الكتاب المقدس باللغة العربية + الإنجيل بكل اللغات + دراسات في كتاب مقدس + البحث في الكتاب المقدس الاجبية.. كتاب السبع صلوات | الأجبية باللغة العربية | الأجبية باللغة الإنجليزية | الفرنسية وصلات كل المواقع القبطية - سجل مواقع الكنائس القبطية الأرثوذكسية - دليل السايتات المسيحية الموقع باللغة الإنجليزية St-Takla.org in English ما الجديد؟ أخبار ويب سايت الأنبا تكلا وتحديثاته و الجديد المضاف به الإيمان | اللاهوت | العقيدة القبطية الأرثوذكسية | طقوس الكنيسة المسيحية في مصر ركن الأطفال - ترانيم - تلوين - ألعاب - قصص Saint Takla Dot Org Web Site - Homepage لوجو موقع القديس الأنبا تكلا هيمانوت (سانت تكلا دوت أورج)- الإسكندرية - جمهورية مصر العربية | الموقع الرسمي | بطريركية الأقباط الأرثوذكس Coptic Orthodox Church راسلنا - اتصل ان | اكتب لنا رأيك - أضف موقعاً - الأفكار - المقترحات... إرسل كروت و بطاقات تهنئة مسيحية و قبطية إلى أصدقائك في كل المناسبات اتصل بنا.. رأيك يهمنا - العنوان - التليفونات - الخريطة - الدعم الفني الفوري سنوات مع إيميلات الناس | أسئلة و أجوبة في الكتاب المقدس، الشباب والأسرة، الإيمان واللاهوت والعقيدة، الروحيات، ويب سايد سانت تكلا الصفحة الرئيسية من الموقع الرسمي للأنبا تكلاهيمانوت الحبشي القس بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية - بطريركية الأقباط الأرثوذكس معرض الصور: السيد المسيح - السيد العذراء - القديسين - الأنبا تكلا هيمانوت - الكهنة - الكتاب المقدس - الخدمات الوسائط المتعددة: ترانيم - ألحان - عظات - أجبية مسموعه - ملفات ميدي - فيديوهات - تسبحة نصف الليل - قداسات قسم التحميل: أشكال برنامج وين آمب | خطوط قبطية | ترانيم | برامج متنوعة، وبرامج مسيحية | أيقونات | معرض الصور تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر العصور | التاريخ المسيحي مكتبة كتب قبطية أرثوذكسية | الكتب المسيحية في مختلف المجالات و المواضيع | كتب بطاركة، أساقفة، كهنة، علمانيين  

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها - أ. حلمي القمص يعقوب

 1296- هل معجزات إيليا وإليشع نوع من الأساطير؟ ومن أتى لإيليا بالطعام؟ هل الغربان (1مل 17: 4) أم العربان؟(1)

 

          يقول " علاء أبو بكر": "كيف كانت تأتي الغربان بالخبز الطازج هذا؟ هل كانت تسرقه؟ أم كانت تتقن العجن والخبز؟ والأصح أنهم العرب كما جاء بهذا المعنى في (2أي 21: 16، نح 4: 7)"(2).

          ويقول " الخوري بولس الفغالي": "أخبار إيليا وإليشع حفظها تلاميذهما، ونقلوها إلى الأجيال اللاحقة، فلا نعجب إن رأينا الطابع الأسطوري لبعضها، وذكرًا لعجائب كثيرة. أن دورة إيليا ودورة إليشع تحتويان عددًا من المعجزات، ولهذا لا يجاريهما في هذا إلاَّ خبر الخروج.. العجائب في قصة إيليا وإليشع، فهي أخبار شعبية ضخَّمتها الأجيال اللاحقة.. هذا هو النبي إيليا، شخصية خارقة تقف بين التاريخ والأسطورة، كل نشاطه يتم في جو من السرية، منذ ظهوره المفاجئ إلى غيابه العجيب. هو مجترح المعجزات، فيتصرف كما يشاء بعناصر الكون حتى بنار السماء"(3).

          كما يقول " الخوري بولس الفغالي " عن إليشع النبي أنه " يستعمل قوة خارقة ليرفع مركزه ويُسند كرامته. والأخبار الأخيرة أسطورية، وقد ضخَّمت أمورًا فعلها النبي، وهناك أخبار أخترعها تلاميذه ليعظّموا قوته وسلطانه. وأخيرًا هناك أخبار شعبية قيلت في أي قائد روحي، وارتبطت هنا بشخص إليشع، وهدفها أن تشدد على قوة بطلها وإمكاناته وبراعته.. وبالنسبة إلينا نحن قراء اليوم، هذه الأخبار هي مصدر إزعاج، لأنها تصوّر رجلًا يعتبر نفسه رجل الله، ويعمل بطريقة تأباها الأخلاق. إذًا يجب أن نعترف بالأصل الفولكلوري لهذه الأخبار"(4).

          وأيضًا يقول " الخوري بولس الفغالي": "من حمل الخبز واللحم إلى إيليا؟ العرب أم الغربان. الكلمة العبرية "عربيم" تعني الاثنين والذين يقولون "الغربان" يُشدّدون على طابع المعجزة. أما الذين يقولون العرب، فيرون أن الله يلجأ إلى البشر من أجل مخططه. فكما أن أرملة صرفة صيدا الفقيرة والغريبة عن شعب الله، أضافت إيليا. كذلك فعل العرب في الصحراء فمنعوا عن نفوسهم وأطعموه"(5).

          ويرى " جيمس فريزر " أن المنطقة التي عاش فيها إيليا عند نهر كريث هي منطقة ملائمة للأسطورة كل الملائمة، حيث تعيش الغربان والنسور والصقور الضخمة ذات الشكل الأسطوري(6).

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- من يدرس الأسطورة ويعرف خصائصها وكيف تولد وتنمو، يدرك أن ما جاء في سفر الملوك من معجزات أجراها الله على يدي نبييه إيليا واليشع هي بعيدة تمامًا عن الأساطير، فمثلًا:

أ  - تبدأ الأسطورة صغيرة وتستغرق سنين طويلة حتى تكتمل وتنضج، فأصل الأسطورة قصة بسيطة يضيف إليها الإنسان من الخيال والخرافات ويضخم فيها فتكون الأسطورة، فمثلًا قصة الخلق وردت في سفر التكوين في إصحاحين يشملان 56 عددًا، بينما أسطورة الأينوماإيليش شملت 1100 بيت، وقصة الطوفان التي وردت بسيطة وصغيرة في سفر التكوين وردت في أسطورة جلجامش في 3600 بيت، وعندما نستعرض المعجزات التي سجلها سفر الملوك نجزم بأنها في حالتها الأولى البسيطة، جاءت في سياق الحديث بدون التركيز عليها والتطويل والتضخيم فيها، فهي إذًا قصص أصيلة وليست أساطير.

ب - لا تجد في الأسطورة معالم محددة في الزمان الذي ولدت فيه والمكان الذي شغل حيز الأحداث والأسماء الحقيقية التي تناولتها، وكما يقولون أن الأسطورة تبدأ بالقول: "كان يا ما كان، يا سادة يا كِرام، في سالف العصر والزمان"، بينما جاءت معجزات إيليا واليشع مناقضة لكل هذا، فهي تحدد الزمان والمكان والأسماء الحقيقية لمن جرت معهم المعجزة.

جـ- في الأساطير تلتقي بتعدد الآلهة، وسلوكها البشري، فهي تأكل وتشرب، وتستريح وتنام، وتعمل وتكد، وتتصادم وتتصارع.. إلخ، ولا نجد أي أثر لهذه الأمور في الكتاب المقدَّس على الإطلاق.

د  - تُعظم الأسطورة وتُفخم في بطل القصة، وتغض النظر تمامًا عن أي ضعف اعتراه، أما في قصة إيليا فالكتاب لم يخفي ضعفه، فالذي واجه أخآب وذبح كهنة البعل، خشى انتقام إيزابل وهرب من أرض فلسطين إلى صحراء سيناء " وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي" (1مل 19: 4).

     ويمكن الرجوع إلى مدارس النقد جـ 4 لترى أن سفرًا مثل سفر التكوين الذي أتُهم بأنه اقتبس أحداثه من الأساطير، هو بعيد تمامًا، ونقي تمامًا من الأساطير.

 

2- اعتقد البعض أن الله خلق الكون ووضع له القوانين التي تنظم دورة الفلك والحياة وتضبط حركته، فمن المستحيل أن يحدث شيء في الطبيعة يتعارض مع نواميس الكون، وكسر هذه القوانين هو ضد الله ذاته الذي وضع هذه القوانين، وحيث أن المعجزات تُعد انتهاك لقوانين الطبيعة، لذلك فمن المستحيل حدوثها، وقال الفيلسوف اليهودي "باروخ سينوزا" (1632 - 1677 م): "أن الطبيعة لا يمكن أن تُنتهك.. أنها تحافظ على حالة الثبات وعدم التغيُّر. في الحقيقة إذا أكد أحدهم أن الله يعمل بشكل مخالف لقوانين الطبيعة، فأنه سيضطر إلى التأكيد بأن الله يعمل ضد طبيعته هو، وهذا أمر سخيف ومناف للعقل بشكل واضح""(7)(8).

     وكان "سبينوزا" يعتقد بـ"وحدة الوجود" أي أن الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله، وكل شيء والله شيء واحد، فهو يؤلّه الطبيعة، وهكذا يؤمن بمذهب التأليه الطبيعي، وأصحاب هذا المبدأ يعتقدون أن القانون الطبيعي ينص على أن الإنسان يولد ويعيش ثم يموت، وليس من الطبيعي أن الذي مات يعود للحياة، ولذلك فهم ينكرون تمامًا القيامة من الأموات، ويعتقدون أن الحديد يغطس في الماء أما إذا طفىَ الحديد على سطح الماء كما حدث مع اليشع النبي فذاك أسطورة، ومن الطبيعي أن دهنة الزيت تفرغ ولا يأتي الزيت من فراغ.. وهلم جرا.. ولهذا أنكر هؤلاء جميع المعجزات الكتابية، وادَّعوا أن ما قام به إيليا واليشع لم يحدث في أرض الواقع، إنما هو نوع من الفولكلور الشعبي الذي ضخمته الأجيال اللاحقة، فهو مجرد أساطير، ولذلك نريد أن نؤكد على الحقائق الآتية:

أ  - أن الكتاب المقدَّس بعيد تمامًا عن الأساطير، فالذين كتبوه جميعهم من رجال الله الأتقياء الذين عبدوا الله بإخلاص وآمنوا بوحدانيته وكثير منهم دفع حياته ثمنًا لإيمانه، ومعظمهم من البسطاء الذي لا يدرون شيئًا عن الأساطير اليونانية أو المصرية أو الهندية، وأيضًا عندما كتبوا كان روح الله يرافقهم يرشدهم ويعصمهم من أي خطأ أو أي شائبة.

ب - الشك في المعجزات الكتابية يعني الشك في وحي الكتاب المقدَّس، والشك في رجال الله القديسون الذين سجلوا هذه الأحداث، والشك في شهود العيان سواء من المؤيدين أو الرافضين للمعجزات، وأن الشك في أجزاء من الكتاب المقدَّس يدعو للشك في الكتاب المقدَّس كله، والخطوة اللاحقة مباشرة للشك في الكتاب المقدَّس هو الشك في حقيقة وجود الله، وبهذا يسير الإنسان في طريق الضياع إلى هوة الهلاك.

جـ- المعجزات الكتابية هي حقائق حدثت بالفعل، ونحن نُصدقها ونقبلها بالإيمان، لأننا نؤمن أن الله قادر على كل شيء.. ولماذا ننكر هذه المعجزات ونقبل الحقائق الإيمانية وجميعها لا تخلو من الجانب الإعجازي مثل الخلق، والوحي، والنبوءات، والتجسد، والقيامة، والصعود، والمجيء الثاني، وقيامة الأجساد.. أليست جميع هذه الحقائق تدخل في دائرة الإعجاز؟!

د  - القوانين الطبيعية ليست نظامًا مغلقًا، فنحن نؤمن أن الله الخالق، الحاضر في خليقته، ضابط الكل، هو متحكم في كل شيء. هو الذي وضع هذه القوانين وهو المتحكم في سيرها، وقد تحدث المعجزة ليس بإيقاف القانون الطبيعي بل بإضافة قوة جديدة، فمثلًا من المعروف أن قانون الجاذبية يجذب الأشياء لتستقر على الأرض وإذا قذفنا بكرة بكل قوتنا لأعلى فلابد أن تعود لنا سريعًا، ولكن في موقف معين استطاع الإنسان أن يتخلص من هذه الجاذبية الأرضية، فعندما يرسل مركبة فضائية للفضاء، فهو يدفعها بقوة عظيمة حتى تصعد لأعلى إلى أن تتخلص من قوة الجاذبية الأرضية، فتسير في الفضاء كما تشاء وقد تحررت تمامًا من هذه القوة الجاذبة، فإن كان الإنسان نجح في هذا الإعجاز، فهل نستكثر على الله المعجزات التي أجراها لخير البشرية، رحمة وشفقة، وليس استعراضًا ولا مظهرية..؟!! الذي جبل المياه ألا يستطيع أن يسير فوق المياه أو يعطي لبطرس هذه الإمكانية..؟! القوانين الطبيعية ليست إلهًا آخر، إنما هي خاضعة تمامًا لله الواحد، تُؤتمر بأمره، وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد جـ 2 من س 63 إلى س 84.

 

3- تميزت خدمة النبيين إيليا واليشع أكثر من أنبياء مملكة يهوذا (مثل إشعياء وميخا وناحوم وصفنيا وأرميا وحبقوق) بالطابع المعجزي أكثر من الطابع التعليمي، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.. لماذا..؟ لأن في مملكة يهوذا كانت معرفة الله مازالت قائمة، وأبواب هيكل الرب مفتوحة للعبادات وتقديم الذبائح والمحرقات والبكور والنذور، وكثير من القلوب عامرة بالإيمان، بينما كان الوضع في المملكة الشمالية مأسويًا، فقد تشوَّهت معرفة الله، واختلطت عبادة الله بالعبادات الوثنية الشيطانية النجسة، فلم تكن مملكة يهوذا في حاجة للمعجزات مثلما كانت مملكة إسرائيل، ولذلك افتقد الله هذه المملكة بالنبيين العظيمين إيليا واليشع اللذين جرت على أيديهما قوات وعجائب ومعجزات، لكيما ينير للسائرين في دروب الظلمة، حتى أنه عندما اشتدت الظلمة حلاكًا أوقف إيليا المطر ثلاث سنين ليشعر بنو إسرائيل بمدى احتياجهم لرب السماء، وليتأكدوا أن الله هو الذي يرسل المطر ويمنعه، ويبطل اعتقادهم في الإله بعل الذي يعتبرونه إله الخصب المسئول عن النباتات والحيوانات، وعندما أعطى الله شعبه الدرس الذي استغرق أكثر من ثلاث سنين أمر عبده إيليا فجمع بني إسرائيل " فَتَقَدَّمَ إِيلِيَّا إِلَى جَمِيعِ الشَّعْبِ وَقَالَ: حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ. فَلَمْ يُجِبْهُ الشَّعْبُ بِكَلِمَةٍ. ثُمَّ قَالَ إِيلِيَّا لِلشَّعْبِ: أَنَا بَقِيتُ نَبِيًّا لِلرَّبِّ وَحْدِي.. الإِلهُ الَّذِي يُجِيبُ بِنَارٍ فَهُوَ اللهُ. فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَقَالُوا: الْكَلاَمُ حَسَنٌ" (1مل 18: 21 - 24).

     فأمام هؤلاء الملوك الذين فاق شرهم من سبقوهم، وأمام هذا الشعب الذي طغى وتكبر، كان لا بُد أن يتصدى الله بقوة لهذا التيار الجارف عن طريق المعجزات التي تعلن عن الإله الحقيقي، وجاء في " التفسير التطبيقي": "كان إيليا أول نبي في سلسلة من الأنبياء العظام الذين أرسلهم الله إلى كل من إسرائيل ويهوذا، فلم يكن للمملكة الشمالية، ملوك أمناء في كل تاريخها، بل كان كل ملوكها أشرار قادوا الشعب لعبادة الآلهة الوثنية، ولم يكن بها إلاَّ القليلون من الكهنة من سبط لاوي إذ ذهب غالبيتهم إلى يهوذا. وكان الكهنة الذين عينهم ملوك إسرائيل كهنة فاسدين لا تأثير لهم. وحيث لم يكن ثمة ملوك ولا كهنة لتقديم كلمة الله للشعب، دعا الله أنبياء ليحاولوا إنقاذ بني إسرائيل من انحطاطهم الأدبي والروحي، وظل هؤلاء الرجال والنساء على مدى الثلثمائة سنة التالية، يلعبون دورًا حيويًا في كلتا الأمتين، ويشجعون الشعب والقادة على الرجوع إلى الله"(9).

 

4- جاء في سفر الملوك أن الله أخبر إيليا أن يختبئ عند نهر كريث قائلًا له: "فَتَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ. وَقَدْ أَمَرْتُ الْغِرْبَانَ أَنْ تَعُولَكَ هُنَاكَ.. وَكَانَتِ الْغِرْبَانُ تَأْتِي إِلَيْهِ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ صَبَاحًا، وَبِخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَسَاءً، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنَ النَّهْرِ" (1مل 17: 4، 6) وهذا بلا شك فعل معجزي عجيب، فالذين لا يقبلون المعجزات قالوا أن الذي كان يحضر الخبز واللحم لإيليا هم العربان، وهذا أمر جانبه الصواب للأسباب الآتية:

أ  - المنطقة التي اختبأ فيه إيليا كانت منطقة جبلية صخرية قفرة، ودعنا نستعير وصف "جيمس فريزر" نفسه لهذه المنطقة حيث يقول: "فهذه الوهدة تعد أكثر الوهاد قفرًا وأكثرها سحرًا في فلسطين، وهي عبارة عن أخدود كبير بين الجبال وتحيط به نتوءات الجبال العابسة، وهذا الأخدود ضيق للغاية إلى درجة أن عرضه لا يكاد يبلغ عشرين ذراعًا في أسفله، وفيه يشق النهر مجراه وسط أجمة من الخيزران والأسل والدفل، بذلك يقابل هذا الشريط الأخضر جوانب الصخور الجرداء التي تحيط به من كل جانب.. يتجلى للرائي منظر رائع لتلك الوهدة، فبعد أن يسير المسافر بضع ساعات في هذا المكان المنعزل الذي يتميز به ذلك الانحدار بين التلال الجيرية ذات الأخاديد الجارفة، يشعر بالانتعاش لمرأي هذا الشريط الأخضر، ولصوت خرير المياه الذي يصعد إليه من أعماق هذه الوهدة العميقة، حتى في ليالي الخريف التي تعقب الصيف القائظ الجاف. فإذا نظر إلى أسفل هذا الجرف الذي يصيب الإنسان بدوران، فربما وقع بصره على الغربان والنسور والصقور الضخمة ذات الشكل الأسطوري وهي تطير مندفعة إلى أسفل.. ربما لم يخالط إيليا أحدًا في هذا المكان سوى الوحوش والطيور البرية.

     على أن هذه الوهدة وسكانها لم يتغيرا من ذلك الحين حتى عصرنا هذا، اللهم إلاَّ القليل. فمازالت الوعول تسكن صخورها، ومازال طائر القاوند يرفرف بأجنحته فوق مياهها العميقة، ومازال الحمام البري يعشعش في شقوق الصخور، ومازالت الطيور السوداء تنشر فوقه أجنحتها ذات البريق الذهبي عندما تتلألأ في أشعة الشمس، وإذا كان النبي إيليا هو أول من لاذ بتلك الوهدة البرية العميقة هروبًا من الحياة، فهو لم يكن آخر ناسك لجأ إليها، فهناك يبصر الرائي في أماكن قد يصعب على المسافر الوصول إليها، نقوشًا على الصخور، حيث كان النساك المتعبدون يتخذون مسكنهم، ثم أصبحت بعد ذلك حتى اليوم مسكنًا للغربان والصقور والنسور"(10).

ب - القوافل لا تعبر بأرض فلسطين يوميًا، إنما كانت هذه القوافل تأتي مرتين في السنة صيفًا وشتاءً، بينما كان الطعام يقدم لإيليا مرتين كل يوم بلا انقطاع.

جـ- لو عرف العربان المقيمين بالقرب من المنطقة مكان اختباء إيليا، لأخبروا الملك الذي كان يفتش عنه في كل أرض إسرائيل، وإن لم يخبروا أخآب الملك فعلى الأقل يتحرَّجون من تقديم الطعام له، وهو عدو الملك، لئلا يعلم الملك فيبطش بهم. أما الغربان فلن تُفصح عن مكان إيليا، بل بالعكس تموّه على ذلك المكان، وجاء في هامش " الكتاب المقدَّس الدراسي": "الغربان: كان طعامها الرئيسي جيف الطيور والحيوانات التي تعثر عليها في الحقول، وبقايا فرائس الحيوانات المتوحشة. ولما كانت تلك الغربان تقتات في العادة بهذه الجيف حيثما وجدتها، فإن وجود سرب من الغربان في أحد الأماكن لم يكن يعني لمن يشاهده إلاَّ وجود جيفة في ذلك الموضع. الأمر الذي يحافظ على سرية مكان إيليا. وحقيقة أن طيور بهذه الطبيعة قد خدمت إيليا بحمل الطعام له تؤكد البُعد المعجزي لهذا الموقف"(11).

د  - لو كان العربان هم الذين يحضرون له الطعام.. فلماذا الإصرار على تقديم نفس النوع وهو الخبز واللحم ولم يقدموا أصنافًا أخرى؟! ولاسيما كان أكل اللحوم أمرًا نادرًا ربما يتكرَّر مرة في الشهر بالإضافة للمناسبات فكيف كانوا يوفرون اللحم صباحًا ومساءًا كل يوم للنبي..؟! ولماذا لا يدفعون له بأكل عدة أيام ولاسيما أن الطريق للوصول للنبي شاق وغير معبَّد بل هو منطقة جبلية؟!.

ه- الكلمة العبرية المستخدمة هنا "أورابيم" أي غربان، أما العربان فيعبر عنهم بالكلمة "عربايم"، فلو كان العربان هم الذين أتوا لإيليا بالطعام لاستخدم الكاتب كلمة "عربايم" بدلًا من "أورابيم".

و - لماذا يقبل "علاء أبو بكر" مهاجمة الطير لجيش أبرهة الشرمي "وأرسل عليهم طيرًا أبابيل. ترمهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول" (سورة الفيل 105: 3 - 5) ويرفض فكرة أن الطيور بأمر إلهي تعول إنسانًا يتعرض لخطر الموت جوعًا؟!

ز  - قال البعض كيف يأكل إيليا طعامًا حمله إليه الغراب وهو طائر نجس؟ والحقيقة أن هناك أنواع كثيرة تدخل تحت مسمى الغربان مثل الرخ، وهذا غير محرَّم، وحتى لو كان الغراب طائر نجس، ومنعت الشريعة أكله، فإن إيليا لم يأكل لحمه بل أكل ما يحمله له من لحم وخبز، وهذا يشبه الحمار وهو محرَّم أكل لحمه، ولكن الإنسان يستخدمه في حمل الأثقال.

 

5- يقول " القمص تادرس يعقوب": "كانت هذه الطيور نجسة (لا 11: 13 - 15) وفي نظر اليهود لا يمكن أن يأكلوا طعامًا مُقدَم منها، لكن إيليا يتعدى الحرف ليأكل منها بكونه طعامًا مُقدَّمًا من الله الحي نفسه.. بأمر إلهي اعتزل إيليا عن شعب الله المنحرف لكي يتعامل مع الغربان التي تخدمه. هكذا بالخطية يفقد الإنسان علاقته بالله ورجاله، بينما الحيوانات والطيور غير العاقلة تمجد الله وتخدم أولاده..

     تقديم الطعام بواسطة الغربان يحمل ثلاث معجزات: من أين جاءت الغربان بالطعام صباحًا ومساءً وبطريقة منتظمة؟. كيف غلبت الغربان طبيعتها وعوض أن تخطف صارت تقدم طعامًا شهيًّا لغيرها؟ وأخيرًا كيف كانت تتجاسر وتقدم الطعام لإنسان ولم تخف منه؟

     يرى البعض أن الكلمة المترجمة غربان Orebim تشير إلى العرب الساكنين في عربة Orbo وهم تجار رُحَّل ينتسبون إلى قوافل قادمة من العربية. لكن يرفض كثير من الدارسين ذلك، لأنه لم يكن هذا الموقع طريقًا لهذه القوافل. ومن جانب آخر طلب منه الرب أن يختفي فلا يلتقي بأحد حتى لا يعرف الملك مكانه. أخيرًا فإن هذه الكلمة لم تستخدم قط في الكتاب المقدَّس لتعني التجار"(12).

 

6- إن كان شعب الله قد ضلَّ بعيدًا عن الله، فما بالك بالعربان الغرباء عن الله..؟! ثم أن العربان دائموا التنقل من مكان إلى آخر ولاسيما في سنوات الجفاف هذه، يبحثون عن الكلأ لحيواناتهم، فهل يضحون بحياتهم وحياة مواشيهم ليقيموا بجوار النبي يطعمونه مرتين يوميًا. ثم ما هو الدافع لهذا العمل وتلك التضحية. أرملة صرفة صيدا جرت معها معجزة عظيمة فظلت تعول إيليا، فهل أجرى الله معجزة لهؤلاء العربان؟! وما هي؟!!

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) راجع محمد قاسم - التناقض في تواريخ وأحداث التوراة.

(2) البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ 1 س 213 ص 142.

(3) التاريخ الاشتراعي - تفسير أسفار يشوع والقضاة وصموئيل والملوك ص 456، 457.

(4) التاريخ الاشتراعي - تفسير أسفار يشوع والقضاة وصموئيل والملوك ص 481.

(5) المرجع السابق ص 459.

(6) راجع الفولكلور جـ 2 ص 459 - 461.

(7) Spinaza, ATPT, 82 - 83.

(8) أورده جوش مكدويل - برهان جديد يتطلب قرارًا ص 585.

(9) التفسير التطبيقي ص 748، 749.

(10) ترجمة د. نبيلة إبراهيم - الفولكلور جـ 2 ص 459 - 461.

(11) الكتاب المقدَّس الدراسي ص 833، 834.

(12) تفسير سفر ملوك الأول ص 363، 364.

إرسل هذه الصفحة لصديق

بطريركية الأقباط الأرثوذكس - موقع القديس تكلا هيمانوت بالإسكندرية - الصفحة الأولى من موقع الأنبا تكلاهيمانوتكتاب مدارس النقد والتشكيك والرد عليها

Like & share St-Takla.org


© موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - الإسكندرية - مصر / URL: http://St-Takla.org / اتصل بنا على:

http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/1296.html