![]() |
![]() |
|
9- القلب الحنون
تحدثنا في مقالين آخرين:
عن القلب الكبير المملوء بالتسامح والعفو..
و عن القلب الهادئ المملوء بالسلام والطمأنينة.
و نريد اليوم أن نعرض للقلب الحنون المملوء بالشفقة والحب..
القلب القاسي، باستمرار يحطم ويهدم. وقسوته لا تشفق، ولا ترحم. إنه نار تأكل كل شيء، حتى نفسها..
أما القلب الحنون العطوف، فإنه يفيض رقة وإشفاقاً على كل أحد، حتى الذين لا يستحقون، وحتى على أعدائه..
و حنو الإنسان على غيره، قد
يشمل
الكائنات جميعاً..
فيحنو على العصفور المسكين، وعلى
الفراشة الهائمة، وعلى
الزهرة الذابلة.. بل قد يحنو على الوحش المفترس، مثل
القديس الذي رأى أسداً يئن من شوكة في قدمه، فانحني وأراحه منها..
وقد يكون الحنو في نواح مادية أو جسدية، وقد يكون في نواح نفسية أو روحية.
و خلاصة الأمر أن القلب المملوء حناناً، يفيض بهذا الحنان في كل المجالات، وعلى الكل. فيشفق على الفقير المحتاج، وعلى المريض المتألم، كما يشفق على البائس والمتعب نفسياً، وعلى الساقط في الخطية المحتاج إلى من يأخذ بيده ليقيمه.
والحنان ليس مجرد عاطفة في القلب، وإنما تتحول فيه العاطفة إلى عمل جاد من أجل إراحة الغير.
إن الحنان النظري هو حنان قاصر، حنان ناقص، يحتاج إلى إثبات وجوده بالعمل. ولهذا قال القديس يوحنا الحبيب: "يا أخوتي، لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق".
الناس يحتاجون إلى من يعطف عليهم، إلى من يأخذ بيدهم، إلى من يشجع الضعيف، ويقيم الساقط، ويفهم ظروف الناس واحتياجاتهم. وتكون له روح الخدمة فيخدم الكل، ويساعد الكل، ويعين الكل، ولا يحتقر ضعفات أحد.. كما قال الكتاب: "شددوا الركب المخلعة، وقوموا الأيدي المسترخية"..
وقيل عن السيد المسيح إنه كان: "لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ".. هذه الفتيلة المدخنة ربما تهب ريح فتشعلها، فتضئ مرة أخرى..
و كان حنوه يشمل الروح والجسد معاً. وهكذا قيل عنه في الإنجيل المقدس إنه: "كان يجول يصنع خيراً".. كان يشفق على الأرواح الساقطة فيقيمها بالتوبة، ويشفق على الأجساد المريضة فيشفيها.. "يطوف المدن والقرى: يكرز ببشارة الملكوت، ويشفى كل مرض وكل ضعف في الشعب".
أحضروا إليه مرة امرأة خاطئة قد ضبطت في ذات الفعل، وانتظروا منه أن يحكم برجمها حسبما تقضى الشريعة (اقرأ مقالاً آخراُ عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في قسم الأسئلة والمقالات). أما هو فقال لهم: من منكم بلا خطية، فليرمها بأول حجر". وانصرف المطالبون برجمها لأنهم أيضاً خطاة. واطمأنت المرأة. فنظر إليها السيد المسيح وقال لها: وأنا أيضاً لا أدينك.. أذهبي بسلام. ولا تعودي تخطئ أيضاً".. هذا هو الحنو الذي يكسب القلب، ويقوده إلى التوبة.. فليتنا نحنو على الخطاة، لكي نكسبهم إلى الله.
كم من أناس قد غطسوا في الشر حتى غطاهم، وما يزال الله يستر.. لم يكشفهم، ولم يفضحهم، ولم يعلن خطاياهم للناس.. لأنهم ربما لو انكشفوا لضاعوا، وانسد أمامهم الطريق إلى التوبة بعد فقدهم لثقة الناس.
إن القلب الحنون يستر خطايا الناس. لا يتحدث عنها، ولا يشهر بها، ولا يقسو في الحكم عليها.. بل قد يجد لهم عذراً، أو يخفف من المسئولية الواقعة عليهم.. وأن قابلهم لا يفقد توقيره لهم، معطياً إياهم فرصة للرجوع.. بل قد يضحى بنفسه من أجلهم، ويتحمل المسئولية عوضاً عنهم إن استطاع.
قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "إن لم تستطع أن تمنع من يتكلم على أخيه بالسوء، فعلى الأقل لا تتكلم أنت".
"وأن لم تستطع أن تحمل خطايا الناس، وتنسبها إلى نفسك لكي تبررهم، فعلى الأقل لا تستذنبهم وتنشر خطاياهم".
![]()
* من قسم مقالات روحية للأنبا شنوده الثالث: القلب الكبير - القلب المطمئن
* من قسم كلمة منفعة: السلام القلبي - سلام القلب
__________________________________________________________________________________
© كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس - الإسكندرية -
مصر / URL: http://St-Takla.org
/ إتصل بنا على: