الكتاب المقدس باللغة العربية + الإنجيل بكل اللغات + دراسات في كتاب مقدس + البحث في الكتاب المقدس الاجبية.. كتاب السبع صلوات | الأجبية باللغة العربية | الأجبية باللغة الإنجليزية | الفرنسية وصلات كل المواقع القبطية - سجل مواقع الكنائس القبطية الأرثوذكسية - دليل السايتات المسيحية الموقع باللغة الإنجليزية St-Takla.org in English ما الجديد؟ أخبار ويب سايت الأنبا تكلا وتحديثاته و الجديد المضاف به الإيمان | اللاهوت | العقيدة القبطية الأرثوذكسية | طقوس الكنيسة المسيحية في مصر ركن الأطفال - ترانيم - تلوين - ألعاب - قصص Saint Takla Dot Org Web Site - Homepage لوجو موقع القديس الأنبا تكلا هيمانوت (سانت تكلا دوت أورج)- الإسكندرية - جمهورية مصر العربية | الموقع الرسمي | بطريركية الأقباط الأرثوذكس Coptic Orthodox Church راسلنا - اتصل ان | اكتب لنا رأيك - أضف موقعًا - الأفكار - المقترحات... إرسل كروت و بطاقات تهنئة مسيحية و قبطية إلى أصدقائك في كل المناسبات اتصل بنا.. رأيك يهمنا - العنوان - التليفونات - الخريطة - الدعم الفني الفوري سنوات مع إيميلات الناس | أسئلة و أجوبة في الكتاب المقدس، الشباب والأسرة، الإيمان واللاهوت والعقيدة، الروحيات، ويب سايد سانت تكلا الصفحة الرئيسية من الموقع الرسمي للأنبا تكلاهيمانوت الحبشي القس بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية - بطريركية الأقباط الأرثوذكس معرض الصور: السيد المسيح - السيد العذراء - القديسين - الأنبا تكلا هيمانوت - الكهنة - الكتاب المقدس - الخدمات الوسائط المتعددة: ترانيم - ألحان - عظات - أجبية مسموعه - ملفات ميدي - فيديوهات - تسبحة نصف الليل - قداسات قسم التحميل: أشكال برنامج وين آمب | خطوط قبطية | ترانيم | برامج متنوعة، وبرامج مسيحية | أيقونات | معرض الصور تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر العصور | التاريخ المسيحي مكتبة كتب قبطية أرثوذكسية | الكتب المسيحية في مختلف المجالات و المواضيع | كتب بطاركة، أساقفة، كهنة، علمانيين  

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي

6- المعمودية المسيحية والعهد القديم

 

محتويات

ليست المعمودية نظرية فكرية قدمتها كنيسة العهد الجديد للمتعة الفكرية، لكنها عمل إلهي مقدس يمس خلاص البشرية في صميمه والحياة الأبدية. فالمعمودية عنصر حيّ في خطة الله الخلاصية، لهذا كان الوحيّ الإلهي حريصًا كل الحرص أن يقدم لنا إعدادًا طويلًا وتدريجيًا عبر الأجيال خاصًا بالمعمودية، جنبًا إلى جنب مع الإعداد للتجسد الإلهي وذبيحة الصليب، بل أقول جاء الإعداد لهذه الأمور الإلهية المترابطة معًا لأنها في الحقيقة عمل خلاصي متكامل. وكما أنه لو تحقق التجسد الإلهي فجأة بلا مقدمات خلال رموز العهد القديم ونبواته لما استطاع أحد أن يقبله، هكذا لو أُعلن عن المعمودية بطريقة مفاجئة لما استطاع أحد أن يفهمها أو يتقبلها [14].

لقد أشار الكتاب المقدس في بداية أول أسفاره إلى ارتباط الروح القدس بالمياه، وانتهى العهد القديم بتقديم القديس يوحنا المعمدان كملاك سابق يهيئ الطريق للرب بالمناداة بالتوبة والتعميد.

وفي العهد الجديد أشار القديس بولس إلى عبور البحر الاحمر كرمز للمعمودية (1 كو 10: 1-5)، والقديس بطرس إلى الطوفان (1 بط 3: 19-21)، والقديس يوحنا إلى صخرة حوريب (7: 38). وفي القرن الثاني وضع العلامة ترتليان [15] قائمة برموز المعمودية التي وردت في العهد القديم، وقام القديس ديديموس السكندري [16] بتطويرها وإعادة تقديمها، كما قدم لنا القديسان كيرلس الأورشليمي [17] وأمبروسيوس [18] قائمتين بها. وتحدث كثير من الآباء الأولين عن هذه الرموز، منهم برناباس ويوستين الشهيد وإيريناؤس.

يليق بنا أن نوضح أن هذه الرموز -في فكر الآباء- لم تكن مجرد إيضاحات، لكنها إعلانات عن قوة المعمودية وفاعليتها كما كشفه التقليد كله [19]. إنها شهادات إلهية خلالها نستطيع أن نتفهم ماهية المعمودية وعملها في حياتنا. فإذ وُلدت المعمودية في أرض إسرائيل وحملت أسرارًا إلهية خلال الرموز والنبوات لذا نجد شرحًا لها خلال الطقس اليهودي الرمزي [20].

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

1. روح الله يرف على وجه المياه

يقول الوحي الإلهي: "وكانت الأرض خربةً وخاليةً وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفُّ على وجه المياه" (تك 1: 2). هذا هو عمل الروح القدس، أنه في بدء الخلقة كان يرف على وجه المياه ليخلق العالم الصالح الجميل من الأرض الخالية الخربة. ولا يزال الروح الإلهي يحلّ على مياه المعمودية ليقدسها، فيقيم من الإنسان الذي أفسدته الخطيئة سماوات جديدة وأرضًا جديدة، عوض الأرض الخربة والخالية من كل صلاح. إنه يخلق من الإنسان الترابي (الأرض) نفسًا مقدسة متجددة (سماوات جديدة) وجسدًا مباركًا تُحسب أعضاؤه آلات برّ لله (أرضًا جديدة).

* لقد أنجبت المياه الأولي حياة، لا يتعجب أحد إن كانت المياه في المعمودية أيضًا تقدر أن تهب حياة.

* كان روح الله محمولًا على المياه هذا الذي يعيد خلقة من يعتمد. كان القدوس محمولًا على المياه المقدسة، أو بالأحرى على المياه التي تتقبل منه القداسة. بهذا تقدست المياه بالروح وتقبلت إمكانية التقديس. هذا هو السبب الذي لأجله إذ كانت المياه هي العنصر الأوّلي (للخلقة) حصلت على سرّ التقديس خلال التوسل لله [21].

العلامة ترتليان

* تتم الخلقة الجديدة بواسطة الماء والروح وذلك كخلقة العالم، إذ كان روح الله يرف على المياه [22].

القديس إكليمنضس السكندري

* المياه هي بدء العالم، والأردن هو بدء الإنجيل [23].

القديس كيرلس الأورشليمي

يربط القديس ديديموس بين عمل الروح القدس في بدء الخلقة، وعمله وهو حال أثناء العماد.

* إذ رأى الثالوث غير المنقسم ولا منطوق به منذ الأزل سقوط الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت أوجد الماء من العدم، أعدَّ للإنسان الشفاء المزمع أن يتم في المياه. هذا هو السبب الذي لأجله إذ حُمل الروح القدس على المياه ظهر مقدِسًا لها... وربطها بعملية الولادة (الإنجاب). بهذا يليق بنا أن نقرن الحقيقة معًا، فإنه من المهم أن نعرف أنه في اللحظة التي اعتمد فيها يسوع نزل الروح القدس على أمواج الأردن واستقر عليها [24].

القديس ديديموس السكندري

يسأل القديس أمبروسيوس: لماذا يتم الميلاد الجديد في المياه؟ ويجيب أنه مكتوب "لتفض المياه ذات أنفس حية" (تك 1: 20)، وأفاضت المياه كائنات حيّة (مثل الأسماك). هكذا أنجبت المياه كائنات حيّة طبيعيًا بكلمة الله، والآن تلد المياه المقدسة بكلمة الله كائنات حيّة حسب النعمة، إذ نعيش نحن كالسمك، متمثلين بالسيد المسيح "السمكة الحقيقية". وقد سبق فرأينا أن كلمة "سمكة" باليونانية (إخسوس) تحمل الحروف الأولي للعبارة "يسوع المسيح ابن الله المخلص"، فصارت رمزًا للسيد المسيح كما ترمز للمؤمنين [25].

هذا كله جعل العلامة ترتليان يربط بين الروح القدس وعمله في المياه المقدسة، حتى ليتصور أن الروح قد وجد له فيها مسكنًا.

والعجيب أنه كان هناك تقليد سائد حتى بين اليهود بأن إبليس يحارب البشرية كتنين يسكن في المياه. لذلك جاء الطقس القبطي الخاص بالمعمودية المقدسة يحمل اتجاهين متكاملين هما تحطيم سلطان التنين (إبليس) القاطن في الأعماق، وقبول ملكوت المسيح الغالب للظلمة. ففي صلاة التقديس يقول الكاهن: "أنت رضضت رؤوس التنين على المياه". وكما يقول ليندبرج Lundberg: [في الليتورجيات القبطية والسريانية تستدعى قوة الله على المياه، فتُعلن كما أعلنت في الخلقة. إنها القوة التي تحوّل مياه الموت إلى مياه واهبة الحياة بطريقة سرية وذلك خلال التقديس [26].]

وإنني أرجو أن أتحدث عن أهمية عنصر الماء في الخلقة الجديدة التي تتحقق في المعمودية عند حديثي عن "طقس المعمودية" في الباب الرابع.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

2- فلك نوح والطوفان

في بدء الخلقة يظهر الماء كعنصر أوّلي للخلقة حيث كان روح الله يرف على وجه الغمر ليخلق. أما في قصة الطوفان فيظهر الماء كأداة إدانة للعالم الشرير، وإن كان الفلك وسط المياه يظهر كأداة خلاص لنوح وعائلته حيث يدخل بهم إلى عالم جديد. تطلع الرسول بطرس إلى الطوفان والفلك، فرأى صورة رمزية حيّة للخلاص في المعمودية بموت السيد المسيح، الذي انطلقت نفسه إلى الجحيم تبشر الذين رقدوا على الرجاء. كما رأى الرسول في الطوفان إعلانًا لقبول السيد حكم الإدانة في جسده لكي يدخل بمؤمنيه إلى قوة القيامة.

"فإن المسيح أيضًا تأَلَّم مرَّةً واحدة من أجل الخطايا، البارُ من أجل الآثمة لكي يقرّبنا إلى الله مماتًا في الجسد ولكن مُحيًى في الروح، الذي فيهِ أيضًا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن، إذ عصت قديمًا حين كانت أناة الله تنتظر مرَّةً في أيام نوح، إذ كان الفلك يُبنَى، الذي فيهِ خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماءِ. الذي مثاله يخلّصنا نحن الآن أي المعمودية. لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضميرٍ صالحٍ عن الله بقيامة يسوع المسيح الذي هو في يمين الله، إذ قد مضى إلى السماء وملائكة وسلاطين وقوَّات مُخضَعَة لهُ" (1 بط 3: 18-21).

لقد فتح القديس بطرس بحديثه عن الطوفان والفلك في رسالتيه طريقا للآباء للحديث عنهما كرمزٍ للمعمودية بفيضٍ.

* كان الطوفان الذي طهّر العالم من شره القديم يحمل نبوة خفيّة عن تطهير الخطايا بواسطة الجرن المقدس. كان الفلك الذي خلّص من كان بداخله أيقونة للكنيسة المملوءة رهبة، وللرجاء الصالح الذي صار لنا بسببها. أما الحمامة التي أحضرت غصن زيتون إلى الفلك فأظهرت بهذا أن الأرض قد انكشفت، رسمت مجيء الروح القدس في المصالحة الذي كان من المزمع أن يتحقق من الأعالي، لأن الزيتون علامة السلام [27].

العلامة ترتليان

* قصة الطوفان سرّ، محتوياتها كانت مثالًا للأمور العتيدة أن تتم، الفلك هو الكنيسة، ونوح المسيح، والحمامة الروح القدس، وغصن الزيتون هو الصلاح الإلهي. كما كان الفلك في وسط البحر حصنًا لمن في داخله، هكذا تُخلّص الكنيسة الهالكين. الفلك يُعطي حصانة أما الكنيسة فتفعل ما هو أعظم. كمثال احتوى الفلك الحيوانات غير العاقلة وحفظها، أما الكنيسة فأدخلت البشر الذين يسلكون بغير تعقل ولم تحصنهم فحسب وإنما أيضًا غيّرت طبيعتهم [28].

القديس يوحنا الذهبي الفم

* طارت حمامة الروح القدس نحو نوح بعد أن خرج الطائر الأسود (الغراب) وصارت كما لو كانت متجهة نحو المسيح في الأردن [29].

القديس جيروم

* خذوا شهادة أخرى (بجانب رمز الخليقة السابق): كل بشرٍ فسد بآثامه، إذ يقول الله: لا يبقى روحي بين الناس لأنهم بشر (تك 6: 3)، حيث يوضح الله أن نعمة الروح تتباعد بسبب الدنس الجسدي ونجاسة الخطيئة الشنيعة، التي بسببها أرسل الله الطوفان رغبة منه في استكمال ما كان ناقصًا.

أٌمر نوح البار أن يدخل الفلك وإذ انتهى الطوفان أرسل نوح غرابًا فلم يرجع، ثم أرسل حمامة عادت بغصن زيتون، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. إنكم ترون الماء والخشبة والحمامة، فهل تقفون حيارى أمام السرّ؟ فالماء هو الذي يُغمر فيه الجسد لكي تُغسل فيه كل خطية جسدية، ويدفن فيه كل شر، والخشبة هي التي عُلق عليها الرب يسوع عندما تألم لأجلنا، والحمامة هي التي نزل الروح القدس على هيئتها كما قرأتم في العهد الجديد، ذاك الذي يهبكم سلام النفس وهدوء الفكر. والغراب هو رمز الخطيئة التي تذهب ولا ترجع، إذًا حفظ فيكم البرّ في الداخل والخارج [30].

القديس أمبروسيوس

* يقول البعض أنه كما جاء الخلاص في أيام نوح بالخشبة والماء، وكان بدءً لخليقة جديدة، وكما عادت الحمامة إلى نوح في المساء بغصن زيتون، هكذا نزل الروح القدس على نوح الحقيقي مُوجد الخليقة الجديدة. لقد نزلت عليه الحمامة الروحية أثناء عماده لكي يظهر أنه هو الذي يمنح الخلاص للمؤمنين بخشبة الصليب، والذي وهب العالم نعمة الخلاص بموته نحو المساء [31].

القديس كيرلس الأورشليمي

استخدم القديس كبريانوس هذا الرمز كدليل على عدم قانونية معمودية الهراطقة والمنشقين، إذ يرى أنه لا خلاص إلا خلال معمودية الكنيسة الواحدة التي يمثلها فلك نوح الواحد. يقول: [لكي يُظهر بطرس (1 بط 3: 18-21) أن الكنيسة واحدة، وأن الذين في داخلها هم وحدهم الذين يمكن أن يخلصوا. قال أنه في فلك نوح ثمانية أنفس فقط خلصوا بالماء، الأمر الذي تفعله المعمودية بالنسبة لكم. لقد برهن أن فلك نوح كان رمزًا للكنيسة الواحدة. فلو أنه في ذلك الوقت كان يمكن لإنسان أن يخلص وهو خارج فلك نوح حين كان العالم يعتمد لكي يتطهر ويخلص، هكذا يمكن الآن لإنسان خارج الكنيسة أن يخلص بالمعمودية [32].]

لقد أشار الرسول بطرس إلى عدد الذين خلصوا في الفلك أي ثمانية أنفس، حيث رقم "8" يشير للحياة المقامة، أي الحياة ما بعد الزمن (7 أيام الأسبوع)، وقد قام الرب في أول الأسبوع الجديد أي اليوم الثامن بالنسبة للأسبوع السابق.

ورأى الرسول بطرس في نوح أنه الثامن (2 بط 2: 5).

وقد شغل هذا الرقم ذهن كثير من الآباء، نعطي هنا بعض الأمثلة:

جاء في المعارف الاكلمندية أن سبعة أجيال سبقت نوح [33]، فجاء نوح يمثل الجيل الثامن أو اليوم الثامن الذي لقيامة الرب. فارتبط خلاصنا بقيامة السيد، وصارت راحتنا في هذا اليوم الجديد أو السبت الجديد.

ويقول الشهيد يوستين: [في الطوفان تحقق سرّ خلاص البشر. فإن نوحًا البار ومعه أناس الطوفان الآخرين، أي زوجته وأولاده الثلاثة ونساء بنيه يكَّونون (رقم) ثمانية. هكذا يظهرون رمزًا لليوم الثامن الذي فيه ظهر مسيحنا قائمًا من الأموات، ويظهر هكذا على الدوام، ويحمل ضمنًا اليوم الأول. لأن المسيح هو بكر كل الخليقة، قد صار في معنى جديد رأسًا لجنس آخر حيث تجدد هذا الجنس بالماء والخشبة اللذين وُجدا في سرّ الصليب، إذ خلص نوح بخشبة الفلك حين حمله الماء هو وعائلته... لقد غرقت كل الأرض كقول الكتاب، وواضح أن الله لا يتكلم عن الأرض بل عن الناس... وذلك لكي يظهر مقدمًا كل هذه الرموز في وقت الطوفان. أقصد الذين قد تهيّأوا بالماء والإيمان والخشبة، الذين تابوا عن خطاياهم، هؤلاء يهربون من دينونة الله العتيدة [34].]

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

3- عبور البحر الاحمر والسحابة

يقول القديس بولس: "ولست أريد أيُها الأخوة أن تجهلوا أن آباءَنا جميعهم كانوا تحت السحابة، وجميعهم اجتازوا في البحر، وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر" (1 كو 10: 1-2). وكأن الرسول بولس قد رأى كنيسة العهد القديم في أيام موسى النبي قد اجتازت المعمودية رمزيًا. فالبحر يشير إلى جرن المياه، والسحابة التي ظللتهم تشير إلى الروح القدس، كقول الكتاب: "أرسلت روحك فغطّاهم" (خر 15: 10).

ظهرت رمزية عبور البحر الاحمر للمعمودية في العهد القديم نفسه، إذ رأى إشعياء النبي ذراع الرب (رمز للمسيح) يستيقظ من القبر محطمًا العدو إبليس أو التنين الساكن في أعماق المياه، فاتحًا طريق النصرة لكي يعبر أولاده وسط المياه ويخلصوا. يقول النبي: "استيقظي استيقظي، البسي قوةً يا ذراع الرب. استيقظي كما في أيام القدم، كما في الأدوار القديمة. أَلستِ أنتِ القاطعة رَهَب، الطاعنة التنين؟! أَلستِ أَنتِ هي المُنَشِّفة البحر مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقًا لعبور المفديين؟! ومفديُّو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم، وعلى رؤُوسهم فرح أبدي. ابتهاج وفرح يدركانهم. يهرب الحزن والتنهُّد" (إش 51: 9-11). إنها ثلاث صرخات: "استيقظي، استيقظي، استيقظي" وكأنها إعلان عن قوة القيامة المعلنة في اليوم الثالث، التي تُوهب لمفديي الرب في المعمودية خلال الغطسات الثلاث باسم الثالوث القدوس. مرة أخرى يطلب من السيد الذي عمل في القديم خلال رمز العبور، أن يعمل الآن ليعبر بمفديّيه وسط المياه ويدخل بهم إلى "الفرح الأبدي" الذي هو ملكوت الله الذي يهرب منه الحزن والتنهد. رأى النبي هلاك التنين وطعنه هذا الذي هو قاتل للبشر! هكذا رأى إشعياء النبي في العبور مفاهيم لاهوتية حيّة لعمل المعمودية في حياة المؤمنين، ونصرتهم خلال الرب الذي قام وأقامهم معه، وتحطيم إبليس التنين القديم.

St-Takla.org         Image: An icon of Saint Cyril Bishop of Jerusalem صورة: القديس الأنبا كيرلس أسقف أورشليم، القديس كيرلص الأورشليمي

St-Takla.org Image: An icon of Saint Cyril Bishop of Jerusalem

صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس الأنبا كيرلس أسقف أورشليم، القديس كيرلص الأورشليمي

هذه الصورة تبقى حيّة وأبدية، إذ رآها القديس يوحنا الحبيب تتحقق بصورة أخرى في الكنيسة الممجدة في السماء: "ورأيت كبحرٍ من زجاج مختلط بنارٍ، والغالبين على الوحش وصورتهِ وعلى سِمَته وعدد اسمهِ واقفين على البحر الزجاجيّ معهم قيثارات الله. وهم يرتّلون ترنيمة موسى عبد الله وترنيمة الخروف..." (رؤ 15: 2-3). فالبحر الزجاجي هو مياه المعمودية حيث يظهر الروح القدس كنارٍ ملتهبةٍ، يقف فيها أولاد الله غالبين الوحش ومتهللين كما فعل موسى عند عبوره البحر الحمر، يرتلون ترنيمته التي كانت رمزًا لتسبحه الخلاص الحقيقي خلال حمل الله!

فيما يلي مقتطفات من كلمات الآباء عن العبور كرمز للمعمودية المسيحية:

* عندما ترك الشعب مصر بإرادته، وهربوا من سلطان ملك مصر بعبورهم الماء، أهلك الماء الملك وكل جيشه. أي شيء أكثر وضوحًا من هذا كرمز للمعمودية؟! فالشعوب تخلص من العالم بواسطة الماء، إذ يتركون الشيطان الذي كان يطغي عليهم، فيهلك في الماء [35].

العلامة ترتليان

* يريد (فرعون وجنوده) أن يصلوا إليك، لكنك إذ تنزل في المياه تخرج منها إنسانًا صحيحًا سليمًا، حيث تغتسل فيها من نجاسات الخطيئة لتصعد إنسانًا جديدًا مستعدًا للتسبيح بالنشيد الجديد (إش 42: 10) [36].

العلامة أوريجينوس

* البحر الاحمر الذي تَقّبل الإسرائيليين الذين لم يخافونه، هذا الذي خلصهم من الشرور التي أضمرها لهم المصريون المقتفون آثارهم، كان -كل تاريخ الخروج- رمزًا للخلاص الذي يتم في المعمودية.

مصر في الحقيقة ترمز هنا إلى العالم الذي نمارس فيه شقاءنا بالحياة الشريرة التي نعيشها، والشعب هم الذين يستنيرون (يعتمدون)، والماء هو واسطة الخلاص للشعب يمثل المعمودية. فرعون وجنوده رمز للشيطان وأعوانه [37].

القديس ديديموس الضرير

* خلاص إسرائيل من فرعون كان خلال البحر، وخلاص العالم من الخطيئة يتم بغسل الماء بكلمة الله (أف 5: 26) [38].

القديس كيرلس الأورشليمي

* لقد قدم لنا ما يخص خروج إسرائيل لكي نعرف الذين يخلصون بالمعمودية...

البحر هو رمز للمعمودية، فخلص الشعب من فرعون كما تخلص أنت من طغيان إبليس في المعمودية. أهلك البحر العدو، وفي المعمودية تُقتل عداوتنا لله. خرج الشعب من البحر أصحاء وسالمين، ونحن أيضًا نخرج من الماء كمن هم أحياء يخرجون من بين الأموات.

* لو لم يعبر إسرائيل البحر لما نجا من فرعون، وأنت إن لم تدخل المياه فلن تهرب من طغيان الشيطان القاسي [39].

القديس باسيليوس الكبير

* عبور البحر الاحمر كقول القديس بولس نفسه هو نبوة عن سرّ المعمودية... في الحقيقة إذ يقترب الشعب الآن إلى مياه التجديد، يكونون كمن يهربون من مصر التي تشير إلى الخطيئة (في ذاك الوقت)، فيتحررون ويخلصون، أما إبليس وأعوانه مع أرواح الشر فيهلكون.

* تلقي الشهوات بنفسها في المياه لكي تقتفي أثر العبرانيين، لكن المياه التي تمثل عنصر حياة بالنسبة للذين يلتجئون إليها تكون عنصر موت للذين يقتفون أثرهم [40].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

* أي شيء أعظم من عبور البحر بواسطة الشعب اليهودي؟! ومع هذا فإن اليهود الذين اجتازوه مات جميعهم في البرية! أما الذي يعبر هذا الينبوع (المعمودية) أي يجتاز من الأرضيات إلى السماويات، فيُحسب ذلك بحق تحول أو عبور، عبور من الخطيئة إلى الحياة، فلا يموت بل يقوم.

* عمود السحاب هو الروح القدس. فقد كان الشعب في البحر، وكان عمود النور يتقدمهم، عندئذ تبعهم عمود السحاب كظل للروح القدس. ها أنت ترى كيف ظهر بوضوح الروح القدس والماء كمثال للمعمودية [41].

القديس أمبروسيوس

أخيرًا يرى القديس كبريانوس في هلاك فرعون وجنوده رمزًا لجحد الشيطان وملائكته أثناء ممارسة طقس العماد، حيث ينال طالب العماد قوة للغلبة على قوات الظلمة والتحرر من سلطانهم [42].

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

4. مياه "مارة"

في طقس الكنيسة القبطية يصلي الكاهن أثناء تقديس مياه المعمودية قائلًا: "أنت أمرت الصخرة الصماء فأفاضت الماء لشعبك، وأيضًا المياه المُرّة نقلتها إلى مياه حلوة..." هكذا تتطلع الكنيسة إلى تحويل مياه "مارة" المُرّة إلى مياه حلوة كرمز للمعمودية.

* كانت مارة عين ماء شديدة المرارة، فلما طرح فيها موسى الشجرة أصبحت مياهها عذبة، لأن الماء بدون الكرازة بصليب الرب لا فائدة منه للخلاص العتيد، ولكن بعد أن تكرس بسرّ صليب الخلاص يصبح مناسبًا لاستعماله في الجرن الروحي وكأس الخلاص. إذ كما ألقى موسى النبي الخشبة في تلك العين، هكذا أيضًا ينطق الكاهن على جرن المعمودية بشهادة صليب الرب، فيصبح الماء عذبًا بسبب النعمة [43].

القديس أمبروسيوس

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

5. عبور يشوع نهر الأردن

في الليتورجيا القبطية وأيضًا الإثيوبية الخاصة بتقديس مياه المعمودية -بعد الإشارة إلى المياه الخاصة ببدء الخليقة والطوفان وعبور البحر الاحمر ومياه مارة وصخرة حوريب- ورد الحديث عن مجموعة أخرى هي: "عبور يشوع بن نون نهر الأردن، وقبول ذبيحة إيليا بالماء، وشفاء نعمان السرياني في نهر الأردن. وقد ورد الحديث عنها في أعمال العلامة أوريجينوس السكندري ومن بعده أخذها الآباء عنه، لذا يرى دانيلو أن هذه المجموعة إسكندرانية المنشأ، نشأت عن التقليد الليتورجي لكنيسة الإسكندرية، وإن ما جاء عنها في أعمال أوريجينوس لا يمثل رأيًا شخصيًا بل يعكس فكر كنيسته وتقليدها في ذلك الحين [44].

يرى العلامة أوريجينوس في عبور يشوع بن نون نهر الأردن رمزًا للمعمودية أفضل من عبور موسى النبي البحر الاحمر، وإن كان لا ينكر ما للأخير من أهمية كمركز للمعمودية:

أ. في معمودية موسى والشعب خلال البحر الاحمر والسحابة وُجدت مشقة بل وملحًا، إذ كانوا يخافون عدوهم (فرعون وجنوده)، بل صرخوا للرب ولموسى قائلين: هل لأنه لا توجد قبور في مصر أتيت لتهلكنا في البرية؟! (خر 14: 11)، أما معمودية يشوع فحدثت في مياه هادئة عذبة يمكن شربها، وهي بهذا أشرف من المياه السابقة، لأن الإيمان في عهد يشوع كان قد نما وأصبح واضحًا منظمًا.

ب. في عبور يشوع بن نون تقدم الشعب تابوت العهد يحمله الكهنة واللاويين ثم تبع الشعب خدام الله بعد أن تطهروا (يش 3: 5). يرى العلامة أوريجينوس في حمل الكهنة للتابوت أثناء العبور إشارة واضحة إلى تدبير الآب الخاص بالابن الذي رفعه وأعطاه هذه الخدمة حتى تجثو له كل ركبة مما في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب (في 2: 9-11).

ج. تم الفصح قبل عبور البحر الاحمر، أما في أيام يشوع فاحتفلوا بالفصح بعد العبور، وقد اختتنوا بحجر حاد علامة هلاك الإنسان القديم الشرير، ونزع العار عنهم.

د. بعد العبور أكلوا الفصح بخبزٍ غير مختمر من قمح أرض الميعاد، فتمتعوا بطعام جديد غير المن، وكأنهم كانوا يأكلون من طعام أورشليم الجديدة العليا.

ه. بعد عبور نهر الأردن سقطت أريحا إشارة إلى هلاك الإنسان القديم الشرير [45].

يقول أيضًا إن من يذهب إلى الأردن لا يهرب إليه في صمت، بل يحمل معه الأبواق التي تعلن الأسرار الإلهية، كارزًا بالبوق السماوي [46].

لقد حملوا من وسط قاع نهر الأردن اثني عشر حجرًا وعبروا بها النهر، وكأنما قد انطلقت الكنيسة -حجارة الله الحيَّة- إلى الوجود خلال مياه المعمودية، كل إنسان يصير حجرًا حيًا في هيكل الرب.

* يقدم لنا يشوع بن نون رمزًا للمسيح بطرق كثيرة. فبعد عبوره الأردن بدأ يمارس قيادته للشعب، لهذا اعتمد المسيح أولًا ثم بدأ حياته العملية.

أقام ابن نون اثني عشر رجلًا لتقسيم الميراث، وأرسل يسوع اثني عشر رسولًا إلى كل العالم يكرزون بالحق.

الذي كان رمزًا أنقذ راحاب لأنها آمنت، والذي هو الحق قال أن العشارين والزناة يسبقونهم إلى ملكوت الله.

سقطت أسوار أريحا لمجرد سماعها صوت الأبواق في وقت الرمز، وبكلمة يسوع سقط هيكل أورشليم أمام أعيننا ولم يبقَ حجر على حجر [47].

القديس كيرلس الأورشليمي

* يشوع بن نون العبد مدبر العهد القديم، ويسوع ابن الله مدبر العهد الجديد. هناك تابوت العهد من الخشب الميت وقد زُين بصفائح ذهب، أما هنا فتابوت العهد هو ناسوت المسيح من لحم ودم حيّ طاهر مزيّن بالروح القدس. هناك اثنا عشر حجرًا صماء بلا روح، وهنا اثنَا عشر تلميذًا ورسولًا روحيون ومقدسون.

لقد انشق الأردن ووقفت المياه النازلة من فوق في جانب واحد، بينما نزلت المياه المنحدرة نحو البحر المالح. هنا يظهر فرق الإيمان بالمسيح بين المؤمنين وغير المؤمنين. فيقف المؤمنون والمولودون من الماء والروح في جانب واحد على العذوبة ككنيسة واحدة مؤسسة على صفات الإيمان، بينما ينحدر غير المؤمنين النازلون إلى أسفل نحو البحر المالح الذي هو البحر الميت، وإلى ملوحة الكفر.

القديس أثناسيوس الرسولي

* لم يتسلم الشعب العبراني أرض الموعد قبل عبوره الأردن تحت قيادة يشوع، وقد أقام اثني عشر حجرًا في النهر كرمز واضح للاثني عشر خادمًا للمعمودية.

* لقد تمجد الأردن لأنه يجدد أناسًا، ويزرعهم في فردوس الله [48].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

6. قبول ذبيحة إيليا على جبل الكرمل (1 مل 18)

* قرّب إيليا عجلًا على جبل الكرمل، وقطّعه إربًا، وبنى مذبحًا، ووضع عليه حطبًا والقربان على الحطب، ثم أمر أعوانه وصحبه فحفروا خندقًا مثالًا للمعمودية، وأن يصبّوا على ذلك كله ماءًا فصبّوا، وقال لهم ثنوا فثنوا، وثلثوا فثلثوا قياسًا لتثليث غطسات المعمودية، وامتلأ الخندق ماءً. ثم صلى إلى الرب أن يستجيبه بنارٍ، فنزلت نار من السماء فأكلت القربان والحطب والماء ولحست الأرض، تحقيقًا لقبول الرب القربان والماء، ومثالًا لنزول الروح القدس على ماء المعمودية وعلى قربان المذبح..

ومن بعد ذلك تمكن إيليا من أعدائه الكفرة كهنة إبليس، وقتلهم مثالًا لتمكن المؤمن بالمسيح من بعد المعمودية والقربان، من أعدائه -إبليس والشياطين- بعون الرب [49].

القديس أثناسيوس الرسولي

* بهذا تنبأ إيليا بوضوح مُقدمًا عن سرّ المعمودية العتيد أن يتحقق. نزلت النار على المياه التي سًكبت ثلاث مرات ليظهر أنه حيث يوجد الماء السرائري يكون الروح الذي يهب حياة ويحرق ويلهب، يبيد الشرير (الإنسان القديم) وينير المؤمن [50].

القديس غريغوريوس النيسي

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

7. عبور إيليا نهر الأردن

* يليق بنا أن نلاحظ أنه قبل أن يُحمل إيليا في الزوبعة كما إلى السماء، أخذ رداءه ولفَّه ثم ضرب به الماء فانشق إلى اثنين وعبر هو وإليشع (2 مل 2: 8). بهذا اعتمدا في الأردن، لأن بولس كما سبق فقلت دعي عبور هذه المياه العجيب عمادًا. بهذا تهيأ إيليا للارتفاع [51].

العلامة أوريجينوس

* ارتفع إيليا إلى السماء، ولكن ليس بدون ماء. لقد بدأ بعبور الأردن بعد ذلك حملته المركبة إلى السماء [52].

القديس كيرلس الأورشليمي

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

8. شفاء نعمان السرياني (2 مل 5)

بمشورة فتاة صغيرة أسيرة لدى الآراميين جاء نعمان السرياني بخيله ومركباته ووقف عند باب بيت إليشع يطلب الشفاء من برصه. لم يخرج إليه إليشع بل أرسل إليه يقول: "اذهب واغتسل سبع مرات في الأردن فيرجع لحمك إليك وتطهر". تذمر نعمان قائلًا: "هوذا قلت أنه يخرج إليَّ ويقف ويدعو باسم الرب إلهه ويردّد يده فوق الموضع فيشفي الأبرص، أليس ألبانه وفرفر نهرا دمشق أحسن من جميع مياه إسرائيل؟! أما كنت أغتسل بهما فأطهر؟!" ورجع ومضى بغيظ، لكن أشار إليه عبيده أن يطيع كلمات النبي، فأطاع ورجع لحمه كلحم صبيٍ صغيرٍ وطهر، فرجع إلى رجل الله هو وكل جيشه ودخل ووقف أمامه.

جذب هذا الرمز أنظار آباء مدرسة السكندرية، إذ رأوا فيه صورة حيّة للمعمودية المسيحية، وقبل أن نورد بعض تعليقات هؤلاء الآباء وغيرهم أود أن أوضح في هذا الرمز أن نعمان لم يلتقِ مع إليشع قبل دخوله نهر الأردن مع أنه كان عند بابه، ولكنه تلاقى معه بعد دخوله النهر. فإنه لا يستطيع أحد أن يدخل في شركة مع السيد المسيح ما لم يتقبل أولًا الميلاد الجديد في المعمودية. هذا ونلاحظ أيضًا أن ملك إسرائيل شق ثيابه عند قراءته خطاب ملك آرام، وقال: "هل أنا الله، لكي أٌميت وأحيّي حتى أن هذا يرسل إليَّ أن أشفي رجلًا من برصه؟!" فنطق الملك بنبوة عن قوة المعمودية دون أن يدري، إذ ليس في قدرة إنسان أو خليقة ما أن يهب التجديد في مياه المعمودية بل هو عمل الله نفسه الذي يغسلنا من برص الخطية، هو الذي يميت إنساننا القديم ويحي إنسانًا جديدًا فينا. أما شق الثياب فعلامة نزع المُلك عن إسرائيل القديم ليحل ملك جديد، من نوع آخر، ملكوته روحي أبدي.

* لكي نفهم معنى الأردن الذي يطفئ الظمأ ويروي النعم، من المفيد لنا أن نشير أيضًا إلى نعمان السرياني الذي برأ من البرص...

ليس نهر آخر ينزع البرص من الإنسان إلا ذاك النهر الواحد (الأردن)، إن دخله الإنسان بإيمان وغسل نفسه في يسوع! السبب في ذلك أن الذين يغتسلون فيه يخلصون من عار مصر (محبة العالم). [إذ عبر فيه يشوع بعد ترك مصر والبرية]، ويصيرون قادرين على الصعود إلى السماء [عبر فيه إيليا قبل ارتفاعه]، ويتطهّرون من البرص المرعب للغاية [نعمان السرياني]، بهذا يصيرون متأهلين لقبول الروح القدس [53].

* لم يتطهر أحد إلا نعمان السرياني الذي ليس من إسرائيل.

انظر، إن الذين يغتسلون بواسطة إليشع الروحي الذي هو ربنا ومخلصنا يتطهرون في سرّ المعمودية، ويغتسلون من وصمة الحرف (الذي للناموس).

لقد قيل لك: قم، اذهب إلى الأردن واغتسل، فيتجدد جسدك. لقد قام نعمان وذهب واغتسل رمزًا للمعمودية، فصار جسمه كجسم صبيٍ صغيرٍ. من هو هذا الصبي؟ إنه ذاك الذي يُولد في جرن التجديد [54].

العلامة أوريجينوس

* أعلن إليشع النبي مُقدمًا عن غنى مياه المعمودية غير الموصوف. وفي نفس الوقت أشار إلى أنه سيمتد إلى كل الذين يرغبون في قبول الإيمان، فقد أرسل نعمان الأبرص الذي كان غريبًا الذي طلب الشفاء، وأمره أن يغطس سبع مرات في الأردن.

لقد أوضح له أنه يلزمه أن يغطس سبع مرات، لكي يتعلم هذا الغريب أن الله استراح في اليوم السابع، أو لأنه كان يشير إلى الروح الإلهي بطريقة رمزية [55].

القديس ديديموس الضرير

* مجيء نعمان السرياني وشفاؤه باستحمامه في مياه الأردن كان قياسًا لنقاء أنفس المؤمنين المعتمدين بالمسيح من خطاياهم. وكان الموضع الذي استحم فيه نعمان في نهر الأردن هو الذي وقف فيه تابوت الرب على عهد يشوع بن نون، وفيه تعمد المسيح ابن الله فحقق الرسم بالحقيقة [56].

القديس أثناسيوس الرسولي

يعلق القديس على شفاء نعمان السرياني، قائلًا:

* في الحقيقة الأردن وحده بين كل الأنهار تقبَّل باكورة التقديس والبركة، وأفاض كينبوع نعمة المعمودية على العالم كله [57].

القديس غريغوريوس النيسي

* الشعب الذي -كان غريبًا- كانوا بُرصًا قبل عمادهم في النهر السرّي، هؤلاء يتطهرون بسرّ المعمودية من وصمات نفوسهم وأجسادهم. حقًا لقد أُعلن للأمم عن خلاصهم المقبل خلال مثال نعمان [58].

القديس أمبروسيوس

* افهموا الآن من هي تلك الفتاة الصغيرة بين الأسرى؟ إنها الجماعة التي جُمعت من الأمم، كنيسة الله التي كانت مستعبدة قديمًا في أسر الخطيئة عندما لم تكن لها حرية النعمة، هذه التي بواسطة تدبيرها سمع الناس الأغبياء من الأمم كلمة النبوّة التي كانوا يُشّكون فيها قبلًا، ولكن بعدما آمنوا أنه ينبغي أن تُطاع اغتسلوا من دنس الخطيئة. لقد شك نعمان قبل أن يبرأ، أما أنتم فقد برئتم فلا ينبغي إذن أن تشكّوا [59].

القديس أمبروسيوس

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

9. إخراج الفأس من الماء (2 مل 6)

إذا أراد بنو الأنبياء أن يقيموا لأنفسهم بيوتًا استأذنوا إليشع النبي فسمح لهم، وبينما كان أحدهم يقطع خشبة سقطت الفأس الحديدية في الماء، فألقى النبي خشبة في الماء فللحال طفت الفأس على وجه المياه، هذا الرمز كما يقول القديس أمبروسيوس يكشف عن عجز القوة البشرية عن الخلاص، والحاجة إلى قوة الله لخلاصنا في المعمودية [60].

* ألقى إليشع قطعة خشب على مجرى الأردن، فاسترد من الماء حديد الفأس الذي أراد أبناء الأنبياء أن يقطعوا به الخشب لبناء بيوتهم. هكذا خلصنا مسيحنا في المعمودية من خطايانا الثقيلة بصلبه على الخشبة والعماد في الماء.

القديس يوستين

* إليشع رجل الله الذي سأل: أين سقطت الفأس؟ (2 مل 6) كان رمزًا لله الذي يأتي بين البشر، هذا الذي سأل آدم: أين أنت؟

سقوط الحديد في الأعماق المظلمة هو رمز لثقل الطبيعة البشرية الخالية من النور.

الخشبة التي أٌخذت وأٌلقيت في الموضع حيث كان الشيء الذي يبحث عنه ترمز للصليب المجيد.

الأردن هو المعمودية الخالدة. حقًا، من أجلنا عيَّن خالق الأردن أن يعتمد في الأردن.

أخيرًا فإن الحديد الذي طفا على المياه وعاد إلى من قد فقده يشير إلى أننا في المعمودية نصعد إلى الأعالي السماوية، ونجد النعمة التي هي مسكننا الحقيقي القديم.

لو أن إنسانًا ظن أن هذا الموضوع ليس نبوة عن المعمودية، فلماذا سجله الكتاب المقدس؟! [61]

القديس ديديموس الضرير

* كما أن الحطب الذي من طبعه الخفة لما أُلقي في الماء في أيام إليشع أخرج الحديد من طبعه الثقيل (2 مل 6: 16)، فكم بالأحرى يرسل الرب إلينا روحه الخفيف النشيط الصالح السماوي وبواسطته يخرج النفس التي غطست في مياه الإثم، ويُصيّرها خفيفة، ويرفعها على جناحه تجاه أعالي السماء، ويغير طبيعتها الأصلية تغيرًا كاملًا.

وكما أنه في الأمور المنظورة لا يقدر أحد من نفسه أن يجتاز البحر ويعبره، إلا إذا كان له قارب خفيف مصنوع من الخشب يسير على المياه، لأن من يزعم أن يسير على البحر يغرق ويهلك، هكذا لا يمكن للنفس أن تعبر بذاتها بحر الخطيئة المُرّ وتعلو عليه وتجتاز الهُوّة الصعبة التي هي هُوَّة قوات الظلمة الخبيثة في الهواء، إلا إذا أحرزت روح المسيح اللطيف السماوي الخفيف الذي يسير بها ويعبر بها من كل خبث. بواسطة هذا الروح يمكنها أن تصل إلى ميناء الراحة السماوية من معبر ضيّق إلى مدينة الملكوت [62].

القديس مقاريوس الكبير

في شرحنا لسفر الخروج [63] رأينا أن الأشرار قد شُبهوا بالرصاص الذي هبط في الأعماق (خر 15: 5-10)، فالشر كالرصاص يجعل النفس تهبط (زك 5: 8)، أما القديسون فلا يغوصون بل يمشون على المياه، إذ ليس فيهم ثقل الخطيئة. هذا هو عمل الروح القدس، ففي المعمودية يُنزع الرصاص عنهم لكي يصيروا خفيفي الوزن. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لقد مشى ربنا ومخلصنا على المياه (مت 14: 25)، هذا الذي بالحقيقة لا يعرف الخطيئة، ومشى تلميذه بطرس مع أنه ارتعب قليلًا إذ لم يكن قلبه طاهرًا بالكلية، إنما حمل في داخله شيئًا من الرصاص... لهذا قال الرب: يا قليل الإيمان لماذا شككت؟ فالذي يخلص إنما يخلص كما بنار (1 كو 3: 15). حتى وإن وُجد فيه رصاص يُصهر [64].]

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

10. رؤيا حزقيال (47: 1-12)

في ليتورجيا تبريك المياه في عيد الغطاس حسب الطقس القبطي تُقرأ هذه الرؤيا التي تقدم صورة حيّة لعمل المعمودية المسيحية من جوانب متعددة، نذكر على سبيل المثال، وبشيء من الاختصار:

أ. رأى حزقيال النبي مياه نازلة من تحت عتبة البيت نحو المشرق، من الجانب الأيمن عن جنوب المذبح. ما هو هذا البيت المتجه نحو المشرق إلا كنيسة العهد الجديد التي تتجه نحو المسيح مشرقها، وتحتضن المذبح المقدس، حيث تقدم عليه ذبيحة العهد الجديد؟! أما هذه المياه التي عند عتبة البيت، بدونها لا يقدر أحد أن يدخل البيت المقدس، هي مياه المعمودية المقدسة التي تحمل قوتها خلال الذبيحة، كقول الرسول: "الذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح والماء والدم، والثلاثة هم في واحد" (1 يو 5: 8). هذه هي المعمودية المسيحية التي من فعل الروح القدس الذي يعمل في المياه خلال دم السيد المسيح.

ب. رأى حزقيال النبي رجلًا قاس ألف ذراع وعبر به إلى المياه ثم قاس ألفًا ثانية فثالثة وعند الرابعة يقول: "وإذا بنهر لم استطع عبوره، لأن المياه طمت، مياه سباحة نهر لا يُعبر، وقال لي: أرأيت يا ابن آدم؟ ثم ذهب بي وأرجعني إلى شاطئ النهر" (حز 5: 5-6). ما هذا المنظر إلا العبور بحزقيال النبي إلى أسرار المعمودية. نحن نعرف أن رقم 1000 يشير إلى "الحياة السماوية" لأن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيومٍ واحدٍ، أما تكرار الألف أربع مرات فلأن المعمودية تفيض بالحياة السماوية على المسكونة في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، لكي تحتضن كل الأمم والشعوب. عندئذ إذ تأمل النبي أسرار المعمودية وجدها تفوق كل إدراكه، مثل نهر لا يُمكن عبوره، فالتزم بالعودة إلى الشاطئ يتأمل عمل الله مع الناس خلال هذه المياه المقدسة.

ج. سُئل النبي: أرأيت يا ابن آدم؟ هذا السؤال يذكرنا بقول الله لآدم: "أين أنت؟". فإن كان آدم قد فقد بهاء طبعه وأمجاده في الفردوس، الآن يستعيد ما قد فقده... هذا هو سرّ السؤال التعجبي!

د. عند رجوعه إلى الشاطئ رأى النبي أشجارًا كثيرة جدًا من هنا ومن هناك [ع 7]. هذه صورة رمزية للمؤمنين المغروسين على مجاري المياه، الذين يعطون ثمرهم في الوقت المناسب وورقهم لا يذبل، وكل ما يصنعونه ينجحون فيه (مز 1: 3). هؤلاء هم المؤمنون الذين تمتعوا بالروح القدس كينبوع مياه حيّة يرويهم، فصاروا أشجارًا كثيرة جدًا في فردوس الرب.

ه. رأى أيضًا السمك كثيرًا جدًا [ع 9]... رأى أنواعًا كثيرة كسمك البحر العظيم كثيرًا جدًا [ع 10]. كما تشير الأشجار المثمرة الكثيرة جدًا إلى المؤمنين الذين تمثَّلوا بالمسيح شجرة الحياة، هكذا يشير السمك الكثير جدًا، ذو الأنواع الكثيرة إلى المؤمنين أيضًا الذين تمثَّلوا بالسيد المسيح السمكة (إخسوس)، يعيشون في مياه المعمودية [65]. يقول العلامة ترتليان: [نحن السمك الصغير بحسب سمكتنا يسوع المسيح قد وُلدنا في المياه، ولا نكون في أمان بطريق ما غير بقائنا في المياه على الدوام.]

و. يتحدث النبي أيضًا عن تقديس مياه المعمودية بقوله: "لان مياهه خارجة من القدس" [ع 12].

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

11. مزمور 22 (23)

يرى كثير من آباء الكنيسة في هذا المزمور تسبحة جميلة تغنى بها داود النبي حين لمس رعاية الله في حياة كل عضو من أعضاء شعب الله خلال أعماله السرائرية، خاصة الإفخارستيا والمعمودية والميرون.

يفتتح المرتل تسبحته بقوله: "الربُّ راعيَّ فلا يُعْوِزني شيء"، موضحًا حالة الفرح الداخلي التي تملأ قلب المؤمن بشبعه الروحي من النعم الإلهية، التي تُغدق عليه خلال هذه الأسرار الإلهية.

أما قوله: "في مراعِ خضر يُربِضني"، فيرى القديس غريغوريوس النيسي أن هذه المراعي الخضراء هي كلمة الله التي تقدم للموعوظين قبل عمادهم.

"إلى مياه الراحة يوردني" [ع 2]: يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [مياه الراحة بلا شك تعني المعمودية التي تزيل ثقل الخطيئة [66].] ويقول القديس كيرلس السكندري: [المراعي هي الفردوس الذي سقطنا منه، هذا الذي يقودنا المسيح إليه ويقيمنا فيه بواسطة مياه الراحة التي هي المعمودية [67].]

"أيضًا إن سِرْتُ في وادي ظل الموت لا أخاف شرًّا لأنك أنت معي. عصاك وعكَّازك هما يعزّيانني" (ع 4). يعلق الآباء على هذه الكلمات بالقول:

* يلزمك أن تدفن بالموت معه في المعمودية، لكنه ليس في ذات الموت إنما تدخل في ظل الموت وصورته [68].

القديس غريغوريوس النيسي

* إذ نعتمد في موت المسيح تسمى المعمودية ظل الموت وصورته فلا تخيفنا [69].

القديس كيرلس السكندري

* عندئذ يقود الإنسان بعصا الروح، فبالحق (الذي يقود) الروح هو الباركليت [70].

القديس غريغوريوس النيسي

"مسحتَ بالدهن رأسي" [ع 5.] يقول القديس كيرلس الأورشليمي: "إنه يدهن رؤوسكم بزيت على جباهكم، بالختم الذي تتقبلونه من الله، كما تحملوا علامة الختم [71]".

هذه صورة مختصرة لفهم الآباء لهذا المزمور بطريقة سرائرية، ولعل هذا ما دفع بعض الكنائس الأولى أن تجعله "مزمور المعمودية" الذي يترنم به المعمدون حديثًا وهم خارجون من حجرة المعمودية متجهين نحو صحن الكنيسة، للاشتراك لأول مرة في ليتورجيا الإفخارستيا يوم عيد القيامة (الفصح) ليتمتعوا بالمائدة الدسمة. إنه أنشودة الفرح برعاية الله للكنيسة خلال جرن المعمودية ومسحة الميرون والمذبح المقدس!

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

12. العهود وخدمة الكهنوت

يرى القديس كيرلس الأورشليمي [72] أنه حيثما يقيم الله عهدًا يوجد الماء إشارة إلى المعمودية التي خلالها ندخل مع الله في عهد فيه نلتزم بجحد الشيطان ومملكته، وقبول روح البنوة لله وملكوت الله. وكما سنرى في دراستنا لطقس العماد في الكنيسة الأولى أن بعض الآباء كانوا يتطلعون إلى ترديد قانون الإيمان وسط مياه المعمودية، كتوقيع عهدٍ أو عقدٍ يُكتب بالروح القدس ويُسجل في أسفار السماء.

في القديم إذ قطع الله مع نوح عهدًا، قائلًا فيه: "ها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. ومع كل ذوات الأنفس الحيَّة التي معكم..." (تك 9: 8-10)، تم ذلك بعد الطوفان.

وحين أقام الله مع موسى عهدًا كان هناك ماء أيضًا، يقول الرسول: "لأن موسى بعدما كلَّم جميع الشعب بكل وصيَّةٍ بحسب الناموس، أخذ دم العجول والتيوس مع ماءٍ وصوفًا قرمزيًّا وزوفا ورشَّ الكتاب نفسهُ وجميع الشعب قائلًا: هذا هو دم العهد الذي أوصاكم الله بهِ" (عب 9: 19-20).

وهارون لم يصر رئيسًا للكهنة يُمارس عمله الشفاعي عن شعبه إلا بعد أن اغتسل: "لأنه كيف يقدر أن يصلي من أجل الآخرين إن لم يتطهر بالماء؟! [73]، وكان رئيس الكهنة يغتسل دومًا قبل أن يقدم بخورًا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. كما وُجدت المرحضة في الهيكل وخيمة الاجتماع إشارة إلى المعمودية، التي بدونها لا يقدر أحد أن يدخل مقدسات الله.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

13. المزمور الثاني والثلاثون

يرى البعض [74] في هذا المزمور أن داود النبي يترنم بعمل الله في سرّ المعمودية، إذ يفتتحه بالقول: "طوبى للذي غُفر إثمه وسُتِرت خطيته، طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا في روحه غش". هذا هو عمل نعمة الله الغنية في المعمودية التي تغفر خطايانا وتستر علينا مجانًا. هنا لاحظ الأب دانيال الصلحي [75] أن المزمور يبدأ بالكلمات: "طوبى للذي..." وكأن باب المعمودية مفتوح لجميع الأمم والشعوب ولم تعد المغفرة قاصرة على شعب إسرائيل.

ويعلق الأب دانيال الصلحي أيضًا على العبارة الواردة في المزمور "ليس في قلبه (روحه) غش"، قائلًا: [كثيرون إذ يرغبون في رئاسة الكهنوت يُقبلون على العماد لكي ينالوا درجة الكهنوت المكرمَّة. هؤلاء يتقدمون للمعمودية بقلب غاش، فلا يستحقون الغفران. إنهم ينزلون جرن الخلاص ومعهم علامة الإنسان العتيق ويصعدون غير مغسولين. إنهم يدنون من المعمودية المقدسة مثل بني جبعون بأوانٍ بالية وزقاق مشققة يتقدمون للرب. إنه لا يليق أن تكون الرقعة البالية في الثوب الجديد أي المعمودية المقدسة.]

وإذ تقدم الكنيسة ليتورجية شكر لله في اليوم الثامن من المعمودية لم تجد أفضل من مقدمة هذا المزمور تترنم به قبل قراءة الإنجيل.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

14. المزمور الرابع والعشرون

يرى البعض [76] في هذا المزمور أنه خاص بالمعمودية المقدسة، إذ يبدأ بالقول: "للربّ الأرض ومِلؤُها. المسكونة وكل الساكنين فيها. لأنهُ على البحار أسَّسها وعلى الأنهار ثبَّتها". الرب يجدد الأرض وكل الساكنين فيها: من جميع الأمم والشعوب على بحار المعمودية وأنهارها المقدسة. يقول الأب دانيال الصلحي: [لأن الطوباوي داود لما قال هذا كان ينظر مُقدمًا إلى غرض المسيح مخلصنا فيما يخص ميلادنا. فالأرض الموضوعة أساساتها في البحر إنما هي الكنيسة التي يقيمها الله في وسط بحر المعمودية.]

أما تكملة المزمور: "مَنْ يصعد إلى جبل الربّ ومَنْ يقوم في موضع قدسهِ؟!" [ع 3]، فيتحدث عن السيد المسيح الذي وحده الطاهر اليدين والنقي القلب [ع 4] يرتفع بنا إلى جبل المعمودية المقدسة ويدخل إلى المقدسات الإلهية.

إذ يتحقق هذا تؤخذ الملائكة في دهشة فتقول: "ارتفعنَ أيتها الأبواب الدهريَّات فيدخل ملك المجد!"، فإنه يدخل حاملًا معه الذين اتحدوا به في مياه المعمودية.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

15. حزقيال 16

يصف الرب على لسان حزقيال النبي ما كانت عليه النفس البشرية قبل تمتعها بسرّ العماد، وما صارت إليه خلال هذه المياه المقدسة، فيقول: "أبوكِ أَموريّ وأمكِ حثِّيَّة. أمَّا ميلادكِ يومَ وُلِدتِ فلم تُقطَع سرَّتكِ ولم تُغسَلي بالماءِ للتنظُّفِ ولم تُملَّحي تمليحًا ولم تُقَّمطي تقميطًا. لم تشفِق عليكِ عين.. فمررتُ بكِ ورأيتُكِ مدوسةً بدمِكِ.. وقد كنتِ عريانة وعارية. فمررتُ بكِ ورأيتُكِ وإذا زمنُكِ زمن الحب. فبسطتُ ذيلي عليكِ وسترتُ عورتكِ وحلفتُ لكِ ودخلتُ معكِ في عهدٍ يقول السيد الرب فصرتِ لي. فحَّممتكِ بالماءِ وغسلتُ عنكِ دماءَكِ ومسحتكِ بالزيت. وألبستُكِ مطرَّزًة ونعلتُكِ بالتَّخَس، وأزَّرتُكِ بالكتان وكسوتُكِ بزًّا. وحليتُكِ بالحُلي فوضعتُ إسورة في يديكِ وطوقًا في عنقُكِ. ووضعتُ خُزامةٍ في أنفكِ، وأقراطًا في أُذنيكِ، وتاج جمالٍ على رأسكِ. فتحلّيتِ بالذهب والفضة ولباسكِ الكتان والبزُّ والمطرَّز. وأكلتِ السميذ والعسل والزيت، وجَمُلْتِ جدًّا جدًّا فصلُحتِ لمملكةٍ. وخرجَ لكِ اسم في الأمم لجمالك،ِ لأنهُ كان كاملًا ببهائي الذي جعلتُهُ عليكِ يقول السيد الرب" [ع 3-14].

لا تحتاج هذه النبوة الصريحة عن عمل النعمة الإلهية في حياة المؤمنين خلال المعمودية إلى كلمات للتوضيح، فبعد ما كنت في عارٍ وهوانٍ وجوعٍ وعطشٍ وقُبحٍ وفقرٍ تمتعت بأسرار الله المشبعة للنفس الواهبة أمجاد إلهية.

أ. يقول للنفس: "أبوكِ أموري وأمك حثِّيَّة"، أي كانت تحمل روح الأمم الوثنيين، أما في المعمودية فصار الله أباها والكنيسة أمها، دخلتْ إلى العضوية في العائلة الإلهية.

ب. منذ ميلادها كانت مملوءة دنسًا وقبحًا إذ لم تُقطع سرتها، ولم تُغسل بالماء للنظافة، ولا قُمطت بأقماطٍ، ولم تشفق عليها عين. أما في المعمودية فلم تتطلع إليها عين بشرية، بل مرّ بها الرب نفسه ونظر عريها وخزيها ودنسها، فأحبها وبسط ذيله عليها ليستر ضعفاتها ونجاساتها، حمَّمها بالمياه المقدسة وغسل عنها دماء خطاياها بدمه الطاهر، ومسحها بزيت نعمته، وألبسها ثوب البرّ والخلاص وأعطاها نعلًا يسندها في الطريق ويحمي قدميها. قدم لها الحُلي الذي هو عربون الروح. إذ خطبها لنفسه عروسًا وجعلها ملكة تجلس عن يمينه. كللها بتاج سماوي يُفرِّح قلبها وقلوب السمائيين. جمّلها جدًا جدًا، لأنه سكب بهاءه عليها، فحملت صورته في داخلها. أكلت السميذ والعسل والزيت، فشبعت من ثمر الروح القدس، وصار لها اسم عريسها بين الأمم، منقوشًا على جبهتها وفي أعماقها.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

16. يونان في الحوت

إن كان يونان بدخوله إلى جوف الحوت صار آية رمزية لدفن السيد المسيح وقيامته كقول السيد نفسه، فإنه حمل أيضًا رمزًا للمعمودية المقدسة، التي في حقيقتها هي دفن وقيامة مع السيد المسيح.

في وسط المياه تغيرت إرادة يونان، فبعدما كان مُصَرًا على إرادته الذاتية تعلم الطاعة لإرادة الله. هذا هو عمل المعمودية في حياة الإنسان أن يموت الإنسان عن ذاته، ليحيا بإرادة الله القوية الحية.

في وسط المياه تعلم يونان التسبيح لله (يونان 2) مع أنه كان داخل الضيقة المرة، هذا أيضًا هو عمل المعمودية أن يحيا الإنسان بروح الرجاء والفرح والتسبيح من أجل الخلاص الذي قدمه الله لنا ونحن وسط الضيقة العظيمة.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

17. التطهيرات بالماء

كان الماء يمثل عنصرًا رئيسيًا في الطقس اليهودي الخاص بالتطهيرات، فكان رئيس الكهنة والكهنة يغتسلون بالماء قبل ارتدائهم ثياب الخدمة الكهنوتية (خر 29: 4؛ 40: 12) وفي يوم التكفير العظيم (لا 16: 4، 24)، ويستخدم الماء الحيّ أيضًا في التطهير من النجاسة الناتجة من مس جثة [عد 19]، أو الناتجة عن سيلان (لا 15)، أو التطهير من البرص (لا 14) الخ.

كان الماء في الطقس اليهودي يحمل رمزًا لتطهير النفس، لكنه في ذاته كان عاجزًا، يقف عند حدود الغسل الخارجي. لهذا إذ بدأ الرب خدمته بدخوله عرس قانا الجليل (يو 2: 6) حوّل الماء الذي في الأجران الموضوعة حسب تطهير اليهود إلى خمرٍ، كرمز للروح القدس والكلمة المطهِّر (يو 13: 10). فانطلق بنا من التطهيرات الجسدية العاجزة إلى التجديد الكامل للنفس والجسد معًا، في مياه المعمودية بالروح القدس الناري.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

18. المياه في العصر المسياني

كان عصر المسيّا في ذهن أنبياء العهد القديم هو العصر الذهبي الذي طال انتظار البشرية له، وصفوه كعصرٍ غنيٍ بمياه فيّاضة. وكأن الماء في ذهنهم يحمل علامة غنى نعمة الله غير المدركة في ذلك الحين. نذكر على سبيل المثال أن هذا العصر وُصف بأن الله يقدم فيه المطر في حينه (حز 34: 26)، وإن المطر يروي الأرض فتأتي بوفرة الغلال والزراعة (إش 30: 23 الخ)، فلا يوجد جوع أو عطش (إر 31: 9، إش 49: 10). تفيض مياه حيّة من الهيكل وتأتي بثمار عجيبة وتنمو أشجار كثيرة جدًا (حز 47: 1-12). يخرج ينبوع مفتوح لبيت داود يقطع أصنام الأرض ويزيل الروح النجس (زك 13: 1-2). تفيض ينابيع يهوذا ماء، ويخرج من بيت الرب ينبوع يهب حياة (يؤ 3: 18، زك 14: 8)، يُفرّح مدينة الله مَقدس مساكن العلي (مز 46: 4).

بإيجاز ارتبط العصر المسيّاني بالمياه المقدسة، التي تعطي ارتواءً، وتحوِّل القفر أرضًا خصبة، تروي المؤمنين كأشجار فردوس الله، تنزع النجاسات وتطهر الأرض من عبادة الأصنام، وتقدم حياة وتقديسًا، الأمور التي نتحدث عنها في شيء من التفصيل فيما بعد إن شاء الرب وعشنا.

_____

الحواشي والمراجع:

[14] D. Stone: Holy Baptism, London 1905, and p. 12.

[15] De Baptismo.

[16] PG 39:693.

[17] PG 33:433.

[18] De Sacr. 1:11-24.

[19] J. Daniélou: The Bible and The Liturgy, p. 71.

[20] W. F. Flemington: The New Testament Doctrine of Baptism, London 1948.

[21] De Baptismo 2.

[22] Ecol. Proph 7.

[23] Cat Lect 3:5.

[24] PG 39:692.

[25] راجع للمؤلف: الكنيسة بيت الله، 1979، ص 311-314.

[26] P. Lundberg:La typologie baptismale dans l’ancienne église, p 12, 13.

[27] PG 39:697 A, B.

[28] Hom. Laz. 6. PG 48:1037-8.

[29] Ep. 69:6.

[30] الأسرار، فصل 3.

[31] PG 33:982 A.

[32] Ep. 68:2.

[33] Recogn. Clementines 1:29.

[34] Dial. 138:2,3.

[35] De Baptismo 9.

[36] In Exod., hom 5:5.

[37] De: Triantate 2:14. PG 39:697 A.

[38] Cat. Lect. 3:6.

[39] De Spiritu Sancto 14: PG 31:425 B, C.

[40] PG 46:589 D; 44:361 C.

[41] De Sacr 1:12, 22.

[42] Ep. 68:15.

[43] الأسرار، فصل 3.

[44] J. Daniélou: The Bible and The Liturgy, ch 6.

[45] In Jos. hom 6:4-6.

[46] In Jos. Hom 1:3.

[47] PG 33:676 D-677 A.

[48] In Bapt- Christu, PG 46:592 A, 593 D.

[49] كمال البرهان على حقيقة الإيمان، ص 131.

[50] PG 46:592.

[51] Comm. Jos 6:47.

[52] PG 33:433A.

[53] هنا يربط العلامة أوريجينوس بين ثلاث أحداث خاصة بالأردن: عبوره بيشوع، وعبوره بإيليا، واغتسال نعمان السرياني.

[54] Origen: Comm. Jos 6:47, 48; In Lue - hom 33.

[55] PG 39; 700 d.

[56] كمال البرهان على حقيقة الإيمان، ص 132.

[57] PG 46:593 D.

[58] Exp. Luc. 4:50, 51.

[59] الأسرار: فصل 3.

[60] Sacr. 2:11.

[61] PG 39:700 A.

[62] المؤلف: الحب الإلهي، ص 851.

[63] المؤلف: سفر الخروج، إصحاح 15.

[64] In Exod, hom 6.

[65] راجع كتابنا الكنيسة بيت الله، 1979، ص 311-314 عن السمكة كرمز للسيد المسيح ولمؤمنيه.

[66] PG 25:140 A.

[67] PG 27:841 A.

[68] PG 46:692 B.

[69] PG 27:841 B.

[70] PG 46:692 B.

[71] PG 33:1102 B.

[72] Catch. Lect 3:5.6.

[73] Catch. Lect 3:5.6.

[74] راجع تفسير المزامير للأب دانيال الصلحي الذي وجهه للأب يوحنا رئيس دير مار أبوس (مخطوط 6 التفاسير بدير القديس أنبا أنطونيوس مترجمًا عن السريانية).

[75] المرجع السابق، مقال 32.

[76] المرجع السابق، مقال 24.

إرسل هذه الصفحة لصديق

بطريركية الأقباط الأرثوذكس - موقع القديس تكلا هيمانوت بالإسكندرية - الصفحة الأولى من موقع الأنبا تكلاهيمانوتكتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر

Like & share St-Takla.org


© موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - الإسكندرية - مصر / URL: http://St-Takla.org / اتصل بنا على:

http://st-takla.org/books/fr-tadros-malaty/holy-spirit/baptism.html