![]() |
![]() |
|
14- عوائق أمام الغيرة
هناك عوائق قد يضعها البعض أمام الخدمة، تمعنة من أن يلتهب بالغيرة المقدسة.. والعجيب أن هذه العوائق يلبسها ثوباً روحياً، حتى يستؤيح ضميره وهو بعيد عن الغيرة وعملها. فما هى هذه العوائق؟
1- قد يعتذر العبض بأن اهتمامه بخلاص نفسه، يعطية فرصة للاهتمام بخلاص الآخرين.
ونحن نقول إنه لا تعارض. فمن الأشياء التى تساعدك على خلاص نفسك، أن تكون لك محبة نحو الآخرين وخلاصهم إذ كيف تخلص، إن كنت لا تحب غيرك، ولا تبذل لأجله ولا اقصد بذلك أن ترتئى فوق ما ينبغى (رو 12: 2ى)، وتقيم نفسك واعظاً ومعلماً لكل أحد، وأنت لا تعرف!! بل ترتئى للتعقل، فى حدود إمكانياتك، وفى حدود مواهبك..
و الذى لا تستطيع أن ترشده، صل لأجله..
و الصلاة من أجل خلاص الناس، من الأمور الممكنة لكل أحد، ولا تحتاج إلى مواهب وقدرات..! صارع مع الله فى هذا الأمر، وضع نفسك أيضاً مع الذين يحتاجون إلى خدمة وإلى صلاة..
نقول ايضاً أن هناك فرقاً بين الراهب الذى اغلق على نفسه فى حياة وحدة وصمت وعبادة، وبين الإنسان الذى يعيش فى العالم، ويشعر بما يحتاج إليه الناس، ولا يستطيع أن يغلق احشاءه أمامهم (1يو 3: 17).
2- وقد يعتذر البعض بأن الغيرة تفقده وداعته وتواضعه:
كما لو كانت الوداعة أن يكون الإنسان راكداً لا يتحرك، أو أن يكون بارداً لا يسخن أبداً!! هل فقد القديس بولس الرسول وداعته حينما احتدت روحه فيه لما رأى مدينة أثينا مملوءة أصناماً (أع 17: 16). إنه تصرف فى غيرة مقدسة، وفى نفس الوقت ظل مختفظاً بوداعته.
و السيد المسيح الذى نتعلم منه الوداعة والتواضع (متى 11: 29)، بكل غيرة مقدسة فتل حبلاً وطهر الهيكل.. وبخ الناس، واخرج البهائم، وقلب موائد الصيارفة. وقال لهم " بيتى بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص (متى 21: 12، 13)
إن الحياة الروحية ليست حياة سلبية، إنما هى قوة ايجابية تتكامل فيها لفضائل ولا تتعارض ولا تتناقص.
فيمكن أن يكون الإنسان عنده التواضع والوداعة، وفى نفس الوقت عنده الغيرة والشجاعة والحزم. ويستخدم كل فضيلة من هذه الفضائل فى وقتها المناسب، باسلوب لا يتعارض مع الفضائل الأخرى. كالأب الذى يعطى إبنه الحنان حيناً، والتأديب فى حين آخر، دون أن يتناقص مع نفسه.
وكمثال للغيرة والوداعة معاً، نذكر داود النبى.
كان داود النبى وديعاً بلا شك، إذ قيل فى المزمور " اذكر يا رب داود وكل دعته " ومع ذلك قيل فى نفس المزمور إن داود " نذر لإله يعقوب: إنى لا ادخل إلى مسكن بيتى، ولا أصعد على سرير فراشى، ولا اعطى لعينى نوماً، ولا لأجفانى نعاساً.. إلى أن أجد موضعاً للرب ومسكناً لإله يعقوب" (مز 132: 3). وهذا هو عمق الغيرة المقدسة مع الوداعة..
وكمثال آخر للغيرة والوداعة معاً، نذكر ايضاً موسى النبى:
من جهة الوداعة، قيل عن موسى النبى " وكان الرجل موسى حليماً جداً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عدد 12: 3). وموسى هذا الوديع، لما رأى الشعب يعبد العجل الذهبى، بكل غيرة أحرق هذا العجل وسحقه وذرى ترابه، وانتهر هارون رئيس الكهنة (اقرأ مقالاً عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في قسم الأسئلة والمقالات) (خر 32: 19، 20).
3- وقد يعتذر البعض بأنه لم يدع إلى الخدمة:
ونحن نقول فى ذلك إن التكريس الكامل للخدمة، لاشك يحتاج إلى دعوة، كالكهنوت مثلاً، إذ قال الرسول: "لا يأخذ أحد هذه الوظيفة (أو هذه الكرامة) من نفسه، بل المدعو من الله كما هرون أيضاً" (عب 5: 4).
ومثل ذلك أيضاً النبوة والرسولية..
هناك أشخاص يدعوهم الرب لخدمته دعوة واضحة، مثل دعوته لموسى النبى (خر 3)، ودعوته لإشعياء (إش 6)، ودعوته لإرمياء (إر1)، ودعوته لصموئيل (1صم 3: 10). وبالمثل دعوة الرب للإثنى عشر تلميذاً (مت 10).
على أن هناك نوعاً آخر، يجد نفسه ملتهباً بمحبة الخدمة إلتهاباً لا يملك له مقاومة ويكون هذا الإلتهاب الداخل دعوة إلهية بعمل النعمة فيه. ويكون قد حركة الرب من الداخل.
ويشترك فى ذلك، أن يكون الغرض سليماً، وأن تكون الوسيلة روحية، ولا يكون الخادم فى خدمته مستقلاً الكنيسة..
مثل هذا الشخص، حتى لو أخطأ فى سيلته، يصلح له الرب هذه الأخطاء أثناء الطريق، ويرسل له من يعلمه، بشرط سلامة الهدف والبعد عن التمركز حول الذات
وهكذا تكون الغيرة المقدسة عملاً من أعمال النعمة داخل القلب والغيرة فى حد ذاتها لا تحتاج إلى دعوة، بل شعور مقدس سنبغى أن يكون فى قلوب الكل.
إنما الصورة التى تتخذها هذه الغيرة فى العمل، هى التى قد تحتاج إلى دعوة فى بعض الأحيان. والذى يعيش تحت إرشاد أب روحى، يمكن لهذا الأب أن يرشده فيما يعمل. وهكذا تكون غيرته ويكون عمله تحت إرشاد وإشراف.
هناك حالات تعتبر دعوة بحكم الوصية، أو بحكم المحبة الأخوية:
هل إذا كنت سائراً، ومررت بغريق، أو بمبنى فى حريق، أو أعمى فى الطريق.. هل تحتج عن ارشاد الأعمى، أو انقاذ الغريق، أو الاتصال بالمسئولين لاطفاء الحريق.. بحكم أنه لم تصلك دعوة؟! كلا بلاشك. لأن القلب الملتهب بالمحبة، يلتهب بالغيرة للانقاذ. وتكون كلمة الدعوة هنا مجرد شكليات.. فالدعوة التى فى داخل القلب هى فوق الرسميات..
و هنا نذكر مثال السامرى الصالح (لو 10):
هل احتج هذا السامرى بأنه لم يتلق دعوة، أو بأنه ليست له وظيفة رسمية مثل الكاهن واللاوى؟! أم أنه لما رأى الجريح " تحنن، ونقدم زضمد جراحاته.." (لو10: 33، 34). هكذا فى كثير من أنواع الخدمة. وهنا نذكر ضمناً:
4-البعض قد يقول ان العمل الروحى هو مسئولية رجال الأكليروس على مختلف درجاتهم، ولا شأن لى بذلك.
نعم، إنما مسئولية الاكليروس. ولكن رجال الأكليروس لا يستطيعون أن يعلموا وحدهم، ولابد من تعاون الكل معهم. كما أن منهج القاء المسئولية على الغير، إنما يتجاهل المسئولية الشخصية النابعة من الحب، ومن الخوف على الناس من الهلاك. هل مسئولية الآخرين تعفيك من عمل المحبة، إن كان فى مقدرتك؟!
لذلك اهتم بسلامة أخوتك. واعمل كل ما تستطيع لكى تربح نفوساً للرب. وإياك ان تردد عبارة قايين القائل. " أحارس أنا لأخى" (تك 4: 19)...
نعم أنت حارس لأخيك. تحرسه بالحب والرعاية. تحرسه بقلبك وبلسانك، وبجهدك وبصلواتك، وبتعبك وذلك من أجله. لا تترك واحداً من أخوتك يضل، إن كان بأمكانك أن تنقذه. لأن الله سوف يطالبنا بأنفس أخوتنا فى اليوم الأخير وبخاصة الذين لم يجدوا أحداً يقف إلى جوارهم، الذين نصلى عنهم فى تحليل نصف الليل ونقول: اذكر يا رب العاجزين والمنطرحين، والذين ليس لهم أحد يذكرهم"..
__________________________________________________________________________________
© كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية -
مصر / URL: http://St-Takla.org
/ إتصل بنا على: