St-Takla.org  >   books  >   pope-sheounda-iii  >   good-thursday
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب تأملات في يوم خميس العهد - البابا شنوده الثالث

4- الحزن والآلام في حياة المسيح

 

وقيل عن المسيح إنه حزن واكتأب(1).

قيل إنه حزن واكتئاب (مر 14: 33). وقد قال في البستان: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت" (مت 26: 38). ويكفي ما قيل في أحزانه إن "أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها" (إش 53: 4) أي أن كل أحزان البشرية وأوجاعها قد وضعت على كتفيه، وصارت مشاعر في قلبه...

سجل له الكتاب أنه بكى أكثر من مرة.

بكى عند قبر لعازر (يو 11: 35).

وبكى على أورشليم "نظر إلى المدينة وبكى عليها" (لو 19: 41)، ذاكرًا الآلام التي ستتعرض لها هذه المدينة فيما بعد.

إن العالم لم يجمع دموع المسيح في زق عنده.

ولكن يكفي أن الإنجيل حفظ لنا هذه الأخبار التي تظهر لنا أن المسيح من جهة طبيعته الإنسانية كان رقيقًا وحساسًا وعاطفيًا، ويتأثر من آلام الناس -كأفراد- ويبكي عليها. كما يتأثر بآلام الجماعات –كالمدن– ويبكي عليها.

ترى لماذا بكى عند قبر لعازر؟

هل تأثر ببكاء وحزن مريم ومرثا؟ جائز. أم هل لأنه كان يحبه؟ جائز أيضًا.

ولكن هناك معنى أعمق. لعله بكى على البشرية التي أوصلتها الخطية إلى الموت، فلولا ذلك ما مات لعازر كما مات باقي الناس. وأيضًا لأن البشرية التي خلقت على صورة الله ومثاله، وصلت إلى هذا المصير الذي تقول فيه أخت عن أخيها المحبوب إنه "قد أنتن".

إنها خطية الإنسان الأول التي جرت إلى كل هذه النتائج: الموت، والنتن، وانحلال الجسد، وبكاء الأقارب والأصحاب، والسيد المسيح حينما بكى عند قبر لعازر كان كل ذلك أمام عينيه.

وكان لعازر يمثل البشرية المنهارة التي تموت وتنتن.

رزحت البشرية تحت أثقال كثيرة من الآلام والأحزان والأوجاع والمتاعب، حتى تحنن عليهم الرب "إذ رآهم منطرحين ومنزعجين كغنم لا راعي لها" (متى 9: 36). وقال لهم "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (متى 11: 28). لقد شاركهم قلبيًا في آلامهم. ولكن كيف أراحهم؟ لقد أراحهم عمليًا.

فكما حمل خطاياهم، هكذا حمل أحزانهم وأوجاعهم.

وفى ذلك يقول أشعياء النبي "لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها... وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا" (أش 53: 4، 5).

إذن حين نتأمل في آلام المسيح، إنما نتأمل معاصينا وآثامنا. ونتأمل أوجاعنا التي تحملها، وبسببها "سكب للموت نفسه، وأحصى مع أثمة" (أش 53: 12).

آلام السيد المسيح دليل على حبه للبشر.

حبه هو الذي صلبه. ولولا هذا الحب ما استطاع بيلاطس ولا اليهود أن يصلبوه. هو قال "أضع نفسي لآخذها أيضًا. ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 10: 17، 18). ولماذا وضع ذاته؟ من أجل محبته للبشر. من أجل حبه الجبار لي ولك. هذا الحب الذي جعله يبذل ذاته فداء عنا، لكي نخلص نحن بموته. "هكذا أحب... حتى بذل" (يو 3: 16). إنه الحب الجبار الذي جعله يجمل خطايا العالم كله، لكي يمحوها بدمه ويموت عنها.

لقد كان مسرورًا بحمل خطايا الناس وآلامهم.

وفى ذلك يقول القديس بولس الرسول عن الرب في آلامه وصلبه "من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصلب مستهينًا بالخزي..." (عب 12: 2).

لقد حمل الآلام في فرح، لأنه كان يجد سرورًا في الفداء العظيم الذي يقوم به، كان مسرورًا بهذا الخلاص الكامل الذي يقدمه على الصليب. لقد قدم نفسه ذبيحة حب، من فرط محبته لمن ذُبِح لأجلهم، في فرح بخلاصهم.

فهل أنت مثله تقدم نفسك ذبيحة حب؟

هل تنظر إلى آلام المسيح ناسيًا نفسك؟ أم أنت تأخذ من آلامه دروسًا لكي نتعلم. والدرس الآن هو بذل النفس لأجل الآخرين حبًا لهم. فهل أنت كذلك؟ هل أنت ذبيحة حب، تقبل الآلام حبًا في غيرك. إن لم تكن كذلك، فابدأ من الآن. تعلم البذل حتى الموت كما فعل الرب...

إن حب المسيح بلغ قمته، أو شاهدناه نحن في قمته، حينما صعد هذا الحب على الصليب لكي يبذل ذاته في حنان وحب وإشفاق على جميع الخطاة، ويقبل لأن يموت عن الموتى الذين هم نحن، لكي نحيا بموته.

وآلام المسيح لم تكن آلام الجسد فقط...

لم تكن آلامه الجسدية فقط، سواء في الأشواك أو اللطم أو الجلد أو الصلب أو حمل الصليب... وإنما أهم من ذلك كله آلامه في حمل الخطية التي لا تتفق مع طبعه... حمل جميع خطايا الناس من آدم إلى آخر الدهور...

وقف أمام الناس كخاطئ، وأمام الآب كخاطئ.

أمام الناس "أحصى مع أثمة"... وأمام الآب وقف نائبًا عن البشرية الخاطئة، يجمل خطاياها كلها ليقدم ثمنها للعدل الإلهي، وبهذا يرضى الآب، ويكون "ذبيحة محرقة، رائحة سرور للرب" (لا 1: 9). وهذا "الذي لم يعرف خطية، جُعل خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه" (2 كو 5: 21).

St-Takla.org Image: Jesus carries His Cross - illustration from "Communicating Christ" book, Bogota, Colombia. صورة في موقع الأنبا تكلا: السيد المسيح يحمل صليبه - من صور كتاب توصيل المسيح، بوجوتا، كولومبيا.

St-Takla.org Image: Jesus carries His Cross - illustration from "Communicating Christ" book, Bogota, Colombia.

صورة في موقع الأنبا تكلا: السيد المسيح يحمل صليبه - من صور كتاب توصيل المسيح، بوجوتا، كولومبيا.

ما أصعب على القدوس أن يحمل خطية. إنه أمر مؤلم. ولكنه قبله بفرح.

وهكذا مات كذبيحة خطية، كحامل خطية. فهل أنت كذلك؟

هل تحمل خطايا الناس، كما حملها المسيح؟

هل تستطيع أن تأخذ خطايا غيرك وتنسبها إلى نفسك؟ وتقول "أنا المخطئ وليس هو"... وإن نسبت إليك خطية اقترفها آخر، هل تستطيع أن تقبل ذلك ونصمت؟

وإن لم تستطيع أن تحمل خطايا الناس، فهل يمكنك على الأقل أن تحتملها؟ أي أن تحتمل خطايا الناس إليك... إن لم تستطع أن تحمل خطايا الناس وتنسبها إلى نفسك، فعلى الأقل لا تجلس وتدينهم وتحملهم خطايا...

أنظر إلى ما فعله المسيح على الصليب، وقارن بما تفعله أنت، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. هل أنت مثله ذبيحة حب تبذل ذاتك عن غيرك؟ هل أنت ذبيحة خطية تحمل خطايا غيرك؟

هل أنت ذبيحة محرفة ترضى الله الآب؟ من أنت في أسبوع الآلام؟

إن لم تحمل خطايا الناس، فاحمل آلامهم.

احمل آلام الناس كما حملها المسيح، الذي قال لهم "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (متى 11: 28). اشترك إذن مع المسيح في إراحة الناس... كن قلبًا كبيرًا يتألم مع المتألمين: يزور المرضى، ويعزى الحزانَى، ويدخل في مشاكل الناس لكي يحلها، أو على الأقل ليصلي لأجلهم ويعزيهم، ويربطهم بالله.

يقول الرسول "فرحًا مع الفرحين وبكاء مع الباكين" (رو 12: 15).

ولكن كثيرين ينفذون نصف هذه الوصية فقط.

يمكنهم أن يفرحوا مع الفرحين، ولكن صعب عليهم جدًا أن يبكوا مع الباكين ويتألموا مع المتألمين! الفرح هو الذي يجذبهم –للأسف– وليس الألم. وإن اشتركوا في الألم، سريعًا ما يملوا وينصرفون، لأن الاشتراك في الألم يؤلمهم، لذلك يهربون منه، بينما هو النافع لهم.

أما أنت فتذكر في أسبوع الآلام أن الألم نافع لك. وان ساعة تقضيها مع آلام الناس، هي أفيد لك من شهور في الفرح والبهجة. وضع هذه القاعدة أمامك:

الناس يجبون البهجة. ولكنهم يستفيدون من الألم.

ولعله من أجل هذا قال سليمان الحكيم "الذهاب إلى بيت النوح، خير من الذهاب إلى بيت الوليمة... الحزن خير من الضحك، لأنه بكآبة الوجه يصلح القلب. قلب الحكماء في بيت النوح، وقلب الجهال في بيت الفرح" (جا 7: 2 – 4).

ولكن لأن الإنسان لا يستطيع أن يحيا في الآلام وفي النوح باستمرار، لذلك قال الحكيم أيضًا "لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السموات وقت... للبكاء وقت... للنوح وقت" (جا 3: 1 – 4). ولعكس ذلك وقت.

استفد إذن من وقت الألم. استفد من الاشتراك في آلام الآخرين. واستفد من التأمل في آلام المسيح لأجلك.

ما أشد آلام المسيح. ننظر إليها فنتعزى.

في آلامنا نتعزى بآلامه. لأنه ما هي آلامنا إذا قيست بآلامه؟ ونتعزى أيضًا بآلامه، لأنه جاء يحمل آلامنا. يتألم هو لنستريح نحن. وهناك أمر ثالث، وهو أن آلامه كانت بسبب بره، حبه وبذله، أما آلامنا فهي بسبب خطايانا...

طبعًا قبل الخطية الأولى، لم يكن هناك ألم.

لقد دخل الألم إلى العالم نتيجة للخطية. وكثرت آلام الناس، ودخل إلى قلوبهم الحزن والقلق. ولم يكن هذا ما يريده الرب لهم. فماذا فعل المسيح تجاه الألم؟ لقد حمله بدلًا من الناس... وماذا أيضًا؟

لقد قدّس المسيح الألم بآلامه...

وأصبح الألم هبة وبركة. وهكذا قال بولس الرسول "قد وهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألموا لأجله" (في 1: 29).

وأصبح الألم هو طريق إلى المجد، إذ يقول الرسول أيضًا "نتألم معه، لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17)... نعم لقد قدس الرب الألم.

وسيظل يقدسه، إلى أن ننتقل من عالم الألم.

هنا الألم. مقدس وله أكاليل، كما قال القديس بطرس الرسول "إن تألمتم من أجل البر فطوباكم" (1 بط 3: 14). وسيظل الألم في العالم، ننال بركته، إلى أن يأخذنا الله من هذا العالم إلى "الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد" كما نقول في أوشية الراقدين. هناك يمسح كل دمعة من عيوننا "والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد..." (رؤ 21: 4). ويعيش محبو الله في نعيم دائم وفرح لا ينطق به ومجيد.

إذن فلنتألم هنا، لكي نتنعم هناك.

لا نكون مثل غني لعازر الذي قال له أبونا إبراهيم "إنك استوفيت خبراتك في حياتك، وكذلك لعازر البلايا. والآن هو يتعزى وأنت تتعذب" (لو 16: 25).

لنأخذ إذن موقف لعازر، ونتألم هنا في الحياة الأرضية لكي نتنعم هناك. هنا ندخل من الباب الضيق، ونسير في الطريق الكرب، لأنه "ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة. وقليلون هم الذين يجدونه".

فلنتألم إذن من أجل الرب، لأن آلامنا ستمهد لنا طريقًا إلى النعيم الأبدي.

الكنيسة تضع الشهداء في القمة لأنهم تألموا.

إنها تضعهم في طقس الكنيسة قبل الآباء الرعاة وأبطال الإيمان، وقبل الرهبان والنساك. وعلى قدر آلام هؤلاء الشهداء، ترفع الكنيسة من قدرهم، ويرفعهم الله. هؤلاء الشهداء القديسون دخلوا في شركة آلام المسيح، تألموا معه، فتمجدوا معه. ولكن ماذا يقال لأولئك الذين لم يكن الاستشهاد متاحًا لهم؟ لهؤلاء نقول:

كل نوع ألم لأجل الرب، له بركته وإكليله.

الأمر ليس قاصرًا على آلام الشهداء. وإنما أي ألم من أي نوع، هو مقبول عند الله. وكل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه (1 كو 3: 8). ومن أمثلة ذلك: الآلام التي يتحملها الإنسان في الخدمة كما شرح القديس بولس الرسول في رسالته الثانية إلى كورنثوس (2 كو 4، 6، 11).

كذلك الآلام التي نتحملها في جهادنا الروحي.

كما قال الرسول "أن مصارعتنا ليست مع لحم ودم، بل مع... أجناد الشر الروحية" (أف 6: 12). هذا الصراع "ضد مكايد إبليس" وضد "جميع سهام الشرير الملتهبة"... بكل ما في ذلك من ألم وتعب جهاد... هو صراع له إكليله.

وبنفس الوضع كل تعبير تناله لأجل الرب.

هذا تسمع عنه قول الرب نفسه "طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجل كاذبين. افرحوا وتهللوا، لأن أجركم عظيم في السموات، لأنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم" (متى 5: 11، 12).

هذا التعبير هو شركة في آلام المسيح الذي عيروه، وقالوا عنه إنه مُجَدِّف ومضل.

وفى آلامك ثق أن المسيح صديق لكل متألم.

شريك له، ورفيق له، في طريق الألم، لا يتركه وحده. وكما قال الكتاب "في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم" (أش 63: 9). بل أن آلامك يعتبرها آلامًا له هو شخصيًا، كما عاتب شاول الطرسوسي (أع 9 – 4).

إذن تتعزى بأن المسيح شريك لك في ألمك. ويتقوى أيضًا قلبك "انتظر الرب ليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب" (مز 27: 14). وضع أمامك أن:

المسيح كان قويًا وصامدًا في كل آلامه...

كان راسخًا في آلامه كالجبل الصلب الذي لا تهزه ريح ولا عاصفة. كان صامدًا في القبض عليه، وفي محاكمته، وفي الإهانات. وكان صامدًا أمام الجلد والصلب والموت. وأعطى مثالًا رائعًا للقلب الكبير، القوي الشجاع، الذي احتمل ظلم الأشرار، وقال "يا أبتاه اغفر لهم...". هذه العبارة النبيلة التي هزت قلوب الناس في كل جيل...

وهكذا حوَّل صليب العار إلى صليب مجد... وحول الألم إلى بركة وإكليل.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

إننا عندما نرى آلام السيد المسيح، نتعزَّى في آلامنا(2).

وعندما نرى آلامه، نتبكَّت في داخلنا، لأننا سبب آلامه...

كثيرون يحزنون على آلام المسيح، وهو يزيدون آلامه بأفعالهم، وفي كل يوم يضيفون إلى المسيح ألمًا جديدًا...

وكثيرون يرون صورة المسيح المصلوب، فيبكون ويتألمون في قلوبهم، بينما هم يصلبون المسيح كل يوم...

إن أردنا حقًا أن تخفف من آلام المسيح، علينا أن نتوب، لأننا بذلك لا تحزن قلبه بخطية جديدة، ولا نضع قطرة جديدة في كاس آلامه بسبب خطايانا، فلنترك الخطية إذن، لنفرح قلب الله.

لتكن توبتنا مخلوطة بمحبة المسيح المصلوب عنا.

كثيرون يبتعدون عن الخطية، خوفا من جهنم والعقاب الأبدي ولكن ليتنا نترك الخطية، لأنها تؤلم المسيح، وتجرح قلبه المحب، وليس لمجرد خوفنا من فقد الملكوت، أو حرصًا على أنفسنا.

لا تكن توبتنا مركزة في ذاتنا، نقاوتها ومصيرها، بل الحري فلنركز مشاعرنا في الله الذي أحبنا، والذي يعتبرها خيانة منا أن نقابل محبته بالجحود، ونضيف إليه بأخطائنا آلامًا أخرى.

ولنطلب من الرب أن يعيننا على أن نحيا في البر، حتى لا نؤلم قلبه الذي لم يؤلم أحدًا، قلبه المملوء حبًا لنا، وإشفاقًا علينا، حتى ونحن نخطئ.

المسيح في آلامه عن خطايانا، كان يشفق ولا يدين.

الدينونة لها وقت آخر مجيئه الثاني. أما في فترة آلامه، فقد وضع أمامنا حقيقة معزية وهي (لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم) (يو 12: 47)..

والأمر الذي يدعو إلى الإعجاب حقًا في آلام المسيح:

إن كل أخطاء الناس، لم تغير إطلاقًا من محبته لهم.

كل خيانتهم ورفضهم، وكل ما حاكوه حوله من دسائس، وما لفقوه حوله من تهم وأكاذيب، بل وكل اعتداءاتهم من ضرب ولطم واستهزاء... كل ذلك لم يهز محبته العظمى التي لا تُحَد...

ظل كما هو القلب الكبير، الذي أحسن هو إليه. هذا القلب الكبير الذي صلَّى لأجل صاليبه قائلًا (يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون) (لو 23: 34).

حقًا إن محبة المسيح كانت أقوى جدًا من آلامه...

والمذهل أيضًا في آلامه، أنها كانت سببًا لسروره...

يقول معلمنا بولس الرسول (ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه، احتمل الصليب مستهينا بالخزي) (عب 12: 2).

لقد وجد السيد المسيح سرورًا في تحمل الآلام، من أجل فرحه بخلاصنا، لذلك استهان بالخزي. ولم يتألم عنا متضجرا إنما فرحًا، بسبب محبته الكبيرة لنا، ومحبته للآب وإرضائه. فكان في صلبه (محرقة وقود، رائحة سرور للرب) (لا 11: 9).

لقد أعطانا المسيح خلاصًا. والمُعطي بسرور يحبه الرب.

كان يعطي حياته فداء عن العالم. وكان عطاؤه ممزوجًا بمحبته، وكان عطاء بسرور، من أجل الخلاص العظيم وإتمامه...

والجميل في آلام المسيح أيضًا، أنه قدَّس الألم...

الألم جاء نتيجة للخطية، دخل العالم في أثرها... كما دخل في أثرها أيضًا الموت.

وقد أراد المسيح أن يخلصنا من كليهما، من الألم والموت. فإذا به بالموت قد داس الموت وإذا بالألم قد قدس الألم، وحوله إلى علامة حب، وعلامة طاعة.

طاعة للآب... وحب للبشر.

ونحن كلما ننظر إلى المسيح المتألم، إنما نذكر حبه، ونذكر تقديسه للألم، وقدسية آلام كل الذين احتملوا من أجله، كالشهداء والمعترفين، وكل مَن حملوا الصليب في حياتهم.

وإذ نحب الألم وقدسيته، ندخل في شركة آلام المسيح(3)..

كما قال القديس بولس الرسول (لأعرفه، وقوة قيامته، وشركة آلامه، مشتبهًا بموته) (في 3: 10).

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

كيف ندخل في شركة آلام المسيح؟

هذا موضوع طويل، موعدنا فيه محاضرة أخرى، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.

أما الآن فلنستمر في تأملاتنا في آلام المسيح لأجلنا. وكيف انه في عمق آلامه كان يعمل لأجلنا، مهتمًا بنا.

وفي يوم الخميس الكبير، وهو عالم أن ساعته قد جاءت (يو 13: 1) قدم لنا عملين من أعمال محبته هما:

* تقديم جسده ودمه لنا، لأجل أن نثبت فيه.

* وقبل ذلك غسل أرجلنا، رمز لتطهيرنا قبل التناول.

فلنأخذ هذين الموضوعين مجالًا للتأمل في محبة الرب لنا، أثناء آلامه عنا...

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) نشكر أ.  شارل شوقي على قيامه بنسخ typing الجزء الأكبر من هذا المقال على الكمبيوتر لموقع الأنبا تكلا، من خلال ركن الخدمة على الإنترنت.

(2) الفقرات التي تسبق قبل هذه الحاشية من كتاب "مجموعة تأملات في أسبوع الآلام"، وليس جزءًا من كتاب تأملات في يوم خميس العهد.

(3) تتوقف هنا الإضافة في كتاب "مجموعة تأملات في أسبوع الآلام"، والتالي من كتاب تأملات في يوم خميس العهد.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/pope-sheounda-iii/good-thursday/pain.html

تقصير الرابط:
tak.la/k6j385p