الآب. هذا القول لا يلغي سلطان الابن بل يعلن وحدة الإرادة التي لا تنفصم. ينظر= يرى فكر الآب فهو فكره وعقله، فهو يرى أي يعرف ما يريده الآب فيعمله. تعني المعرفة المستمرة والرؤية الواضحة للآب فهما واحد. وجاءت في المضارع. فالمسيح يتكلم هنا وهو في الجسد. أمّا حينما يقول وأنا ما سمعته منه (38:8) أو أتكلم بما رأيت (26:8) فهذه تشير لأن ما يعمله المسيح هو قرار وتخطيط أزلي. وقوله رآه وسمعه إشارة لإتحادهما الفريد فلا أحد يعرف الآب أو يراه أو يسمعه سوى الابن الذي هو في حضن الآب (يو18:1) وهو واحد معه (يو30:10). وقارن مع (36:5،42:8) لتعرف أن المسيح له وجود سابق على تجسده. والمسيح يقول هذا لنصدق بلا ريبة كل ما يقوله والإيمان بلا فحص، فالآب والابن واحد وكل ما يعمل الآب يراه الابن وحده أي يعرفه معرفة التطابق، وباعتباره الله المتجسد يعمل بمقتضاه لأن إرادتهما واحدة، بل الابن يستعلن إرادة الآب. مهما عمل ذاك (الآب) يعمله الابن كذلك= هنا تظهر قوة الابن المطلقة واللانهائية. هو يعمل مع الآب في شركة عمل بلا انفصال. يعمل معه في انسجام واتفاق. يمكن القول أن أقنوم الآب يريد وأقنوميّ الابن والروح القدس ينفذان . كما نقول أنا أريد ويدي تنفذ ولكن أنا ويدي واحد. وبنفس المنطق يقول المسيح "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية" (يو16 : 13) .

وعموما فحين يتكلم المسيح عن أعمال يقول ما أراه، وحين يتكلم عن أقوال يقول ما أسمع أو ما يسمعه الروح القدس. والأعمال عند الآب هي إرادة غير منظورة، أعمال يريدها الآب، والابن يعملها فتصبح منظورة ونراها.

وبنفس الأسلوب فلكي يقول السيد المسيح لليهود أنهم في توافق مع فكر الشيطان ويعملون ما يريده الشيطان قال لهم "أنتم تعملون ما رأيتم عند أبيكم" (يو38:8). وكان المسيح يقصد أن أبيهم هو إبليس القتال (يو44:8) لأنهم يريدون أن يقتلوا المسيح (يو40:8) إذاً عبارة "تعملون ما رأيتم" أو "أعمل ما رأيت" تشير للتطابق التام في الفكر والعمل. وبنفس المفهوم "أعمل ما أسمع أو أقول ما أسمع".

 

آية (20): "إن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله وسيريه أعمالًا أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم."

مطابقة أعمال الابن لأعمال الآب راجعة للصلة المكينة بين الآب والابن والمبنية على المحبة. فالله محبة والوحدة بين الآب والابن تم التعبير عنها بأن الآب يحب الابن. فالله محبة، هذه هي طبيعته، ينبع محبة تنسكب في الابن فيصبح الآب في الابن والابن في الآب. والأعمال التي يعملها المسيح هي إعلان دائم عن محبة الآب للإبن والتي صارت لنا، والابن يعلن محبته في خضوعه التام لإرادة الآب (يو34:4) فالآب والابن واحد، الآب في الابن والابن في الآب، لذلك فإرادتهما واحدة وفكرهما واحد ولكن الآب أقنوم الإرادة والابن أقنوم التنفيذ، وليشرح المسيح هذا عبَّر بقوله "ما أراه عند الآب" أعمله، وهل يوجد من يرى ما عند الآب وما في عقل الآب إلا الابن الذي هو في الآب. والابن المتجسد يقول إن الآب يُريه وسيُريه من واقع الزمن البشري الذي تعمل فيه الاعمال. فمعجزة تفتيح عيني الأعمى التي حدثت بعد ذلك هي أعجب ثم إقامة لعازر أعجب وأعجب. والمسيح يسمى هذه المعجزات أعمال. فهي بالنسبة لنا خوارق ومعجزات أما بالنسبة له فهي مجرد أعمال. لتتعجبوا= فهو يعلم أنهم لن يؤمنوا وسيكتفوا بالتعجب، أمّا المؤمن فهو يؤمن حتى دون أن يرى. فالتعجب إن لم يتحول إلى إعجاب والإعجاب إلى إيمان يتبخر التعجب. والفعلان يحب ويريه جاءا بصيغة الحاضر المستمر فهما عملان مستمران لا ينقطعان. والآب يحب الابن= أي إرتباط ووحدة في المحبة فطبيعة الله المحبة. هذه تعبير عن الوحدة بلغة المحبة التي هي طبيعة الله.

من هنا نرى أن الوحدة بين الآب والابن تم التعبير عنها بعدة طرق:

·        الآب يحب الابن (هذه الآية).

·        لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ولا الابن إلاّ الآب (لو22:10).

·        أنا في الآب والآب فيَّ (يو10:14).

·        أنا والآب واحد (يو30:10).

·        من رآني فقد رأى الآب (يو9:14).

راجع تفسير يوحنا 9:15

 

آية (21): "لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي كذلك الابن أيضًا يحيي من يشاء."

المسيح أراهم سلطانه في شفاء المقعد، وهنا يشرح أن سلطانه يصل لأن يحيي. إذًا الأعمال الأعظم التي تكلم عنها سابقًا هي الإقامة من الأموات.

 

آية (22): "لأن الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن."

لأن = إذاً ما سيأتى مترتب على ما سبق، فالإبن له سلطان أن يحيى من يشاء لأنه هو الذي يدين ومن يدين، له أن يهب الحياة لمن يستحق، أو أن يمنعها عن غير المستحق.

والمسيح هو الديان لأن الآب لا يدين أحد فقد ترك الدينونة للإبن الذي تجسد وشعر بضعف البشر وهو أتى ليعطينا حياة، (مت31:25-46+ أع41:10-42+ رو10:14+ 2كو10:5+ 2تي1:4) فالذي يعطي الحياة يكون له أيضاً سلطان أن يحكم عليها، ومن يقيم الموتى له أن يحاسبهم، ومن يحيي قادر أن يميت أيضاً. وكما خلق الآب العالم بالابن فهو يدين العالم أيضا بالإبن. كل الدينونة= يدين كل مخلوق، فهو خالق الجميع، ولأنه نور فمن يرفضه يُدان. وهو له أن يدين على الأرض وفي السماء. والدينونة هي من الأعمال الأعظم.

هذه تشبه أنه في أيام نوح، من رفض دخول الفلك لم يبق أمامه سوى الهلاك. والفلك يرمز لجسد المسيح الذي هو الكنيسة.

 

آية (23): "لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله."

الذي أرسله= ليؤكد لهم صلته بالله الآب. وأرسلهُ هذه كما ترسل الشمس أشعتها بدون انفصال عنها. وهنا المسيح يعلن مساواته للآب في لاهوته بغير مواربة. وهذا راجع للوحدة بينهما. لكي= أي لأن الابن يحيي ويدين تحتم أن يكرم الناس بل كل الخليقة، الابن، كما يكرمون الآب. الإيمان بأحد الأقنومين يستلزم الإيمان بالآخر فهما واحد وكذلك إكرام أحدهما. في الآيات (21-22-23) يعلن المسيح لاهوته علانية.

المسيح هنا يريد من الكل أن يعرفه، لأن من عرفه سيعرف الآب، فهو صورة الآب، وهو واحد مع الآب. وبالتالي من يكرم المسيح يكرم الآب أي عرف الآب، ومن يرفض المسيح فهو يرفض الآب. ومن يدعى أنه يعبد الآب ولا يكرم المسيح فهو يعبد صورة للآب رسمها هو لنفسه. فمن رآني فقد رأي الآب (يو9:14) المسيح هنا لا يطلب أو يسعى لأن يكرمه الناس، بل هو يطلب خلاص الناس.

 

آية (24): "الحق الحق أقول لكم إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة."

الحياة الأبدية= هي حياة الله ذاته يعطيها الله للإنسان، ونأخذها من الآن بإيماننا بالمسيح. فهي ليست حياة بشرية. هذا هو الخلود الحقيقي. ابتداء من هذه الآية يتكلم المسيح بصيغة المتكلم بعد أن كان يتكلم بصيغة الغائب وكأن المعنى أن ما قلته لكم من قبل عن العلاقة بين الآب وإبنه ينطبق علىَّ فأنا الابن الوحيد. الحق الحق أقول لكم= هذه تشبه القسم في العهد القديم، فهو إعلان رسمي إلهي. وهنا نرى الوحدة بين الآب والإبن، فشرط الحياة أن نسمع كلام الابن ونؤمن بالآب، فالخلاص هو بالآب والابن.

يسمع كلامي= أي يدخل لأعماقه ويحرك قلبه ويصدق وينفذ ويستمد قوة من الوصية على تنفيذها. ويسمع كلامي= كلامي جاءت هنا لوغوس ويكون المعنى أن يقبلني أنا الكلمة المتجسد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يؤمن بالذي أرسلني= الإيمان بأحد الأقنومين يستلزم الإيمان بالآخر فهما واحد وكذلك إكرام أحدهما= أي يؤمن بكل ما قلته عن الآب كما إستعلنته أنا، وبالذات أنه أرسل المسيح. فالإيمان بالآب يستلزم الإيمان بالمسيح والإيمان بالمسيح يستلزم الإيمان بالآب. يؤمن بالذي أرسلني= حتى لا يشعروا أنه يفضل نفسه عن الله. عموماً هو والآب واحد وهو لا يريدهم أن يتشككوا فيه. لا يأتي إلى دينونة= أي الهلاك فالمسيح سيحمل الدينونة عن الإنسان الذي يؤمن به (التائب طبعاً).

إنتقل من الموت= الموت هنا هو موت الخطية لأن الذي يؤمن ويسمع تغفر خطاياه. لقد إنتهت خطورة الموت الجسدي، ولكن الموت الأخطر هو موت الخطية وعدم الإيمان، لذلك يقول يوحنا في (1يو2:1+4) أن الحياة أظهرت. والإنتقال من الموت إلى الحياة يعني بداية الحياة الأبدية. وهذه تبدأ بالمعمودية وتستمر بالتوبة "إبني هذا كان ميتاً فعاش". والحياة الأبدية هي حياة المسيح الأبدي (يو11: 25)، ونحصل عليها بالإتحاد معه في المعمودية (رو3:6-5) ونستمر نحياها بحياة التوبة.

يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني= يسمع كلامي لا تعني فقط أن ننفذ وصايا المسيح، بل أن نعرفه ونؤمن به ونتذوق حلاوة عشرته. ومن يفعل يسهل عليه أن يصل لمعرفة الآب الذي أرسله. وهذا يشبه كلام عروس النشيد التي بعد أن فرحت بعريسها (المسيح) طلبت قبلات الآب.. "ليقبلني بقبلات فمه" (هذه عن الآب) "لأن حبك أطيب من الخمر" (هذه عن الابن) (نش2:1).

 

آية (25): "الحق الحق أقول لكم أنه تأتى ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون."

هنا نرى أن التوبة هي شرط للحياة الأبدية. فمن يسمع صوت ابن الله أي يؤمن به ويتوب وهؤلاء يحيون. في هذه الآية يتحدث المسيح عن قيامة النفس من موت الخطية. ولكن هناك قيامة ثانية للجسد يشير لها في آية (28). الآن= هذه الآية تشير للواقع الحاضر. يسمع الأموات= أي موتى الخطية الابن الضال كان ميتًا فعاش+ (أف5:2+ أف14:5) فالميت فقد الإحساس ببشاعة الخطية وصار يشرب الإثم كالماء. هذا فقد تبكيت الروح القدس. وكانت إقامة المقعد رمزًا لإقامة موتى الخطية وأيضًا تشير لمقدرة الرب على قيامة الجسد. والآن= هو وقت التوبة (إش8:49+ 2:61). فالقوة القادرة أن تقيم من الموت مستعدة الآن أن تقيم كل من يريد. ومن يسمع تكون له حياة ومن لا يسمع ويسلك وراء شهواته يكون له دينونة.

 

آية (26): "انه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته."

الطبيعة الإلهية للآب هي نفسها الطبيعة الإلهية للإبن. والحياة هي من صميم خواص الطبيعة الإلهية. فالله حي بذاته أي الحياة ليست ممنوحة له. لذلك نصلي "قدوس الحي الذي لا يموت".

أعطى الابن أيضاً= أغسطينوس يقول أن أعطى تساوي وَلَدَ، وفي الترجمة الإنجليزية الـKJV جاءت كلمة أعطى given. وجاء في قاموس Strongs الأمريكى لأصول كلمات الكتاب المقدس في لغاتها الأصلية، أن الكلمة تأتى بمعنى to bring forth أي يلد. فتكون الآية بمعنى أن الابن مولود من الآب وله حياة في ذاته، وهذه هي طبيعته، فالإبن مولود وله حياة في ذاته من آب له حياة في ذاته. ليس أنه أعطاه شيئاً من خارجه فهو لأنه مولود منه بالطبيعة، فله نفس ما للآب كولادة النور من الشمس. هو لم يعطه حياة في ذاته، بل أعطى الابن أن تكون له الحياة في ذاته. هو لم يقل (الآب أعطى للإبن حياة في ذاته) فهذا يعني أن الابن لم يكن له حياة في ذاته، والآب أعطى له حياة. ولكن قال (أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته) فالإبن فيه الحياة التي في الآب. الحياة الذاتية التي لا تموت. ولأن له الحياة في ذاته يستطيع أن يحيي من يسمع صوته. والآية تشير للتساوي التام والتطابق التام بين الآب والابن خصوصاً أن لفظ أيضاً يشير لهذا، فكل ما هو للآب هو للإبن (يو10:17). ويقصد بالآية أن هناك تقسيم للعمل داخل الثالوث القدوس. وهو يذكر هذه الآية هنا بعد آية (25) لكي يشير أن للإبن سلطان أن يعطي حياة لمن يسمع صوته ويتوب ويؤمن. ويقولها قبل آية (29): فللإبن سلطان أن يعطي حياة للأموات. وقد رأينا توزيع الأعمال أيضاً في آية (22) فالدينونة هي للإبن. فالآب له حياة في ذاته والابن له حياة في ذاته. ولكن كلمة أعطى تفيد التمايز بين الآب والابن. وكما أن الآب لا يستمد وجوده من آخر كذلك الابن لا يستمد وجوده من آخر. والابن بإتحاده بالآب هو أيضاً واهب حياة بسلطانه المطلق الناتج عن هذا الإتحاد. ولكن بحكم أن المسيح كان تجسده في فكر الله منذ الأزل فإن الآب أعطى أن تكون للإبن الحياة في ذاته ليعطيها بكونه فادياً، وبكونه إلهاً ذا جوهر واحد مع الآب فهو له الحياة في ذاته، هو نبعها ومعطيها. ويمكن بتشبيه بسيط أن نقول أن الآب أعطى الابن كذا= أنني مثلاً خصصت ذراعي اليمنى لكذا.. والابن مشبه فعلاً بذراع الله (إش9:51). بإختصار فالمعنى أن الآب له حياة في ذاته، ومولود منه ابن له نفس طبيعته، أي له حياة في ذاته. ولأن الآب يريد أن يعطي حياة للبشر يكون هذا عمل الابن. فالإبن ينفذ إرادة الآب. وإرادة الآب والابن واحدة لأنهما واحد. لكن الآب يريد والابن ينفذ.

ولكن لماذا قالها المسيح هكذا ولم يقل "أنا لي الحياة في ذاتي أهبها لمن أشاء":-

[1] المسيح يستعلن الآب فهو الابن الذي في حضن أبيه الذي يخبرنا عن الآب ومحبته وإرادته أن تكون لنا حياة أبدية، فتجسد الابن المسيح وقدم الفداء ليعطيها لنا فهو فيه الحياة في ذاته، وله السلطان أن يعطيها لمن يشاء (يو18:1) + (يو27:16) فالابن أتى ليعطى حياة لنا، وهذه إرادة الآب، الآب يريد والابن أتى لينفذ.

[2] هو يربط بينه وبين الآب حتى لا يشكوا فيه.

 

آية (27): "وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا لأنه ابن الإنسان."

كما أن الآب يخلق العالم بالابن هكذا هو يدين العالم بالابن. سبق المسيح وأعلن لاهوته وهو هنا يعلن ناسوته وإنه ابن الإنسان وأنه هو يدين كإنسان. فالديان صار من جنسنا وهذا منتهى العدل الإلهي (عب17:2-18+ 15:4-16). وما يميزه كقاضٍ للبشرية أنه شفيع للبشرية أيضًا (عب24:7-25). وبولس جمع بين الصفتين في (رو34:8) ومن يرفض المسيح كشفيع لا يتبقى له سوى المسيح الديان. ابن الإنسان (دا 13:7-14+ 1كو21:15) والمسيح بقوله ابن الإنسان كان ينبه الحاضرين ليتذكروا نبوة دانيال فيعرفوا شخصه.

 

الآيات (28-29): "لا تتعجبوا من هذا فانه تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته.فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة."

المسيح هنا يتكلم عن الموتى بالجسد حين يقومون في نهاية الزمان للدينونة. لا تتعجبوا= من إقامة مخلع فستروا أعظم وأنني ابن الله وأنني ابن الإنسان. ولي هذا السلطان وسترونني ديانًا للكل يومًا ما ومعطي حياة جديدة وأعيد خلقة البشر. فعلوا الصالحات= تشمل الإيمان بالمسيح. وعملوا السيئات= تشمل رفض الإيمان بالمسيح.

هنا المسيح استخدم فعلين مختلفين فعلوا وعملوا. واستخدام فعلوا للصالحات وعملوا للسيئات. فعلوا= تشير لأن الإنسان الصالح فعل ما سمعه من صوت الروح القدس أفعالًا كانت ثمارًا للروح الذي في داخله. عملوا= أعمالًا سيئة ناشئة عن طبيعة سيئة عاصية متمردة. فعلوا هي ثمار الروح القدس وعملوا هي ناتج الجسد الطبيعي. ومن يؤمن بالمسيح تكون أعماله صالحة، فهو صار يعيش للمسيح والمسيح يحيا فيه. ومن لا يؤمن سيدان (يو18:3+ 1يو9:5-12). ومن أعماله غير صالحة سيدان (رو2:2-10+ 2كو10:5). وهناك يوم محدد للدينونة (أع30:17-31). وهذا اليوم هو يوم ظهور المسيح (2تي1:4). وأن المسيح هو الديان (أع40:10-42). والمسيح طالما له سلطان أن يحيي فهو سيعطي الحياة الأبدية لمن ليس عليهم دينونة (يو39:6-40). وهو أعطانا جسده ودمه لتكون لنا حياة (يو54:6). ولاحظ أنه هنا قال جميع. فالبشر كلهم لهم قيام. ولكن يوجد طريقان (الحياة والدينونة) بينما في آية (25) لم يقل جميع، فالبشر أحرار الآن أن يستجيبوا أو يرفضوا.

 

آية (30): "أنا لا اقدر أن افعل من نفسي شيئًا كما اسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا اطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني."

هذه الآية وصلة بين ما سبق الذي تحدث فيه يسوع عن مساواته مع الآب وبين بقية الإصحاح الذي يتكلم فيه عن الشهادة له. المسيح هنا لأول مرة يقول أنا. فظهر بوضوح أنه يقصد نفسه بكل ما سبق كما أسمع أدين= تعنى استحالة الانفصال بين الأقنومين في الرأي أو العمل وتشير للإتفاق التام. هي إشارة لمعرفة تامة لفكر الآب لذلك يقول دينونتي عادلة= فهو لا يطلب شيئًا لنفسه. ما دام هناك تساوي مطلق فهذه تشير أن لهما إرادة واحدة فالآب يريد والابن ينفذ ويعلن لنا أي يستعلن إرادة الآب، فهو وحدهُ الذي يعرف مشيئة الآب. ولا توجد خليقة ما مهما كانت تستطيع أن ترى الله وتسمعه وتعرفه وتعرف إرادته إلاّ الابن الذي هو من طبيعة الآب، لذلك فهذه الآية تشير لطبيعة المسيح الإلهية (يو18:1). لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني= مشيئة الابن أن يعمل مشيئة الذي أرسله (يو34:4) ومشيئة الآب نجدها في (يو39:6-40) وبهذا نرى أن مشيئة الآب والابن في انسجام تام ووحدة، فمشيئة الله أن الجميع يخلصون. هذه الآية تكرار للآية (19) ولكن هنا يوضح أن الابن في آية (19) هو يسوع نفسه، لذلك يقول هنا "أنا" وهو لا يعمل شيئًا بدون شركة مع الآب. فالبنوة فيها اتصال الآب بالابن.

الآيات (19-23) نرى فيها تسلسل لطيف جدًا. ففي آية (19) نرى الابن يعمل ما يعمله الآب. وفي آية (20) يشرح لماذا فيقول لأن الآب يحب الابن. ثم يقول وسيريه أعمالًا أعظم. وفي آية (21) يقول لأن الابن يحيي. إذًا إقامة الأموات هي الأعمال الأعظم. والابن سيحيي من يشاء لأنه له الدينونة آية (22) ولكن ما معنى يريه جميع ما هو يعمله.. وسيريه.. وكما أسمع أدين (آية30).

نرى في آية (19) التساوي المطلق بين الآب والابن= مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك. والسبب في آية (20) هو المحبة. فالله محبة، ينبع محبة. والابن هو المحبوب (أف6:1). والروح القدس هو روح المحبة. هي وحدة أساسها المحبة. وبسبب هذه الوحدة والمحبة، فالإبن يعمل كل ما يعمله الآب، وله كل ما للآب ويريه جميع ما هو يعمله= يريه تعني المعرفة الكاملة بما يريد الآب. فلا يعرف الآب إلا الابن ولا أحد يعرف الابن إلاّ الآب (لو22:10). هي معرفة التطابق الناشئ عن الوحدة. ولكن داخل المشورة الثالوثية لكل أقنوم عمله [ونسمع في سفر إشعياء هذا النص عن المشورة الثالوثية "الآن السيد الرب ارسلني وروحه" (إش48: 16)]. فالآب يريد. والابن ينفذ. فالآب يريد أن الجميع يخلصون، والابن يقدم التجسد والفداء. والروح القدس يجدد الخليقة. الآب يريد أن يعطي حياة للبشر، وهذا ما يعمله الابن. والآب خلق العالم بالإبن، ويفعل كل الأشياء بالإبن، فالإبن به كان كل شيء. بل الابن سيقوم بتجميع البشر في جسده ليقدم الخضوع للآب، ويعطي البشر حياة فهو له حياة في ذاته. بل هو الوحيد الذي بجسده أطاع كل الوصايا. والمسيح له أعمال، هذه قال عنها أن الآب أراه إياها أو يريه إياها. وله أقوال وتعاليم ودينونة قال عنها أنه سمعها من الآب. وبنفس المفهوم يقال هذا عن الروح القدس "كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية" (يو13:16). فهي معرفة التطابق الناشئ عن المعرفة نتيجة الوحدة، الوحدة التي في طبيعة الله بالمحبة. والآب يريد والابن يَعْمَلْ ويُعَلِّمْ. والروح القدس يُخْبِرْ.

وبهذا المفهوم فالمسيح يقول لهم.. وإن شفيت في السبت فأنا لم أخالف وصايا الآب. وكيف أخالفها إن كان هناك هذه الوحدة وهذا الحب.

وإذا قال المسيح يريها فهو يقصد الأعمال التي يعملها الآن. وإذا قال سيريه فهو يقصد الأعمال التي سيعملها في المستقبل كإقامة أموات، بل قيامته هو شخصيًا. وإذا قال رأيت فهذا إشارة لسابق وجوده قبل التجسد.

وقول السيد المسيح هنا أنه يحيي من يشاء فهذا إشارة لأنه هو يهوه، فهذه مقدرة الله فقط (تث29:32+ 2مل7:5+ 1صم6:2). وهذا ما يفهمه اليهود الذين يكلمهم المسيح. ويعلن المسيح أيضًا بوضوح أنه يهوه إذ هو الديان، وكان يغفر الخطايا. هو ينقلهم بالتدريج ليفهموا من هو.

وإذا فهموا من هو فيكرموه كما يكرموا الآب آية (23). ومن يرفضه ولا يؤمن به أو لا يكرمه فمصيره الدينونة آية (24).

 

في هذه الآيات نرى العلاقة بين الآب والابن:

فهما مشيئة واحدة: فالابن لا يقدر أن تكون له إرادة منفصلة في العمل عن إرادة أبيه.

غير منفصلين: فالابن ينظر كل ما للآب ويسمع كل ما عند الآب (وهكذا الروح القدس).

نفس القدرة: كل ما يفعله الآب يفعله الآبن.

الحب يربط بينهما: فالابن يعرف كل أسرار الآب.

كل ما للآب هو للإبن: فالابن يحيي من يشاء وهذا عمل الآب. وهذه عبارة لم تقال عن إيليا أو غيره حين أقاموا أموات.

الابن هو الديان: وهذا عمل الآب "أديان الأرض كلها.." (تك25:18).

لهما نفس الكرامة: فكما يكرمون الآب عليهم أن يكرموا الابن أيضًا.

إذًا هما متساويان.

 

ملخص للآيات السابقة (17-30)

قام السيد المسيح بعمل معجزة إبراء المقعد يوم سبت فثار اليهود عليه، بل طلبوا أن يقتلوه. وأجابهم يسوع بهذه الآيات التي يمكن تلخيصها في الآتي:

المسيح أتى للشفاء وليظهر الآب ومحبته للبشر، هو يستعلن الآب.

لماذا تتعجبون أنني أعمل يوم السبت وأبي (الله) لا يكف عن العمل، وأنا أيضًا (17).

هناك تطابق تام في الفكر والإرادة بيني وبين الآب (19).

العمل الذي يريد الآب أن يعمله أن لا يترك البشر في حالة موت ومرض بل هو يريد أن يحيي البشر، لذلك أرسلني لأعمل هذا العمل وأعطي حياة للموتي (21).

الابن يعطي الحياة لمن يقبله ويؤمن به ويتحد به، فالإبن يُكَوِّن الكنيسة التي هي جسده لكل من يقبل.  ومن يرفض فقد حكم على نفسه بالهلاك. وهذا معنى دينونة الابن للبشر (22).

الفرصة أمامكم فإقبلوني فأنا صورة الآب. ومن يكرمني يكرم الآب (23).

من يقبلني فقد آمن بالآب بالطريقة الصحيحة وتكون له حياة أبدية (24).

دعوتي الأساسية هي التوبة، وكل من يفعل يتحد بي فتكون له حياة (25).

أنا لي الحياة في ذاتي، لذلك أنا قادر أن أحيي (26).

لذلك من لا يقبلني لن تكون له حياة = هذا معنى أن للابن سلطان أن يدين (27)

الحياة تبدأ هنا لمن يتوب، لكن الحياة ستستمر للأبد (29).

الآن ليس وقت الدينونة، هذا لا يريده الآب الآن، لذلك لن أدين أحد، فإرادتي ومشيئتي هما تمامًا كإرادة ومشيئة الآب. أنا الآن أجمع الكنيسة، فإنتهزوا الفرصة (30).

الآن ما معنى اعتراضكم على ما قمت به من شفاء للمريض فهذه إرادة الآب وراحة الآب، ولهذا أرسلني الآب لأشفي وأحيي ولأن الكلام الذي قيل كان صعبًا تكلم الرب فيما يلي عن الشهود الذين يشهدون له.

 

آية (31): "إن كنت اشهد لنفسي فشهادتي ليست حقًا."

المسيح هنا يلجأ لثلاثة شهود فاليهود شكوا فيه إذ قال عن نفسه أنه ابن الله وهو قرأ فكرهم وهنا المسيح يلجأ للشهود الآخرين: [1] هو نفسه (آية31 + يو14:8)؛ [2] الآب (آية32)؛ [3] يوحنا المعمدان (آية33). فالمسيح يؤكد شهادته لنفسه بشهادة إثنين آخرين. وبحسب الناموس اليهودي فالشهادة تقبل على فم شاهدين (تث6:17+ 15:19+ عد30:35). قطعاً شهادة المسيح عن نفسه كافية فهو الحق. وهو قال هذا (يو14:8) ولكن اليهود بحسب تفكيرهم وبحسب ناموسهم يحتاجون لشهود (يو13:8) هنا يقول إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً= هذا بحسب المنطق البشري. وفي (13:8) قال "شهادتي حق" = فهذا منطق الله، فالله غير خاضع للمعايير البشرية.

 

آية (32): "الذي يشهد لي هو آخر وأنا اعلم إن شهادته التي يشهدها لي هي حق."

آخر= هو الآب لأن الفعل يشهد أتى في زمان المضارع الدائم، وهذا لا يستقيم في حالة أي إنسان، لأن أي إنسان تكون شهادته مؤقتة أما شهادة الآب فدائمة وصادقة. والآب شهد للمسيح أنه ابنه يوم العماد ويوم التجلي وشهد له بالنبوات (آيات 38-39) وشهد له بالأعمال التي يعملها المسيح والتي تظهر أن الآب فيه (36). والمسيح يعرف شهادة الآب عنه بسبب علاقته الأقنومية به. واليهود لا يعرفون بسبب خطاياهم وكبريائهم (38).

 

الآيات (33-34): "انتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق. وأنا لا اقبل شهادة من إنسان ولكني أقول هذا لتخلصوا انتم."

هنا المسيح يقول لهم أنا أشهد لنفسي ويشهد لي الآب وأنتم لا تصدقون، وأرسلتم وسألتم يوحنا فشهد لي، والمسيح يقول هذا لا ليطلب شهادة المعمدان لأنه محتاج إليها فهو لا يحتاج لشهادة إنسان، فمن يحتاج لشهادة إنسان فهو يعتمد على هذا الإنسان ويحتاج لهذا الإنسان والله لا يحتاج لأحد. بل إذ كانوا فرحين بالمعمدان وواثقين فيه ويكرمونه (على أن كثيرين رفضوه أيضًا لو29:7-30) لجأ المسيح لشهادته ليجعلهم يؤمنون به فيخلصون. المسيح يلجأ لشهادة المعمدان ليرضيهم بحسب منطقهم فيجذبهم للخلاص. ولكن من غير المقبول أن يتوقف صدق الله على شهادة إنسان.

 

آية (35): "كان هو السراج الموقد المنير وانتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة."

يوحنا المعمدان كان سراج= ربما كان المعمدان قد استشهد وقتها أو كان في السجن وبهذا توقفت خدمته أي نوره قد توقف، ومهما كان المعمدان فهو كمصباح لا بُد وأن وقوده سينفد في وقتٍ ما. ولكنه كان سراج موقد من الداخل بالمحبة والغيرة ومنير من الخارج في قداسته. أنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره= هللوا له وقت ظهوره إذ ظنوه هو المسيا، ولكن المعمدان ظهر لفترة وجيزة= ساعة= وقت قصير أي عدة شهور، بينما أن بهجة خلاص المسيح فأبدية. أمّا اليهود الذين فرحوا بيوحنا المعمدان وتركوا المسيح، فهم اختاروا البركة المؤقتة وتركوا نعمة الملكوت الدائمة. ويوحنا كان سراجًا ينيره آخر أي الله (يو8:1). لكن المسيح هو النور الحقيقي فالنور طبيعته (يو9:1). وقوله السراج عن المعمدان فلأن المعمدان كان يشهد للمسيح وينير الطريق لليهود حتى يروا المسيح فيؤمنوا به. وهذا معنى يعد الطريق أمام المسيح.

 

آية (36): "وأما أنا فلي شهادة اعظم من يوحنا لأن الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها هذه الأعمال بعينها التي أنا اعملها هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني."

الأعمال= المعجزات+ تعاليمه وأقواله التي كانت بسلطان. كل هذا يشير للقوة الإلهية التي تعمل فيه. أعمال المسيح هي برهان صدق إرساليته (25:10+32+37-38)+(10:14-11)+(24:15). أعمال المسيح تستعلن الله الآب في شخص المسيح. ولنلاحظ أن من يقبل ابن الله في قلبه يكون له شهادة في داخله له ولا يحتاج معها شهادة من خارج، فالإيمان بالمسيح يحمل تأكيده فيه لأنه هو شهادة صدق الله.

أعطاني= المسيح يركز على أن الآب يعطي الابن (35:3)+(3:13)+(22:5+26-27)+(39:6)+ (2:17+4+6+12+24)+(49:12) ومعنى أن الآب يعطي الابن فهذا لأن كل شيء وكل عمل وكل مشيئة عند الآب هي غير منظورة والآب يعطيها للإبن ليظهرها، أو يعطي الابن أن يظهرها ويعلنها على مستوى الفعل والواقع المنظور. فالأعمال عند الآب والابن هي واحدة، غير منظورة عند الآب، ومنظورة بالإبن، فالآب يعمل بالإبن، الآب يريد، والابن ينفذ فهو قوة الآب (1كو24:1). وبنفس المفهوم نفهم لماذا قال المسيح انه لا يعرف الساعة ؟ فالآب لا يريد إعلانها. ودور الابن إظهار هذه الإرادة التي هي أيضا إرادته فهما واحد. وأيضا هكذا نفهم (رؤ1: 1) إذاً العطاء من الآب للإبن يفيد أن الابن يكمل عمل الآب أي ينفذه أو يظهره. لأكملها= يكملها هنا تفيد التكميل حتى النهاية أو حتى الكمال "العمل الذي أعطيتني قد أكملته" + "قد أكمل".

يوحنا كان مجرد سراج يظهرني لكم. هو يدعو للتوبة، ومن فعل عرف المسيح. لكن المسيح جاء ليعمل أعمال هي شفاء وإعطاء حياة وتجديد الخليقة. وهذه هي الراحة. هذا هو السبت الحقيقي راحة الله هي في راحة البشر.

 

الآيات (37-38): "والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته. وليست لكم كلمته ثابتة فيكم لأن الذي أرسله هو لستم انتم تؤمنون به."

المسيح هنا ينتقل من شهادة الأعمال له وهي نفس أعمال الآب إلى شهادة الآب نفسه (16:8+18+29). فالآب شهد للابن يوم العماد ويوم التجلي وبالأنبياء وبروحه الذي يخاطب القلوب ولكنهم لا يريدون أن يسمعوا، وبأعماله التي يعملها. فالآب والابن يعملوا الأعمال. وبأقواله وتعاليمه، فالآب كلمنا في ابنه. ولاحظ أن أعمال الابن: [1] كثيرة جدًا (لا يسعها كل كتب العالم) [2] عظيمة ومبهرة (ما رأينا مثل هذا قط) [3] جهرًا أمام الكل [4] كلها للخير (هو لم يميت أحد) أما أقواله فبهرت الكل. وكان كل هذا ليستعلن الآب. فالآب يشهد للابن شهادة كامنة في الابن، لأن الابن هو كلمة الآب وصوت الآب وصورة الآب، وهذا ندركه بالإيمان، بالعين الروحية التي ترى الله في المسيح والأذن الروحية التي تسمع الله في المسيح "من رآني فقد رأى الآب". لذلك فاليهود الذين رفضوا المسيح رفضوا صوت الله.

لم تسمعوا صوته= فالمسيح يقول عن نفسه أنه صوت الآب. ولا أبصرتم هيئته= فالمسيح هو هيئة الآب.. فأذانهم الروحية وعيونهم الروحية مغلقة. ومعنى كلام الرب أنتم لم تعرفوني فأنا صورة الآب. ولو عرفوا الآب لعرفوا المسيح والعكس. والآب يشهد للمسيح بفم أنبيائه وآخرهم المعمدان، كلهم تنبأوا عن المسيح، ولو أخلص اليهود فهم ناموسهم لعرفوا المسيح= ليس لكم كلمته ثابتة فيكم= أي النبوات. بل أن أبائهم الذين سمعوا صوت الله على الجبل أيام موسى ورأوا البروق، فهم أطاعوا الله أياماً قليلة لكنهم عادوا وإرتدوا، كلام الله علق بذاكرتهم دون قلوبهم. لكن أيضًا القول ينطبق على اليهود السامعين الرب الان. فمن سمع كلام الله في ناموسه وقرر ان يلتزم بها وفعل لكانت الكلمة قد ثبتت فيه وعرف الآب، وبالتالي سيعرف ابنه المسيح. مشكلة اليهود مع الناموس أنهم لم يبحثوا عن الله في الناموس، بل هم بحثوا عن أنفسهم وتفاخروا ببرهم، لذلك قال المسيح عن تلاميذه أنهم بسطاء، فهم بعيدين عن هذا البر الذاتى، يخافون الله وينفذون وصاياه، وحينما أتى المعمدان طالبا التوبة قدموا توبة، فإنفتحت عيونهم وعرفوا المسيح وأحبوه وتبعوه. أما اليهود فلم ينشغلوا بمعرفة الله بل بحثوا عن كيف ينتفخون بمعرفة متزايدة وبر ذاتى منتفخ فلم يروا خطاياهم بل رأوا أنفسهم فقط فرفضوا المسيح. هم إستخدموا الناموس لإثبات برهم فهم محبون لذواتهم، ولم يستخدموا الناموس ليعرفوا الله فيحبونه.

 

آية (39): "فتشوا الكتب لأنكم تظنون إن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي."

هنا المسيح يلومهم فهم يَدَّعون الخبرة في الكتب المقدسة ولكنهم بعد كل هذه السنين لم ينفتح ذهنهم على سر الحياة الأبدية الكائن في الأسفار، ليدركوا منها الأمور المختصة بالمسيح (لو27:24). فالأسفار المقدسة هي إستعلان للمسيح، مملوءة نبوات عنه، في كل خطوة من خطوات حياته (2بط17:1-21+ 1بط10:1-11) هم كانوا يظنون أن فهمهم الحرفي للأسفار المقدسة سيعطيهم حياة أبدية، وكانوا يظنون أن مجرد حفظها أو تلاوتها سيعطيهم حياة أبدية. ولكنهم لو فهموها بعمق لإكتشفوا المسيح واهب الحياة الأبدية. لكنهم درسوها لمجرد المعرفة والتفاخر بما يعرفونه وليس بحثا عن الله. ولماذا لم يفهموها؟ الاجابة في الآية السابقة...إن كلمة الله ليست ثابتة فيهم. ولماذا؟

1*وكيف تثبت فيهم وعيونهم تبحث عن مجد ذواتهم وليس مجد الله؟! (يو5: 44).

2*التنفيذ الحرفى دون فهم المعنى الروحي ليظهروا أبرارا أمام الناس."كل اعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس. فيعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب ثيابهم" (مت23: 5).

ولو كانوا قد بحثوا عن الله فعلا ونفذوا الوصية لإرضاء الله وليس لإرضاء غرورهم وكبريائهم لكانوا قد عرفوا الله ولكانوا قد تعرفوا على ابنه المسيح بسهولة اذ هو صورة الآب {وهذا معنى مثل السيد المسيح (مت 7: 24-27) }.

فتشوا= تدل على الفحص الشديد المثابر للأسفار. ومن يفعل سيكتشف المسيح وسيعرفه ويؤمن به. أنتم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية = وهذا حق ولكن كيف نقرأ؟ هل لمجرد المعرفة مثل اليهود أو لنرى ونبحث عن شخص المسيح ونعرفه، فنحبه ونؤمن به ونثق فيه فتكون لنا حياة. من يريد أن يجد المسيح سوف يجده(كما حدث مع المجوس). ملحوظة :- الله أعطي سليمان الحكمة فإنشغل بالعطية دون العاطي. مثل اليهود كان الكتاب في أيديهم فإنشغلوا بالمعرفة، وإنشغلوا بتساؤلات لا جدوى منها مثل أية وصية هي الأعظم. لذلك قال لهم المسيح "فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة" (يو5: 39). أما داود فإنشغل بشخص الله فأحبه فقال "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب" (مز 34: 8) وهذه هي الحياة. سليمان حزن واكتئب إذ جعل العقل فقط يقوده. أما داود الذي كان الروح القدس يقوده ففرح بالرب ووجد كلامه كالعسل (مز119 : 103 بل وباقى المزمور كله). وقال "لساني قلم كاتب ماهر" (مز45) والكاتب الماهر الذي يقود عقله ولسانه هو الروح القدس المحيي والذي من ثماره الفرح.

 

آية (40): "ولا تريدون أن تأتوا إلىَّ لتكون لكم حياة."

مازالت أمامكم الأسفار المقدسة، فتشوا فيها فتؤمنوا بي وتأتوا إليَّ فيكون لكم حياة، فمن يأتي إليَّ أعطيه حياة، الحياة الأبدية التي تفتشون عليها في الأسفار المقدسة هي معي، وهي فيَّ، وهي أنا (1يو2:1) ولا تريدون= هي مسئولية كل شخص أن يقبل المسيح أو يرفضه ومن يفتش الكتاب المقدس بأمانة سيجد أنه محتاج لشخص المسيح فيذهب إليه فتكون له حياة.

 

آية (41): "مجدًا من الناس لست اقبل."

 عندما تكلم عن شهادة المعمدان فهو لا يشتهي مجدًا من الناس كما يفعلون هم، فمجده راجع لإتحاده بالآب. المسيح لا يقبل شهادة من الناس ولا مجدًا من الناس. قال هذا حتى لا يتصوروا أنه يقول ما يقوله ليمجدوه، وإلاّ لوافق طلبهم أن يصير ملكًا زمنيًا. فمن يقبل شهادة أو مجد من إنسان يلزمه أن يستند على هذا الإنسان فيخضع لمعايير البشر. إذًا فالمسيح يطلب منهم أن يعرفوه لا لأنه يريدهم أن يمجدوه بل ليعطيهم حياة (راجع آية34).

 

آية (42): "ولكني قد عرفتكم أن ليست لكم محبة الله في أنفسكم."

قد عرفتكم= أنا أعرف حالتكم، هم لا يحبون الله ولا شركة لهم مع الله. فرفضهم للمسيح علامة على الحالة السيئة التي هم فيها. رفضهم للمسيح علامة أنهم في عداوة مع الله، هم لا يحبون الله لذلك لم يجتذبهم الآب. المسيح هنا يكشف ما في قلوبهم. ولماذا هم لا يحبون الله؟ لأن عيونهم متجهة لذواتهم، وللناس كيف يعجب بهم الناس. وهم غير ناظرين لله يفتشون عنه، فلم يعرفوا الله، فكيف يحبون من لم يعرفوه؟ وهذا عكس داود الذي كانت "عيناه دائما إلى الرب" (مز25: 15) فعرف الله فقال "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب" (مز34: 8)، وحينما تذوق حلاوة الرب قال "أحبك يا رب يا قوتى" (مز18: 1).

في أنفسكم= فهم يقولون بأفواههم أنهم يحبون الله ويتباهون بهذا، لكن المحبة غير موجودة في قلوبهم (24:15-25) وإن غابت المحبة سكنت البغضة في القلب. هم لو كانوا يحبون الله، كانت المحبة قد فتحت أعينهم وعرفوا المسيح فهو صورة الله. ولكن "هذا الشعب يكرمني بشفتيه وقلبه مبتعد عني بعيداً". اضطهادهم للمسيح صادر ليس عن غيرة لله بل حسداً للمسيح وبغضة له، لو أحبوا الله لآمنوا بالمسيح.

 

آية (43): "أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني أن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه."

عدم وجود محبة الآب في قلب اليهود أفقدهم القدرة على معرفة المسيح لما جاء إليهم باسم الآب. والمحبة تأتي بالعشرة مع الله ودرس الكتاب المقدس بعمق. باسم أبي= هو واحد ومستقر في الآب وثابت فيه ومتحد به. هو أتى ليعلن الآب. هو يبحث عن مجد الآب لا مجد نفسه فهو أخلى نفسه. هم بسبب كبريائهم وضعوا للمسيح المنتظر صورة خاطئة في اذهانهم، تتناسب مع كبريائهم. فلما وجدوا المسيح المتواضع لم يعرفوه. ولو أتى لهم من يتكلم باسم نفسه لقبلوه، أي نبي كاذب أو أي شخص يدّعى أنه المسيح، لأنهم سيرون أنفسهم فيه. فالنبي الكاذب سيستغل نقطة ضعفهم ويظهر أمامهم بمظهر العظمة العالمية التي يعيشون فيها ويشتهونها.

 وسوف يَعِدْهُمْ أن يعطيهم هذه العظمة العالمية فيقبلونه، كما سيحدث مع ضد المسيح في الأيام الأخيرة. أتى باسم نفسه = يعلن رغباته وأفكاره هو الذاتية التي تتوافق مع أفكارهم. بهذا يظهر أن اليهود واقفين في موضع مضاد للمسيح ولله، فهم يقبلون مجد الناس ولا يطلبون مجد الله. وهذا ما عطل إيمانهم.

  

آية (44): "كيف تقدرون أن تؤمنوا وانتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه."

هنا المسيح يكشف لهم بوضوح سبب عماهم ألا وهو كبريائهم. وهم يريدون من له نفس هذه الصورة. لكن الإيمان في أبسط صوره هو تمجيد الله بالقول والعمل. وثمر الإيمان هو تسبيح الله على الدوام. وإذا إنشغل إنسان بتمجيد نفسه وتمجيد الآخرين له ليعطوه نفس المجد ضعفت قوة تسبيح الله في قلبه فهو لن يرى عظمة الله فيسبحه لأنه إنشغل بتملق الآخرين. واليهود كانوا منشغلين بتمجيد أنفسهم، وحتى الناموس كان سبباً في أن يعظموا أنفسهم، فهم فهموا أن الله أعطاهم الناموس لعظمتهم هم كشعب مختار مميز عن باقي الشعوب. وكانوا يقبلون مجداً من بعضهم البعض ولم يقبلوا المجد الأصلي الذي هو الله ظاهرا في الجسد. لاحظ المسيح في آية (43) يخلى ذاته قائلاً "أنا أتيت بإسم أبي" فلا يبحث عن مجد شخصي بل كأنه مجرد مرسل من الآب. واليهود يبحثون عن مجد أنفسهم.

 

آية (45): "لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم."

الابن يحتفظ بوظيفته كشفيع ويترك الحكم للناموس بقيادة موسى. لأنهم لم يكونوا امناء أمام الناموس ولم يلتزموا بتنفيذ وصاياه، والا لكانوا قد عرفوا المسيح. وأيضًا لأن موسى كتب عن المسيح فموسى سيشهد ضدهم. لأنهم لم يؤمنوا بالمسيح. وكما صرخ موسى لله بسبب عنادهم ورفضهم له سيشكوهم موسى لله لأنهم رفضوا من تنبأ عنه. فالمسيح في مجيئه الأول لم يأت للدينونة بل ليخلص العالم. وأحال بمنتهى الاتضاع القضية إلى الناموس الذين هم متمسكين به فهم يتهمونه بأنه كسر السبت والمسيح قال لهم بل أنتم ضد ناموس موسى. موسى سيتحول لديان لهم.

 

الآيات (46-47): "لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني. فان كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي."

ها أنا قد أتيت كما قال موسى (تث15:18-19) فلماذا لا تؤمنوا بي. وهناك كثير من الرموز للمسيح في كتابات موسى (الذبائح والتطهيرات..) فالمسيح كان الهدف والمحور والغاية. " وشهادة يسوع هي روح النبوة" (رؤ 19: 10 ). والمسيح هو كلمة الله بمعنى أنهم كان من المفترض أن يعرفوا المسيح لو كانوا امناء لناموس موسى. وامامهم مثال حي، فتلاميذ المسيح البسطاء غير المتكبرين عرفوا المسيح وامنوا به.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات إنجيل يوحنا: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21

صفحات ذات علاقة بنفس الموضوع

* البحث في الكتاب المقدس
* قسم سنوات مع إي ميلات الناس - أسئلة وأجوبة عن الكتاب المقدس
قاموس الكتاب المقدس الكامل

* صور من الكتاب المقدس
* تحميل النص الكامل للكتاب المقدس
* أطلس الكتاب المقدس (خرائط الإنجيل)
* قسم العظات وبه تفسير لعشرات من أسفار الكتاب المقدس

إرسل هذه الصفحة لصديق

تفسير ا‌‌‌‌‌‌‌‌لأصحاح السابق من إنجيل يوحنا بموقع سانت تكلا همنوتموقع الأنبا تكلا هيمانوت - الصفحة الرئيسية

Like & share St-Takla.org


© موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - الإسكندرية -مصر / URL: http://St-Takla.org / اتصل بنا على:

http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Antonious-Fekry/04-Enjeel-Youhanna/Tafseer-Engeel-Yohanna__01-Chapter-05.html