الكتاب المقدس باللغة العربية + الإنجيل بكل اللغات + دراسات في كتاب مقدس + البحث في الكتاب المقدس الاجبية.. كتاب السبع صلوات | الأجبية باللغة العربية | الأجبية باللغة الإنجليزية | الفرنسية وصلات كل المواقع القبطية - سجل مواقع الكنائس القبطية الأرثوذكسية - دليل السايتات المسيحية الموقع باللغة الإنجليزية St-Takla.org in English ما الجديد؟ أخبار ويب سايت الأنبا تكلا وتحديثاته و الجديد المضاف به الإيمان | اللاهوت | العقيدة القبطية الأرثوذكسية | طقوس الكنيسة المسيحية في مصر ركن الأطفال - ترانيم - تلوين - ألعاب - قصص Saint Takla Dot Org Web Site - Homepage لوجو موقع القديس الأنبا تكلا هيمانوت (سانت تكلا دوت أورج)- الإسكندرية - جمهورية مصر العربية | الموقع الرسمي | بطريركية الأقباط الأرثوذكس Coptic Orthodox Church راسلنا - اتصل ان | اكتب لنا رأيك - أضف موقعاً - الأفكار - المقترحات... إرسل كروت و بطاقات تهنئة مسيحية و قبطية إلى أصدقائك في كل المناسبات اتصل بنا.. رأيك يهمنا - العنوان - التليفونات - الخريطة - الدعم الفني الفوري سنوات مع إيميلات الناس | أسئلة و أجوبة في الكتاب المقدس، الشباب والأسرة، الإيمان واللاهوت والعقيدة، الروحيات، ويب سايد سانت تكلا الصفحة الرئيسية من الموقع الرسمي للأنبا تكلاهيمانوت الحبشي القس بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية - بطريركية الأقباط الأرثوذكس معرض الصور: السيد المسيح - السيد العذراء - القديسين - الأنبا تكلا هيمانوت - الكهنة - الكتاب المقدس - الخدمات الوسائط المتعددة: ترانيم - ألحان - عظات - أجبية مسموعه - ملفات ميدي - فيديوهات - تسبحة نصف الليل - قداسات قسم التحميل: أشكال برنامج وين آمب | خطوط قبطية | ترانيم | برامج متنوعة، وبرامج مسيحية | أيقونات | معرض الصور تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر العصور | التاريخ المسيحي مكتبة كتب قبطية أرثوذكسية | الكتب المسيحية في مختلف المجالات و المواضيع | كتب بطاركة، أساقفة، كهنة، علمانيين  

مكتبة الكتب المسيحية | كتاب قبطي | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

رواية ليكن نور - الراهب سارافيم البرموسي

4- الفصل الثالث: أبشالوم

 

جلس أمام الفرن المشتعل وأدخل الزجاج المصهور بعد أنْ قام بنفخه عِدّة مرّات من خلال قضيبٍ من الحديد عند الطرف. كان يُخرِج الزجاج الذائب المُتوهّج ويبدأ في إدارته يمينًا ويسارًا بسرعة شديدة من خلال قضيب الحديد المُتّصل به، بينما كان يمسك بيده اليسرى قضيبًا آخر مثني ذو طرفين يعلوه مقبض خشبي على الناحيتين، كان يستخدمه لإضفاء أطوالاً للزجاج الذائب. كان يضيف إلى الزجاج المصهور أكسيد النحاس لإكسابه ألوانًا برّاقة، الأمر الذي جعله يشتهر في المدينة.

إنّه أبشالوم الشاب اليهودي. كان في النصف الثاني من العشرينات، إلاّ أنّ الوَخَطَ (أوّل الشيب) قد عرف السبيل إلى رأسه ولحيته الصغيرة. يعمل في صناعة الزجاج مع والده إليعازر أحد رجالات المجمع اليهودي. امتلك إليعازر حانوتًا كبيرًا لبيع الأواني والزهريّات الزجاجيّة التي كان يُصنِّعها على اختلاف أشكالها وأنواعها.

كان إليعازر من أثرياء اليهود السكندريين وكان يُعوَّل عليه كثيرًا في سدّ نفقات الاجتماعات والدراسات التي تجري في بيت المِدْرَاش (بيت الدراسة) المُلحَق بالمجمع، كما كانت له أيادٍ بيضاء على المجمع الكبير لتوفير احتياجاته لإعادته إلى سابق عهده قبل التخريب الذي أصابه إبّان الفتنة الكبرى عام 116 م.

كان الحي اليهودي هو الحي الرابع، حي دلتا (Δ)، إذ كانت الأحياء السكندريّة الخمسة تُسمّى بالحروف الأولى من الأبجديّة اليونانيّة، ويقع الحي اليهودي في الجهة الشماليّة الشرقيّة من المدينة.

كان المجمع الكبير يقع في ليونتوبوليس في إحدى ضواحي الإسكندريّة. والمجمع كان بناية ضخمة حتّى إنّ المجتمعين في السبوت لم يستطيعوا سماع القراءات والصلوات فكانت تُستخدم الأعلام حتّى يردّ الجميع بالـ“آمين” عقب البركات، هكذا كان المجمع قبل ما يناله خراب الرومان..

وبالطبع كان أبشالوم ممّن تربّوا على التقليد اليهودي وحلَّق في الخيال مع قصص الأجَّداه (الأمثال والحِكَم والقصص اليهوديّة) وتتلمذ على الرابيين ذوي المكانة المرموقة في المجتمع اليهودي نتيجة لتحفُّظهم في تطبيق الوصايا.

وعلى الرغم من كون الإسكندريّة لوحة تحمل الكثير من الأعراق والأجناس والأفكار والثقافات إلاّ أنّ التشاحن كان يطفو أحيانًا على السطح ليقود لمعاركٍ شرسةٍ بين الفرقِ.

كثيرًا ما كان يشهد الأجورا (السوق) الصراعات والتلاسنات، وخاصةً مع اليهود الذين يبدو عليهم وكأنّهم يأنفون من معاملةِ غيرهم، وهم يشعرونَ بأنّهم عِرقٌ نقيٌّ خاصٌ بالإله؛ يهوه. وفي المقابلِ كان اليونانيون والرومانيون يرون أنّهم أسياد المدينةِ فكريًّا وسياسيًّا وأصحاب الحقوق الكاملة والمناصب الرفيعة، فهم لا يدفعون ضريبة الرأس، بينما كان السكندريون من الأصول المصريّة يرون أنّهم أصل الشجرة الوارفة الظلال وأنّ الفرقتين السابقتين دخيلتان عليهم. وهو الأمر الذي يؤدّي إلى التطاحنِ وقد يصلُ الأمرَ إلى إراقةِ الدماء.

لم يكن أبشالوم يَسْلَم من مضايقاتِ شباب اليونانيين. ففي صباح اليوم أثناء ارتياده للأجورا لشراء مستلزمات حِرَفيّة، وقف أحد الشباب مقابله، إذ عرف أنّه يهوديٌ من التيفلّلين (عصائب جلديّة تحتوي على فقرات من التوراة) الذي لفّ به رأسه، مُتعمِّدًا السخرية من اسم يهوه وهو يقول لرفقته في وسط الأجورا: إنّ يهوه استيقظ اليوم من راحته وسُباته بالأمس؛ السبت.. ليته يتلقّن من سيرابيس كيف يقف يقظًا ساهرًا طوال اليوم.. ويتضاحك الجميع وهم يتمايلون.. يرد آخر: لعلّ يهوه كان يجمع الأموال ليدفع الضريبة لجوبيتر(1)!! الأمر الذي يدفع أبشالوم إلى العراك معه، ساخرًا من سيرابيس في المقابل، قائلاً: إنّ سيرابيس يقف منتظرًا مَنْ يذهب به ليغتسل من أتربة الإسكندريّة وعواصفها.. ويتحوّل طيش الشباب إلى تطاحنٍ دينيٍّ يلتئم أتباعه في التوِّ لينتصرَ كلُّ منهم لإلهه..

لم ينس اليونانيون لليهود خيانتهم للإسكندريّة حينما كان يوليوس قيصر مُحاصَرًا في الإسكندريّة، ووصلت حملة رومانيّة لنجدته يتزعّمها مثراداتيس البرجامي، وكان في إمكان حامية ليونتوبوليس اليهوديّة أنْ تقف في وجهها وتردعها بمنتهى السهولة، إلاّ أنّهم ساعدوا الجيش الروماني في الوصولِ إلى قيصر بناءً على توجيهات من أنتيباتر في اليهوديّة. كما كانت موالاة اليهود لأوكتافيوس على حساب كليوباترا دافعًا لتأجيج مشاعر مواطنو الإسكندريّة ضِدّ اليهود الذين كان يبحثون عن مصالح خاصة على حساب مدينة الإسكندريّة.

في المقابل، لم ينس اليهود قرار فلاخوس الوالي في الماضي بإعلان اليهود أجانب وغرباء عن المدينة، وتحديد إقامتهم في الحي الرابع، بل إنّ الحامية الرومانيّة جالت في الحي ودمَّرت المساكن ونهبت المتاجر، وكذلك أوغر الرومان السكندريون صدر الإمبراطور من جهة اليهود إذ راسلوه قائلين: إنّ اليهود يرفضون وضع أيقوناته والتعبُّد لها.. ممّا أدّى إلى قتل الكثيرين في 31 أغسطس المشؤوم من عام 38 م..

كما لم يغفر اليهود ما حدث عام 66 في عهد نيرون، إذ أطلق تبيريوس يوليوس اسكندر الحاكم المصري، فرق جنود الرومان الذين عملوا النهب والسلب والقتل، وقتلوا في ذلك اليوم خمسون ألفًا ولم ينج منهم شيخًا ولا طفل..

كان يعقوب تيودوروس مارًّا من المكان، وحينما رأى العراك، تدخّل وسحب أبشالوم إلى الخارج، وابتعد به عن بؤرة الأحداث قبل أن تتفاقم الأمور ويتدخّل الجند الرومان.

يعقوب تيودوروس من اليهود المُتهللّنين المُتحرّرين، وهو اسم مُركَّب كعادة بعض اليهود في إضفاء صبغة يونانيّة على الاسم ليستطيع التعامل بحريّة في المجتمع التجاري السكندري.

كان يعقوب من الذين اندمجوا في الثقافة السكندريّة متخطيًّا حاجز العرق اليهودي، وكان ممّن يتبعون منهج فيلو الذي جمع بين الإيمان اليهودي والثقافة الإغريقيّة وكأنّه يحاول الخروج بطرفي النزاع في المجتمع إلى برّ الأمان والسلام.

- ما الذي زجّ بك في هذا العراك؟ سأل يعقوب

- هؤلاء الأوغاد يسخرون من أدوناي

- دعهم يقولون ما يشاءون، فأدوناي قادرٌ على حماية اسمه بين الأمم

- أو لا نغير على إيماننا وإلهنا!!

- إنّ المدينةَ الآن في قبضتهم، وهم يتحيّنون الفرصة لكيما يصبُّوا علينا جام غضبهم ليخرجونا من الإسكندريّة، يجب أنْ نحتاط لهذا الأمر.

- إنّي أفضّل الموت عن الصمت أمام بذاءاتهم..

- يا صديقي، الحكمة تقتضي الصمت إلى أن نسترد عافيتنا وقوّتنا في المدينة.. على أيّة حال، أنا يعقوب تيودوروس، وأنت؟

- أبشالوم بن إليعازر

- سعدت بلقائك، وأتمنّى أنْ أراك قريبًا ولكن ليس في مشاجرةٍ

ابتسم أبشالوم وهو يقول: بالطبع..

- تبادلا السلام وذهب كلٌّ منها في طريقه.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

كان أبشالوم يلقى الدعم والتشجيع من الرابيين الذين يثنون على حميته على اسم الربِّ الذي يجب الدفاع عنه ضدّ الأمم الأنجاس عابدي الأوثان. فلقد تلقّن من المُعلّمين منذ أن كان في بيت ها سِفِرْ (بيت الكتاب، وهو المكان الذي يتعلّم فيه الصبي، التوراة، في المرحلة الأولى من عمره) أنْ يغير على الربّ واسمه بين الأمم وهو الذي كان يدفعه إلى الدخول في شجاراتٍ دائمةٍ مع اليونانيين والرومان من أهل المدينة.

كان يتذكّر كلمات يوسيفوس عن أولئك الذين سُجنوا وتحمّلوا مختلف الآلامات بل والموت على مسارح الاقتتال من أجل صمتهم وعدم تلفُّظهم بكلمةٍ في حقّ الناموس والنصوص المُقدّسة.

إلاّ أنّ ما يلقاه من إطراء على غيرته البدنيّة جعله يُفكّر: ألا يستطيع أدوناي أنْ يبيد الأمم بنفخة فمه، ويعيد المجد والسيادة لشعب الربّ؟؟ ولكنه كان ينفض غبار التساؤل سريعًا، ويرجع ويقول لنفسه: إنّ ما نلقاه من مضايقات لهو تأديبٌ من أدوناي للشعب بسبب مخالطته للأمم وحيده عن الوصايا.

آه.. متى يأتي المسيّا ليُخلّصنا من هؤلاء الغوغاء وتصير الأرض كلّها لأدوناي ولمسيحه؟؟ سؤال كان يراوده ليل نهار..

كان أبشالوم على موعد مع الرابي موشى الذي كان يلقاه ليُفسِّر له بعض الأمور الغامضة في التَنَخْ (النصوص الكتابيّة). فقد كان الطفل اليهودي يتعلّم منذ نعومة أظافره أقوال الحاخامات القُدامَى عن أهميّة تعلُّم الناموس. ولعلّ كلمات الرابي هِلِّل كانت أكثرها ترديدّا على فم الرابي موشى إذ اعتاد أن يقول:

الرجل الجاهل لا يمكن له أنْ يكون تقيًّا بالحقّ.. ومَنْ يُكثِّر من تعلُّم الناموس تزداد له الحياة، وكلّما ازدادت مدارس تعليم الناموس، ازدادت الحكمة وازداد التعقُّل. إنّ مَنْ يقتني له معرفةً بالناموس يقتني له حياةً في الدهر الآتي.

لم ينس أبشالوم تلك الرحلة التي صحبه فيها الرابي موشى لرؤية رابي يهودا هالنّاسي وهناك رأى العمل العظيم الذي كان يقوم به من تجميع أقوال المُعلّمين وأقوالهم في المُجلّد ذو الثلاثة والستّون فصلاً والذي أسماه المشناه. وهناك سمع منه كلمات ضربت بجذورها في عقله، حينما قال: افتكر بثلاثة أمور فلا تقع في الخطأ؛ أنّ فوقك عينًا ترى وأذنًا تسمع وأنّ أعمالك كلّها مُدوّنة في كتابٍ..

دخل أبشالوم على الرابي مُلقيًا بالتحيّة: شالوم رابي..

- شالوم أبشالوم.. ماذا حدث، يبدو عليك الإنهاك، وما سبب هذا التورُّم الذي في وجهك، هل تعاركت مع أحدٍ؟؟

- نعم يا مُعلّم، فلقد سَخَرَ أحد اليونانيين الحمقَى أتباع سيرابيس من أدوناي متلفّظًا بالاسم المُقدّس بل ومستبيحًا الحديث عن سبت الربّ..

- إنّ الجوييم (الأمم) دائمًا يتربّصون بنا ويحاولون استفذاذنا، إنّهم يريدوننا أنْ نتحوّل عن ديانة آبائنا، وننقض العهد الذي قطعه الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب مع أدوناي، لذا يجب ألاّ نصمت أمام سخافاتهم، بل علينا أنْ نلقنهم درسًا ونُريهم قوّة جند الربّ..

- هذا ما فعلته..

- حسنًا فعلت، وإنك لأشبه بإيليا الذي غار غيرةً للربّ -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى- وأغار على كهنة البعل وأوثانه النجسة.

- ومَنْ أنا لأتشبّه بإيليا العظيم..

- مَنْ غار غيرةً للربّ فقد صار من زمرة الغيورين الذين لهم نصيبًا كبيرًا وعظيمًا في مملكة القدّوس القادمة.. على أيّة حال دعنا نترك أمر الأمم لندخل إلى الشاكيناه (المجد الإلهي الذي كان يُظلّل الجبل عند نزول الربّ على الخيمة) ونفتح النصّ المُقدّس لنتعرّف على إلهنا ووصاياه..

فتح أبشالوم الرقّ وهمّ بالقراءة فاستوقفه الرابي قائلاً: دعنا نتلو البركة أولاً.

- عذرًا فقد نسيت.

رفع الرابي موشى يديه في مستوى صدره ملاصقًا اليدين من خلال تماس الإبهامين، وأغمض عينيه وقال:

امنحنا يا أبانا نعمة المعرفة التي هي منك،

وأيضًا الفهم والتمييز من ناموسك.

ردّ أبشالوم وهو مُطامِن الرأس قائلاً:

مبارك أنت أيها الربُّ، يا مَنْ تمنحنا نعمة المعرفة.

بدأ الرابي بقراءة نصٍّ من سفر الخروج، وهو يتمايل إلى الأمام والخلف في حركة منتظمة كبندول الساعة. توقّف عن الحركة والقراءة وسأل أبشالوم: قل لي يا أبشالوم، في رأيك هل هناك ما يعوق دراسة الشريعة؟

أجاب أبشالوم بنبرة متردِّدة بعد لحظة تفكير جابت فيه عيناه سقف الغرفة: الفقر!!

أمال الرابي رأسه إلى أسفل رافعًا عينيه إلى أعلى وهو يقول: عندما تقف النفوس قبالة كرسيّ الحكم الذي لله. يبدأ في سؤال الفقراء والأغنياء والشهوانيين عن عُذرهم في عدم دراسة الشريعة. إن تعلَّل الفقير بفقره يتم تذكيره بهلِّل، فبالرغم من أنّ دخله المالي كان قليلاً إلاّ أنّه كان ينفق نصفه ليدفع رسم الدخول إلى مدرسة الشريعة.. وإنّ اعتذر الغني مُتعلِّلاً بشؤون تجارته وثروته يُجاب بأنّ الرابي أليعزر كان يملك ألف حُرج وألف سفينة، ومع ذلك تخلَّى عن مُتع الثروة كلّها، وراح يرتحل من مدينة إلى أخرى بحثًا عن مسالك الشريعة وتفاسيرها.. وإن احتجّ الشهواني بأنّ الشهوة أغوته وحرفته عن جادّة الصواب صوب الرذيلة، يسأله الله هل تعرَّض لغوايةٍ أكثر ممّا تعرض له يوسف..

وقتها سيستدّ فم الكسالى أمام الله..

بدت عينا أبشالوم ساهمة، فبادره الرابي قائلاً: ما لك اليوم يا أبشالوم؟؟

- في الحقيقة يا مُعلّم، عندي بعض التساؤلات التي تستولي على عقلي؟

- عن ماذا أردت أنْ تسأل؟

- لقد دار حوارٌ بيني وبين أحد أتباع يسوع المصلوب والذي قرأ لي نصّ المزمور الثاني والعشرين. هل لي بقراءة فقرة منه الآن؟

- تفضَّل..

- لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ.

جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي.

ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ.

أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ.

يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ.

لقد أخذ يشرح أنّه يتحدّث عن المسيّا، وطبّق هذا المزمور على يسوع الناصري مُدّعيًا أنّه هو هو المسيّا.. وأنّ ثقب اليد والرجل هو الصلب، والعظام التي أحُصيت إشارةً إلى عدم كسر عظامه كما كانت العادة مع المصلوبين، وأنّ اقتسام الثياب وإلقاء القرعة عليها هو نفس ما جرى من الجند الرومان على الجلجثة..

كما قرأ لي نصّ إشعياء 53 الذي يقول:

مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟

نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ،

لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ،

وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ،

رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ.

لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا.

وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً.

وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا.

تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.

كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا.

ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ.

كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ.

مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ.

وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ،

 أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ،

وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ.

أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ.

إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ،

وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ،

وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا.

 لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً،

مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ،

وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ.

أحمرّ وجه موشى وصاح بغضبٍ: لماذا تخاطب هؤلاء الملعونون؟ لماذا تنصت لترهاتهم؟

- لقد كان يستخدم النصّ المُقدّس، فرأيت أن أحاوره في..

- قاطعه موشى وقد بلغ منه الغضب مبلغه: لا تدخل في حوارٍ مع هؤلاء، فهم يُفسِّرون النصوص المُقدّسة حسب أهوائهم، ويؤوّلون كلّ شيءٍ ليُطبّقوه على يسوع الناصري.. إنّهم طائفةٌ انحرفت عن إيمان الآباء، وقد لقَى زعيمهم الجزاء الذي يستحقّه على يد قادتنا في أورشليم..

- أريد أن أفهم شرح مُعلّمينا لنبوّة إشعياء.

- إنّ من يتحدّث عنه إشعياء هو شعب بني إسرائيل وليس عن شخصٍ محدّدٍ..

- ولكن الكلام ينطبق تمامًا على يسوع الناصري وقد قرأت في ترجوم يوناثان بن عُزّيل عن مسيانيّة هذا النصّ إذ يبدأ في الترجوم بعبارة: عبدي المسيّا!! كما قرأت في المِدْرَاش أنّ كلمة رجل “رجل أوجاع” تعني مسيّا!!

زفر الرابي موشى بكلماته وكأنّها حممٌ بركانيّةٌ قائلاً: المسيّا سيأتي قويًّا وسيُحرِّر شعبنا من سيادة الأمم.

- يا مُعلِّم، إنّ المسيحيين يتزايدون وينمون ويكرزون في كلّ مكانٍ بيسوعَ أنّه المسيّا وأنّه الإله!!

- يا للتجديف.. لقد أُعدِمَ يسوع هذا على الصليب ومات ملعونًا بحسب الشريعة كغيره من المجرمين وانتهى الأمر، وعن قليل سوف يتفرّقون وتنتهي شيعتهم إلى لا شيءٍ..

- ولكنّهم يقولون أنّه قام من بين الأموات..

- أتصدّق هذا؟

- بالطبع لا. ولكنهم ينقلون شهادات كثيرة من أُناس كثيرين شاهدوه بعد الموت قائمًا في نورٍ..

- كذبٌ.. كذبٌ..

- إنّ لهم دلائل على هذا

- كلّه كذب..

- وماذا عن شاول الذي تربّى على يد غمالائيل العظيم، والذي رأى يسوع في طريقه إلى دمشق ودعاه ليصير له تابعًا، وبدأ يكرز بقيامة يسوع من الأموات..

- لقد أغواه المسيحيّون فترك ديانة آبائه، مع أنّ مستقبله كان باهرًا إذ كان سيُصبح مُعلّمًا كبيرًا.. ولكنها غواية المسيحيين كما قلت لك.. وقد لقي جزاؤه على يد الإمبراطور

- وهل بسهولة يتحوّل مُطارِدُ المسيحيّين الأوّل إلى تابعٍ مُخلصٍ لإلههم وهو الذي يشهد له الجميع بالغيرة على ديانة الآباء وبالحرص على عادات الناموس والسير على خُطَى الأقدمين؟؟

- لقد مارسوا معه السحر كما كان مُعلِّمهم يفعل المعجزات مُستخدمًا قوات الشياطين؟؟

- وهل يمكن للشياطين أن تعمل الخير؟؟

- أراك متأثّرًا بما سمعته منهم؟؟ ما بالك تُدافع عنهم؟؟

- إنّها أفكارٌ تدور برأسي، ويجب أن أقتنع لكيما أستطيع أن أجادل الآخرين.

- لا.. لا تدخل في حوارٍ معهم على الإطلاق..

- ولكن..

- لا مناقشة في هذا الأمر.. أنت لازلت صغيرًا على مثل تلك الحوارات.. لا حوار مع المسيحيين مهما كانت الأسباب. يكفي هذا الحوار اليوم..

قام الرابي موشى وهو مُضطّرب وبدأ يطنطن مُردّدًا الفقرة الأخيرة من البركات الثماني عشر، بينما كان مُتّجهًا إلى غرفته، قائلاً:

المرتدّين لا يكن لهم رجاء

ولتسقط وتنقرض مملكة المتعجرفين من أصولها في أيامنا

وليهلك أتباع يسوع الناصري والهراطقة في لمحة عينٍ

ولُيمحَ اسمهم من سفر الحياة

ولا يُحسبوا مع الصدّيقين

مباركٌ أنت يا ربُّ الذي تُذلّل المتكبرين

كانت كلماته تخرج وكأنّها تستنهض همم الأجيال السابقة الذين صلبوا الناصري ليُبعثوا من جديد لصلب كلّ ناصري..

خرج أبشالوم وهو مُمزّقٌ بين فضول الشباب الذي لا يقتنع إلاّ بالدلائل والبراهين والحوار والإقناع، وبين طاعة المُعلِّم التي هي أساسيّةٌ في التلمذة على يد الرابيين.. كان صدى نصّ المزمور يتردّد في أذنيه بينما رسم ذهنه صورة للمصلوب على وقع الكلمات.. كان يُحاول التفلُّت من شقي رحى الكلمات والخيالات إلاّ أنّ ذهنه كان مُمسَكًا بشدّة. ناله الإعياء وهو يصارع الفكر ويقارعه ويدفعه دفعًا خارج حجرة عقله الرحيبة والتي يجب عليه أنْ يُضيّقها ويسدّ منافذها كما أمره الرابي..

ذهب إلى البحر وجلس على شاطئه وكأنّه يستلهم منه قرارًا يأتي سابحًا على موجةٍ من المجهولِ ويدفع بموجاته ما وقر في قلبه من الشكّ والحيرة..

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) بعد خراب أورشليم ودمار الهيكل أمر الإمبراطور فسبسيان أن تتحوّل ضريبة نصف الشاقل التي كانت تُدفع للهيكل في أورشليم إلى جوبيتر، إمعانًا في إذلال اليهود وقد عُرفت في روما باسم Denarii duo Judaeorum

إرسل هذه الصفحة لصديق

بطريركية الأقباط الأرثوذكس - موقع القديس تكلا هيمانوت بالإسكندرية - الصفحة الأولى من موقع الأنبا تكلاهيمانوتكتاب رواية ليكن نور

Like & share St-Takla.org


© موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - الإسكندرية - مصر / URL: http://St-Takla.org / اتصل بنا على:

http://st-takla.org/books/fr-sarafim-elbaramousy/light/absalom.html