الكتاب المقدس باللغة العربية + الإنجيل بكل اللغات + دراسات في كتاب مقدس + البحث في الكتاب المقدس الاجبية.. كتاب السبع صلوات | الأجبية باللغة العربية | الأجبية باللغة الإنجليزية | الفرنسية وصلات كل المواقع القبطية - سجل مواقع الكنائس القبطية الأرثوذكسية - دليل السايتات المسيحية الموقع باللغة الإنجليزية St-Takla.org in English ما الجديد؟ أخبار ويب سايت الأنبا تكلا وتحديثاته و الجديد المضاف به الإيمان | اللاهوت | العقيدة القبطية الأرثوذكسية | طقوس الكنيسة المسيحية في مصر ركن الأطفال - ترانيم - تلوين - ألعاب - قصص Saint Takla Dot Org Web Site - Homepage لوجو موقع القديس الأنبا تكلا هيمانوت (سانت تكلا دوت أورج)- الإسكندرية - جمهورية مصر العربية | الموقع الرسمي | بطريركية الأقباط الأرثوذكس Coptic Orthodox Church راسلنا - اتصل أن | اكتب لنا رأيك - أضف موقعًا - الأفكار - المقترحات... إرسل كروت و بطاقات تهنئة مسيحية و قبطية إلى أصدقائك في كل المناسبات اتصل بنا.. رأيك يهمنا - العنوان - التليفونات - الخريطة - الدعم الفني الفوري سنوات مع إيميلات الناس | أسئلة و أجوبة في الكتاب المقدس، الشباب والأسرة، الإيمان واللاهوت والعقيدة، الروحيات، ويب سايد سانت تكلا الصفحة الرئيسية من الموقع الرسمي للأنبا تكلاهيمانوت الحبشي القس بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية - بطريركية الأقباط الأرثوذكس معرض الصور: السيد المسيح - السيد العذراء - القديسين - الأنبا تكلا هيمانوت - الكهنة - الكتاب المقدس - الخدمات الوسائط المتعددة: ترانيم - ألحان - عظات - أجبية مسموعه - ملفات ميدي - فيديوهات - تسبحة نصف الليل - قداسات قسم التحميل: أشكال برنامج وين آمب | خطوط قبطية | ترانيم | برامج متنوعة، وبرامج مسيحية | أيقونات | معرض الصور تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر العصور | التاريخ المسيحي مكتبة كتب قبطية أرثوذكسية | الكتب المسيحية في مختلف المجالات و المواضيع | كتب بطاركة، أساقفة، كهنة، علمانيين  

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب

حكمة سليمان 16 - تفسير سفر الحكمة

حكمة الله العاملة مع شعبه ومع الأمم 1

 

* تأملات في كتاب حكمة:
تفسير سفر الحكمة: مقدمة سفر الحكمة | حكمة سليمان 1 | حكمة سليمان 2 | حكمة سليمان 3 | حكمة سليمان 4 | حكمة سليمان 5 | حكمة سليمان 6 | حكمة سليمان 7 | حكمة سليمان 8 | حكمة سليمان 9 | حكمة سليمان 10 | حكمة سليمان 11 | حكمة سليمان 12 | حكمة سليمان 13 | حكمة سليمان 14 | حكمة سليمان 15 | حكمة سليمان 16 | حكمة سليمان 17 | حكمة سليمان 18 | حكمة سليمان 19 | ملخص عام

نص سفر الحكمة: الحكمة 1 | الحكمة 2 | الحكمة 3 | الحكمة 4 | الحكمة 5 | الحكمة 6 | الحكمة 7 | الحكمة 8 | الحكمة 9 | الحكمة 10 | الحكمة 11 | الحكمة 12 | الحكمة 13 | الحكمة 14 | الحكمة 15 | الحكمة 16 | الحكمة 17 | الحكمة 18 | الحكمة 19 | حكمة سليمان كامل

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 27 - 28 - 29

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

بعد أن بدأ الكاتب يسجل عمل حكمة الله في حياة الشعب، تعرض في الأصحاحات الثلاثة (ص 13-15) لخطورة العبادة الوثنية، وما بلغه الإنسان من انحطاط حتى صار يتخبط، تارة يعبد بعض الظواهر الطبيعية، وأخرى يتعبد لأصنام بشر مثله، وثالثه لأصنام حشرات يأنف منها على الطبيعة، بينما يخشع لتماثيلها، ويقدم لها كل تكريمٍ وتوقيرٍ، ويصلي إليها لتقوده في طريق حياته، وتحميه من المخاطر. سجل الحكيم هذا حتى متى أكمل حديثه عن الحكمة الإلهي الحازم في تعامله مع عبدة الأوثان لا ننسب له القسوة، أو المحاباة لشعبٍ على حساب شعوب أخرى.

تقدم لنا الأصحاحات 16-19 تكملة المقابلات بين تعامل حكمة الله مع المؤمنين وتعامله (كأقنوم إلهي) مع الوثنيين عبدة الأصنام.

في الأصحاح الحادي عشر تحدث الحكيم عن مقابلتين.

أ. المقابلة الأولى (4:11-9): تحدث فيها عن معاناة المصريين من ماء نهر النيل الذي تلوث بالدم كتأديبٍ لسفك دماء أطفال أبرياء, أما المؤمنون فأخرج لهم ماءً وسط البرية من صخرة، فوجدوا حياة عوض الموت من العطش.

ب. المقابلة الثانية (16:11-20): بين ضربات الحشرات والضفادع وبين عطية السلوى في البرية.

إذ عبد المصريون الحيوانات  والحشرات عُذبوا بواسطة حيوانات وحشرات أثناء الضربات، بينما من الجانب الآخر وُهب المؤمنون السلوى (حيوانات أو طيور) لكي يأكلوا (خر 16: 13).

الآن يعود إلى المقابلة الثانية، ثم يكمل بقية المقابلات لإبراز عمل الحكمة الإلهي في الجميع بغير محاباة.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

هذه المقابلات هي:

المقابلة الثالثة: الجراد والحيَّة النحاسية (حك 16: 5-14). ضُرب المؤمنون بلدغات الحيات السامة في البرية لتأديبهم (16: 7، 10؛ عد 21: 6-9). وضُرب الوثنيون بالحشرات المؤذية. لكن قدم اللاويون الحية النحاسية لكي بالإيمان يشفوا، أما الوثنيون فلم يتمتعوا بالشفاء بسبب عدم إيمانهم. سرّ شفاء الأولين ليس أن الحية النحاسية تحمل قوة سحرية، وإنما ما وراء ذلك من قبول لكلمة الله وحكمته.

المقابلة الرابعة: البرَد والمَنّ (حك 16: 15-29). البَرَد والثلج يشير إلى مظهر المنّ (16: 22). هلك الوثنيون بمطرٍ من البَرَدْ من السماء (خر9: 24-25)، بينما تقوَّت المؤمنون بمطرٍ من المنّ (16: 20؛ خر 16: 14-18).

المقابلة الخامسة: الظلام وعمود النار (حك 17). يربط الرب بين ضربة الظلام التي حلت بمصر والظلمة السلوكية التي سادت العالم المصري (17: 2-3). مقابل هذا وُهب للمؤمنين عمود النور. ليس فقط لم يتأثر المؤمنون بالظلمة التي سادت مصر (خر 10: 23)، إنما تمتعوا بعطية النور من قِبل الله، حيث كان عمود النور يقودهم ليلًا (خر 13: 21-22).

المقابلة السادسة: الليلة المفجعة وليلة النجاة (حك 18). قُتل بكور المصريين مقابل قتلهم لأطفال العبرانيين (حك 18: 5-19؛ خر 1: 16؛ 12: 29). وفي غير محاباة إذ أخطأ الإسرائيليون تعرضوا للموت (عد 16: 44-45)، غير أن هرون - كإنسان بلا عيب - كان قادرًا بالصلاة والبخور أن يمنع ضربة الموت (عد 16: 46-48). جاء في التقليد اليهودي أن ثوب هرون (خر 28) يرمز إلى القدرة الإلهية الكلية، كل جزء منه يمثل جزءً من المسكونة.

المقابلة السابعة: البحر الأحمر كطريق للخلاص وطريق للهلاك (حك 19). بينما واجه المصريون موتًا غريبًا في البحر، بنفس الكيفية واجه اليهود موتًا في رحلتهم في البرية (خر 19: 1-12؛ 14: 21-31). ليس عند الله محاباة!

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

1. عودة إلى المقابلة الثانية: بين السلوى والضفادع

 

1-4.

2. المقابلة الثالثة: الجراد والحيَّة النحاسية

 

5-14.

3. المقابلة الرابعة: البرَد والمَنّ

 

15-29.

من وحي الحكمة 16    

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

1. عودة إلى المقابلة الثانية: بين السلوى والضفادع

لذلك عوقبوا بحقٍ بأمثال هذه،

وعُذِّبوا بِجمٍّ من الحشرات. [1]

رأينا في الأصحاح الحادي عشر (حك 16:11-20) المقابلة بين ضربة المصريين بالضفادع والبعوض والذباب والجراد، وبين عطية السلوى للمؤمنين في البرية. لقد عبد قدماء المصريين بعض الحشرات والحيوانات فضربوا بذات آلهتهم.

هذا ما يؤكده الحكيم هنا: "عوقبوا بحقٍ بأمثالٍ هذه". فما حلُ بهم هو ثمرة هذه العبادات، فأراد الله أن يكتشفوا حقيقة هذه الآلهة الكاذبة.

ما ظنوه موضوع سعادتهم صار موضوع عذابهم. هذه هي طبيعة الخطية، فإنها تحمل سمها في داخلها. من يظن أنه ينعم بلذتها، يشرب سمها وهو لا يدري.

عندما ثار موسى النبي على الشعب الإسرائيلي لأنهم عبدوا العجل الذهبي، "أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه بالنار، وطحنه حتى صار ناعمًا وذراه على وجه الماء، وسقى بني إسرائيل" (خر 20:32). يتساءل البعض: لماذا سقاهم من الماء الذي به العجل الذهبي المسحوق؟ لقد أراد أن يؤكد لهم، أن ما فعلوه يشربون منه. فمرتكب الخطية يذوق مرارتها، ويكتشف أن ملذاتها وقتية زائلة تخفي وراءها مرارة الموت.

*     سحق موسى العجل، وجعلهم يشربونه في ماء الاختبار، حتى أن كل الذين عاشوا ليتعبدوا للعجل يموتون بشربهم إياه[585].

 القديس مار أفرام السرياني

 يرى القديس أغسطينوس أن موسى النبي سحق العجل وسقى بني إسرائيل لكي ما ينسحقوا بالتوبة عن الخطية التي ارتكبوها[586]. هكذا سمح الله بتأديب عابدي أصنام الحشرات بضربات الحشرات لكي تتمرر حياتهم وينسحقوا ويتوبوا، ويرجعوا إلى الله الحقيقي.

أما شعبك فلم تعاقبه،

بل أحسنت إليه:

فلكي تشبع شديد شهيَّته أعددت له مأكلًا غريب المذاق،

أي السلوى. [2]

تذمر الشعب على الله ونبيه موسى، وطلبوا لحمًا في البرية، فأرسل لهم سلوى وهو طائر كالسمان، جاء مهاجرًا حتى تعب من الطيران فصار مساره قريبًا من سطح البحر، وإذ انطلق نحو المحلة، اصطاده الشعب بسهولة جدًا. لقد ضربهم الرب ضربة عظيمة (عد 33:11) من أجل تذمرهم.

هنا لم يذكر التذمر ولا الضربة العظيمة التي لتأديبهم، لكنه يذكر أنا الله لا يترك مؤمنيه في احتياج أو جوع، وكان يمكن للشعب أن يأكل ويشكر الله على عطيته عوض التذمر المستمر. ارتبطت قلوب قدماء المصريين بالأصنام كآلهة، فضربت أجسامهم وحيواناتهم وزراعتهم. فصاروا متألمين وجائعين، في ضيقة شديدة، وهم في أرض مصر الخصبة. بينما ارتبطت قلوب المؤمنين بالله، فشبعوا بالمن النازل من السماء، ومن السلوى المرسلة لهم وسط البرية، وإن كان الذين تذمروا على الله سقطوا تحت التأديب.

يقول المرتل: "سألوا فأتاهم بالسلوى، وخبز السماء أشبعهم" (مز 40:105) ويعلق القديس أغسطينوس على هذا المزمور بأن الشعب ضم فريقين، فريق آمن واتكل على الله فسُر الله به، وفريق آخر حمل ضجرًا وتذمرًا على الله. الأولون أكلوا وفرحوا، والآخرون ضُربوا من الله على تذمرهم[587].

يتحدث هنا عن الذين اتكلوا على الله، فلم يدفعهم اللفيف المصري إلى شهوة أكل اللحم (عد 4:11) ولا تذكروا مع بقية الشعب ما كانوا يأكلونه وهم عبيد في مصر من سمكٍ (صغير) وقثاءٍ وبطيخ وكراتٍ وبصلٍ وثومٍ (عد 5:11). هؤلاء تمتعوا بالسلوى والمن، كطعامٍ لذيذٍ وعجيبٍ.

حتى إنه إذا كان أولئك،

مع جوعهم فاقدين كل شهوة للطعام،

من بشاعة ما بُعثَ عليهم،

كان هؤلاء بعد عوز يسير يتقاسمون مأكلًا عجيب الطعم. [3]

فقد عبدة الأصنام في جوعهم شهوة الطعام، إذ امتلأت بيوتهم بنتانة الضفادع الميتة، وضُربت أجسامهم بلدغات البعوض، وحيواناتهم بالدمامل، وزرعهم بالجراد. صار كل شيءٍ بالنسبة لهم كريهًا. أما الذين وثقوا في الله، فتمتعوا بالطعام العجيب في البرية.

فإنه كان ينبغي لأولئك الظالمين أن تنزل بهم فاقةٌ لا بُد منها،

ولهؤلاء أن يروا كيف يعذَّب أعداؤهم. [4]

كان نصيب المسخرين الظالمين ليس الغنى والكرامة والسلطة، وإنما الفاقة، أي الفقر الشديد والجوع والعوز، الأمر الذي لا مناص منه، أي ليس من طريق للهروب منه.

يقابل هذا إذ ينعم المؤمنون بعطايا إلهية في البرية يتذكرون الضربات التي حلت بمسخريهم فيندهشون لعمل حكمة الله معهم.

إذ نظر بنو إسرائيل ما حلّ بمقاوميهم ظلمًا قدموا ذبيحة شكر لله الذي حفظهم من هذه الضربات، وأخرجهم إلى البرية حيث يمارسون التسابيح، ويختبرون الفرح والراحة الحقيقية.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

2. المقابلة الثالثة: الجراد والحيَّة النحاسية

حتى لما نزَل بهؤلاء حنَقُ الوحوش الرهيب،

وأهلكهم لدغُ الحيَّات الملتوية،

لم يدم غضبُكَ إلى المنتهى. [5]

في غير محاباة، إذ سقط الشعب في التذمر ورجعوا بقلوبهم إلى أرض العبودية مشتهين الطعام البائد (عد 5:11)، قدم لهم سؤل قلوبهم، فأرسل إليهم السلوى. أكلوا بشراهةٍ ونهمٍ ولم يقدموا ذبيحة شكر لله، فتأهلوا بتذمراتهم المستمرة للحيات القاتلة، لكن إذ رجعوا إليه رفع عنهم الضربة، بإقامة حيَّة نحاسية ترمز للصليب.

جاء في سفر العدد: "تكلم الشعب على الله وعلى موسى، قائلين: لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية، لأنه لا خبز ولا ماء، وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف. فأرسل الرب على الشعب الحيات المحرقة، فلدغت الشعب، فمات قوم كثيرون من إسرائيل. فأتى الشعب إلى موسى وقالوا: قد أخطأنا... فقال الرب لموسى: اصنع لك حيَّة محرقة وضعها على راية، فكان متى لدغت حيَّة إنسانًا ونظر إلى حيَّة النحاس يحيا" (عد 5:21-9). الذين رجعوا بالتوبة إلى الله خلال موسى وجدوا الحية النحاسية، فتمتعوا بالحياة الجديدة.

بل إنما أُقلِقوا قليلًا إنذارًا لهم،

وكانت لهم علامةُ خلاص تذكِّرُهم وصيَّةَ شريعتِك. [6]

كان لا بُد من التأديب بالحيات المحرقة، لينذرهم الله موضحًا لهم مدى خطورة موقفهم. لكن الله أمر بإقامة الحية النحاسية "علامة الخلاص" فيتذكروا الشريعة الإلهية التي تقدم لهم نبوات ورموزًا عن الخلاص الموعود به لآدم وبنيه.

هكذا حول الله حتى شرورهم للخير ماداموا يطلبون الرجوع إليه والتعرف على أسراره الإلهية.

*     اخبروني ألم يأمر الله - خلال موسى - بمنع صنع الصور والتماثيل لأي شيءٍ في السماء أو على الأرض؟ ومع هذا ألم يطلب بنفسه من موسى أن يصنع الحية النحاسية في البرية؟ لقد صنعها موسى كعلامة يُشفى بها من يلدغون من الحيات. بعمل هذا ألم يكن موسى متحررًا من أية خطية؟ بهذا كما قلت قبلًا أعلن الله بموسى عن سٌر به يكسر قوة الحية التي دفعت إلى الخطية آدم. إنه يعد بأنه يخلص من لدغات الحية (أي من الأعمال الشريرة والوثنية والخطايا الأخرى) كل الذين يؤمنون به، ذاك الذي مات بهذه العلامة التي هي الصليب[588].

 القديس يوستين الشهيد

*     ضربت الحية آدم في الفردوس وقتلته. وهي أيضًا ضربت إسرائيل في المحلة وأبادته.

كما رفع موسى الحية في البرية هكذا يُرفع ابن الإنسان (يو 14:3).

كما أن الذين تطلعوا بعيونهم الجسدية إلى العلامة التي ثبتها موسى على الصليب عاشوا جسديًا، هكذا أيضًا الذين يتطلعون بأعين روحية إلى جسد المسيا مُسمرًا ومُعلقًا على الصليب ويؤمنون به سيحيون روحيًا.

هذا قد أُعلن خلال الحية النحاسية التي بالطبيعة لا تتألم، حتى يتألم بالصليب ذاك الذي بالطبيعة لا يمكن أن يموت[589].

 القديس مار أفرام السرياني

*     إنه لسرٌ عظيم هو الشفاء من الحية. ماذا يعني الشفاء من الحية بواسطة النظر إلى حية؟ إنه الشفاء من الموت بالإيمان بكائنٍ ميت! مع هذا فإن موسى خاف وهرب من الحية (خر 3:4). ماذا يعني أن موسى هرب من تلك الحية؟ ما هذا يا إخوة سوى ما نعرفه أنه قد تحقق في الإنجيل؟ المسيح مات، والتلاميذ خافوا وانسحبوا من ذلك الرجاء الذي كانوا فيه[590].

 القديس أغسطينوس

فكان المُلتفتُ إليها يخلُص،

لا بذلك الذي كان يراه،

بل  بك يا مخلص الجميع. [7]

ربما يتساءل البعض: كيف يقول السيد المسيح "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان" (يو 14:3)؟ هل يشَّبه السيد المسيح بالحية، أو هل ترمز الحية القاتلة للسيد المسيح واهب الحياة؟ جاءت إجابة آباء الكنيسة متعددة ومتناسقة معًا:

أولًا: لقد حمل السيد المسيح خطايا العالم (يو29:1)، فاحتل السيد المسيح مركزنا، وقبل أن يحمل موتنا ليقيمنا إلى حياته. ففي المصلوب نرى ما حمله السيد المسيح عنا، ثمرة خطايانا، لكي يقتلها بموته.

ثانيًا: يرى القديس أغسطينوس أن الحية المرفوعة ميتة، وهي رمز للموت الذي قبله السيد المسيح بإرادته ليقتل موتنا.

ثالثًا: يرى القديس غريغوريوس النزينزي أن بني إسرائيل تطلعوا إلى الحية النحاسية وهي ميتة مرفوعة على عمود، فأدركوا أنه بالصليب مات الموت، وصار بلا حركة!

رابعًا: للعلامة أوريجينوس تعليق رائع بخصوص الصليب، فيرى فيه حقيقتين: الأولي ظاهرة وهي أن يسوع المسيح في حبه للبشرية وطاعته للآب رُفع على الصليب بإرادته. والثانية خفية أن الذي صلب وفقد حركته وسلطانه هو إبليس، إذ سُمر الصك الذي علينا بالصليب، وتجردت الرئاسات والسلاطين من سلطانهم وشُهر بهم في هزيمة مرة (كو 2: 14-15). فالحية التي رُفعت من جانب تمثل السيد المسيح حامل خطايانا ومن جانب آخر تمثل الحية القديمة التي سمرها السيد المسيح بصليبه وجردها من سلطانها على المؤمنين.

*     لعلك تسأل: لأي غرض لم يقل المسيح بوضوحٍ إنني سوف أُصلب، لكنه حثّ سامعيه إلى رمزٍ قديمٍ (الحية)؟ نقول لك: أولًا لتعرف أن أقوال العهد القديم متفقة مع الجديد، وأن تلك ليست غريبة عن هذه. ثانيًا: لتعرف أن المسيح لم يأتِ إلى العالم كارهًا. بجانب هذين السببين لكي تعرف أنه لم تصب السيد أذية من حقيقة (الآلام) هذه، وأن هذه الآلام بالنسبة لكثيرين تصدر عن الخلاص. حتى لا يقول أحد: كيف يمكن للذين يؤمنون بالمصلوب أن يخلصوا إن كان هو نفسه قد أمسك به الموت؟ لهذا يقودنا إلى القصة القديمة. فإن كان اليهود بتطلعهم إلى صورة نحاسية للحية هربوا من الموت، كم بالأكثر الذين يؤمنون بالمصلوب يتمتعون بسبب حسن بمنافع أعظم. فالصلب لا يتم خلال ضعف المصلوب أو لأن اليهود أقوى منه، بل لأن "الله أحب العالم" [16]، لهذا فإن هيكله الحي (جسده) قد أسرع نحو الصليب[591].

القديس يوحنا الذهبي الفم

*     ما هي الحيات التي تلدغ؟ الخطايا الصادرة عن موت الجسد.

ما هي الحيّة التي رُفعت؟ موت الرب على الصليب. كما جاء الموت بالحيّة، رُمز له بصورة حيّة.

لدغة الحيّة مميتة، وموت الرب محيي. إذ ينظر إلى حيّة تفقد الحيّة سلطانها. ما هذا؟ إذ ينظر إلى الموت، يفقد الموت سلطانه. ولكن موت من؟ موت الحياة...

بموت المسيح (الحياة) مات الموت.

موت الحياة ذبح الموت، ملء الحياة ابتلعت الموت.

انحل الموت في جسم المسيح.

لذلك نقول في القيامة إذ يتغنى المنتصرون: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟" (1 كو 15: 54)...

يوجد فارق بين الصورة الرمزية والشيء الحقيقي، الرمز يبعث حياة وقتية، والحقيقة التي لها الرمز تبعث حياة أبدية[592].

*     لكي يقدم رمزًا لصليبه رفع موسى بأمر اللَّه الرحيم صورة حيَّة على عمودٍ في البرية، في شبه الجسد الخاطي الذي يلزم أن يُصلب في المسيح مرموزًا إليه (يو 14:3). بالنظر إلى هذا الصليب الذي تعمَّد المرتل أن يتطلع إليه ويقول: "عيناي قد ذبلتا من انتظار خلاصك، وقول برك" (مز 119: 123)، لأنه جعل المسيح نفسه "خطية لأجلنا، وذلك على شبه الجسد الخاطي، لكي نصير برّ اللَّه فيه" (رو3:8؛ 2 كو 21:5).

من أجل النطق ببرّ اللَّه يقول أن عينيه قد ذبلتا من النظر بغيرةٍ وحماسٍ، بينما يتذكر الضعف البشري، متطلعًا إلى النعمة الإلهية في المسيح.

القديس أغسطينوس

*     عُلقت تلك الحية النحاسية كعلاجٍ لعضات الحيات، ليس كرمزٍ لذاك الذي تألم، بل لما هو عكس ذلك. إنها شفت الذين تطلعوا إليها، ليس لأنهم آمنوا أنها تعيش، بل لأنها قُتلت، ومعها قُتلت الخاضعة لها، فإنها تستحق أن تهلك. وما هو النقش الذي كان مناسبًا لها ننقشه نحن؟ "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا قبر؟" (هو 14:13، 1 كو 55:15). لقد انطرحت بالصليب. لم يعد لك نفس، لقد مُت بلا حركة، وإن احتفظت بشكل حيَّة مرتفعة على عمود![593]

 القديس غريغوريوس النزينزي

وبذلك أثبتَّ لأعدائنا أنك أنت المُنقذُ من كل سوء. [8]

لأن أولئك قتلهم لسع الجراد والهوام،

ولم يوجد علاج لحفظ حياتهم،

فقد كانوا أهلًا لأن يُعاقَبوا بمثل ذلك. [9]

بالضربات العشر لم يستعرض الله قوته، فهو ليس في حاجة إلى مجد بشري، لكنه أبرز لشعبه إمكانياتهم حيث يتمتعون بقوة الله خلال إيمانهم. وفي نفس الوقت أبرز ضعف آلهة المصريين العاجزة عن حمايتهم حتى من الجراد أو البعوض (الذباب).

*     "أمر فجاء الجراد وغوغاء بلا عدد، فأكل كل عُشب في بلادهم، وأكل أثمار أرضهم" (مز 34:105-35). تدمرت الأشجار من البَرَد والنار، والحدائق، والمحاصيل من الجراد والغوغاء (صغار الجراد قبل أن يصير له أجنحة)، فانه لم يبدد الثمر فقط وإنما حتى الزرع نفسه[594].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

في حين أنه لم تقْوَ على أبنائك أنياب الحيَّات السامَّة،

لأن رحمتك أقبلت عليهم وشَفَتهم. [10]

في دهشة يقف الحكيم أمام منظرين، شعب غير مؤمن يُضرب بحشرات فيهلك لأنه لم يؤمن بالطبيب شافي النفوس. وشعب مؤمن يُضرب بحيات سامة فيُشفى، لأنه آمن بالمخلص واهب النصرة على قوات الظلمة.

إن كانت الحشرات الضعيفة تسبب هلاكًا بينما أنياب الحيات السامية لا تقوى على المؤمنين، فهذا ليس بالأمر الطبيعي، إنما الشفاء يتحقق حسب غنى نعمة الله ورحمته الفائقة وخلاصه العجيب. هذا هو سرٌ الصليب!

بخصوص الحية النحاسية، ليست الحية هي واهبة الشفاء، إنما "لأن رحمتك أقبلت عليهم وشفتهم" (16: 10).

وإنما نُخسوا ليتذكَّروا أقوالك،

ولكن سرعان ما أُنقذوا لئلاَّ يسقطوا في نسيان عميق،

فيغفلوا إحسانك. [11]

أمر الرب موسى النبي أن يرفع الحية النحاسية الميتة على عمود، لكي إذ يتطلع إليها المؤمنون يتذكروا وعود الله بالخلاص. لقد أسرع فشفاهم حتى لا يسقطوا في لجة النسيان، ويفقدوا رجاءهم في الخلاص الموعود به.

وما شفاهم عشب ولا مرهَم،

بل كلمتك يا رب، فهي تشفي الكل. [12]

لم يعطهم عشبًا طبيًا ولا مراهم للشفاء، لا ليمنعهم من استخدام الأدوية، وإنما لئلا ينسبوا شفاءهم من لدغات الحية إلى الأدوية، وليس إلى كلمة الله ووعده بالخلاص.

قدم لنا القديس باسيليوس الكبير في "الأحكام المطولة" السؤال رقم 55 حديثًا مطولاُ ومشوقًا، عن نظرة المسيحية للطب والأطباء وعما إذا كان يجوز الالتجاء إلى فن الطب واستخدام الأدوية مع احتفاظنا بممارسة التقوى. وقد قمت بترجمته وتبويبه[595] ونشره في كتاب: "ماذا يقول الآباء عن المرض؟" اقتطف القليل هنا.

*     كل الفنون (الصناعات) هي هبة من الله لنا، تعالج نقائص الطبيعة. فأعطانا الفلاحة، لأن الحصاد الذي تقدمه لنا الأرض دون فلاحة لا يكفي لاحتياجاتنا. وصناعة النسيج، لأن استخدام الملابس ضروري لأجل الاحتشام وللحماية من الريح. وبنفس الطريقة بالنسبة لصناعة البناء، وهكذا بالنسبة لصناعة الطب. فإذ يتعرض جسمنا لأوجاع متنوعة، بعضها تهاجم من الخارج، وأخرى من الداخل بسبب الطعام الذي نأكله، وحيث يعاني الجسم من التخمة كما من نقص الطعام، لذلك فإن فن الطب يُوهب بواسطة الله الذي يوجه كل حياتنا، كمثالٍ لشفاء النفس، ليقودنا لإزالة ما هو زائد ونوال ما هو ناقص.

*     ما كنا نحتاج إلى تعب الفلاح لو أننا كنا نعيش في مباهج الفردوس، هكذا أيضًا ما كنا نطلب فن الطب للاستشفاء لو كنا محصنين من المرض.

هكذا كان الحال في وقت الخليقة قبل السقوط، كهبة من الله. أما بعد طردنا من هذا الموضع، وسماعنا الكلمات: "بعرق جبينك تأكل خبزك" (تك19:3)، حينئذ بتعبٍ وشقاءٍ مضنٍ أقمنا صناعة الفلاحة لإزالة البؤس الذي لاحق اللعنة التي حلت. وقد وهبنا الله المعرفة والفهم لهذه الصناعة، وعندما عدنا إلى الأرض التي أُخذانا منها وربُطنا بجسد مملوء آلامًا، وطُرحنا إلى حكم الفساد بسبب الخطية.

لنفس السبب خضعنا للمرض، وهبنا الله صناعة الطب لعلاج المرضى، ولو إلى درجة معينة.

St-Takla.org Image: Grass, from St-Takla.org's Ethiopia journey photos, 2008 صورة في موقع الأنبا تكلا: أعشاب، من صور رحلة موقع الأنبا تكلا للحبشة 2008

St-Takla.org Image: Grass, from St-Takla.org's Ethiopia journey photos, 2008 - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, April-June 2008

صورة في موقع الأنبا تكلا: أعشاب، من صور رحلة موقع الأنبا تكلا للحبشة 2008 - تصوير مايكل غالي لـ: موقع الأنبا تكلا، إبريل - يونيو 2008

*     الأعشاب التي تُستخدم لعلاج كل مرض لم تنبت في الأرض عفويًا، بل من الواضح أنها إرادة الله هي أن تنبت من التربة لتخدم احتياجاتنا. تمتعنا بالفوائد الطبيعية الكامنة في جذور الأعشاب وزهورها وأوراقها وثمارها وعصيرها، بل وفي بعض المعادن ومنتجات البحر، لازمة للصحة الجسدية، ويُنظر إليها كما إلى الطعام والشراب.

القديس باسيليوس الكبير

*     فن الطب ليس عائقًا عن التقوى، لكن يجب أن تمارسه بخوف الرب[596].

 الأب برصنوفيوس

بقوله: "فهي تشفي الكل"، يوضح أنه إن كان شعب ما قد انتفع بالشفاء الجسدي من الحيات القاتلة بالتطلع إلى الحية النحاسية، فإنها رمز للصليب الذي يقدم الخلاص لكل العالم. "هكذا أحب الله العالم لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو16:3).

لأن لك سلطان الحياة والموت،

فتُحدِرُ إلى أبواب الجحيم،

وتصعد منها. [13]

إذ يتطلع الحكيم إلى المعلق على الصليب، يراه ليس فقط بالطبيب الذي يستطيع أن يشفي جميع الناس، وإنما هو القدير واهب الحياة والقيامة، والديان الذي يحمل مؤمنيه إلى المجد الأبدي بينما تنفتح أبواب جهنم أمام غير المؤمنين، إذ اختاروا اعتزال واهب الحياة بإرادتهم. يبث الله فينا روح  القوة والغلبة، فليس لإبليس ولا الموت سلطان علينا. "تُحدر إلى أبواب مثوى الأموات وتُصعد منها".

يستطيع الإنسان أن يقتُل بشره،

لكنه لا يُعيدُ النسمة التي خرجت،

ولا يُحرر النفس المقبوض عليها! [14]

الإنسان بإرادته الحرة سلم نفسه للموت بالخطية، لكنه يعجز أن يسترد الفردوس المفقود أو الحياة الحقيقية؛ أما الله فوحده يقدر أن يقيم الأموات جسديًا أو روحيًا، ويرد الإنسان إلى أعظم مما كان عليه في جنة عدن.

إن ظن إنسان أن له سلطانَا يقتل بخبثه وظلمه، فهل له سلطان أن يرد القتيل إلى الحياة؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

3. المقابلة الرابعة: البرَد والمَنّ

لا يمكن الإفلات من يدك. [15]

كثيرًا ما يظن الإنسان في كبريائه أنه قادر أن يتسلط على أخيه، يظلم ويضطهد وليس من قانون يقدر أن يردعه. هذه هي مشاعر فرعون ومشيريه ورجاله، وهم يسخرون ويذلون العبرانيين. لم يدرك هؤلاء أن الله ضابط الكل، "لا يمكن الإفلات من يده".

احكم فرعون الخطية لتدمير موسى وشعب الله، فالبحر أمامهم والجيش وراءهم، والجبال على جانبيهم، وهم بلا سلاح ولا خبرة عسكرية ولا حصون يحتمون فيها. لكن الله أوجد لشعبه طريقًا للخلاص وسط البحر، صار الطريق نفسه لهلاك فرعون التام.

فإنك قد جلَدتَ بقوةِ ذراعك الأشرار،

الذين جحدوا معرفتك،

فلاحقَتهمُ الأمطار غير المألوفة،

وحبَّات البرَدِ والعواصف القاسية، وأكَلَتهمُ النار. [16]

تحدى فرعون الله نفسه، إذ بروح التسلط والعنف قال لموسى إنه لا يعرف الرب، إنما ما يعرفه هو سلطانه ومكاسبه المادية دون أي اعتبار لله خالق الكل وللترفق باخوته في البشرية.

ترك الله الطبيعية نفسها ترد على فرعون الشرير. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لا تعرف مصر البَرَد، ومع هذا على خلاف الطبيعة أدّب المصريين الوثنيين بالبرد. ومما يدهش أن البرد والنار (البرق) لا يحدثان معًا، لكن المضادين يعملان معًا بسماح إلهي للتأديب..

بهذا سدت الطبيعية فم فرعون المتشامخ، لتعلن له أنه فقد كل تعقلٍ وحكمةٍ، بمقاومته لحكمة الله.

وأغربُ شيء أنه في الماء الذي يطفئ كل شيء،

كانت النار تزداد حِدَّةً، لأن الكون يُقاتلُ عن الأبرار. [17]

تستخدم المياه لإطفاء الحرائق، لكن ما حدث مع فرعون أنه كلما سقط البَرَدْ ازدادت النيران التهابًا، فاتفق الضدان معًا على تأديبه.

وكان اللهيب تارة يهدأ،

لئلاَّ يحرِقَ ما أُرسِلَ على الأشرار من حيوانات،

بل لكي يبصِروا فيفهَموا أن حُكمًا إلهيًا يطاردهم. [18]

وقف الحكيم في دهشة فقد تكاتفت الظواهر الطبيعية التي ثارت بطريقة غير طبيعية ضد الوثنيين غير المؤمنين. لاحظ أن النيران لم تحرق الحشرات والحيوانات المُرسلة لتأديبهم، وكأن الكل قد تكاتف معًا ضد غير المؤمنين لدفعهم للإيمان.

العوامل غير الطبيعية أزالت عن الأشرار أية إمكانية للتخيل بأن ما يحدث هو مصادفة، وإنما جاءت تحقق حكمًا إلهيًا ضدهم لأجل تأديبهم.

وتارة يتأجَّج حتى في وسط الماء فوق طاقة النار،

لكي يستأصل غلاَّتِ أرضٍ ظالمة. [19]

حينما تشتعل نيران، خاصة في أرض زراعية، يصير حلم الناس سقوط مطر كفيل بإطفاء الحرائق. لكن ما حدث أنه وسط البَرَدْ كانت الحرائق تزداد التهابًا، والخسائر تتزايد.

*     "جعل أمطارهم بَرَدًا ونارًا ملتهبة في أرضهم. ضرب كرومهم وتينهم، وكسر كل أشجار تخومهم" (مز32:105-33)... غيرت السحب دورها الطبيعي، فأرسلت بَرَدًا عوضًا عن الأمطار، صواعق وأعاصير مصحوبة بَبَردٍ، وماءٍ ونارٍ. وإن كان بالطبيعة يخالف الواحد الآخر، لكن لم يحدث أي ارتباك بينهم. لم تذب النار الماء المجمد أو الَبَرد، ولا أطفأت النار اللهيب. بجانب تركهم المقاومة الطبيعية كل منهما للآخر، أنزلا عقوبة شديدة على المصريين، لإدانة استعبادهم وعدم احترامهم لطبيعتهم (كبشرٍ). فمع أنهم بشر إلا أنهم ضغطوا على زملائهم في البشرية بعبودية قاسية. لهذا فانه حتى كرومهم وتينهم وكل أصناف النباتات تدمرت تمامًا بواسطة النار والبرد[597].

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

أما شعبك فبدلًا من ذلك ناوَلَتهم طعامَ الملائكة،

وقدمت لهم من السماء خبزًا معدًا لم يتعبوا فيه،

خبزًا يوفِّر كل لذةٍ ويلائم كل ذوق. [20]

بينما ثارت الطبيعة ضد الأشرار ولم تلتزم بالعوامل الطبيعية، إذ بها أيضًا على خلاف قوانين الطبيعة تعمل لحساب المؤمنين، فتقدم لهم المن من السماء، الأمر الذي لم تسمع عنه البشرية من قبل.

يعتبر المن طعام الملائكة (مز 78: 25، 105: 40)، لأنه يشير إلى العذوبة السماوية التي يتذوقها كل شخص حسب ما يشتهي.

*     "يتذوق كل واحدٍ المنّ في فمه حسبما يشتاق" (راجع حك 16: 20)... على أي الأحوال، هذا يمكن أن يتحقق بالنسبة للمؤمنين وليس بالنسبة للمتذمرين على الله، هؤلاء الذين بالتأكيد لا يطلبون قوتًا آخر مادام المنّ قدم لهم تذوّقًا حسبما شاءوا[598].

القديس أغسطينوس

لأن قوتَكْ أعلن عن عذوبتَك لأبنائِك،

وهو يشبع شهوةِ متناوله،

فيتحولُ إلى ما شاء كل واحدٍ. [21]

يوجد تقليد ربّاني (حاخامي) أنه كان للمن مذاق خاص يختبره كل شخص حسبما يشتهيه، فكل شخص يجد فيه تذوقًا حلوًا يتناسب مع رغبته[599].

*     ليتنا إذن نسرع لنتسلم المن السماوي. يمنح هذا المن تذوقًا لكل فمٍ حسبما يشتهي. فلتسمعوا أيضًا الرب يقول للذين يقتربون منه: "ليكن لك حسب إيمانك" (مت 8: 13). وهكذا أيضًا إن قبلت كلمة الله التي يُكرز بها في الكنيسة بإيمانٍ كاملٍ وتقويٍ، تصير لك الكلمة حسبما تشتهي. فكمثال إن كنت حزينًا تعزيك، قائلة لك: "القلب المنكسر والمتواضع لا يرذله الله" (مز 51: 19). إن كنت متهللًا برجائك المقبل، تغدق عليك بأفراحٍ لك قائلة: "افرحوا في الرب وتهللوا أيها الصديقون" (مز 32: 11). إن كنت في غضبٍ تهبك الهدوء، قائلة: "كف عن الغضب واترك السخط وراءك" (مز 37: 8). إن كنت في ألمٍ، تشفيك قائلة: "يشفي الرب كل ضعفاتك" (راجع مز 103: 3). إن كنت مستهلكًا بالفقر تعزيك قائلة: "يرفع الرب من التراب من لا عون لهم، ويقيم الفقير من المزبلة" (راجع مز 113: 7). هكذا يمنح المن الذي لكلمة الله تذوقًا لفمك حسبما تشاء[600].

العلامة أوريجينوس

هنا نقف في عجب أمام تدليل الله لمؤمنيه، فإنه ليس فقط يعطيهم ما هو لشبعهم ونموهم وتقدمهم، وإنما أن يُرضي كل مؤمن، مقدمًا له ما يشتهيه مادام لخيره وصلاحه.

حينما يوجد المؤمن في حضن الله، ويشعر أنه محمول على الأذرع الأبدية يصير كل شيء حلوًا في حلقة، يشبع احتياجاته، ولا يعوزه شيء ما.

لقد ثبت الثلجُ والجليدُ في النار ولم يذوبا،

لكي يُعلَمَ أن غلاَّت الأعداء،

أكلتها النار الملتهبة في البرد،

والبارقة في وسط الأمطار. [22]

صورة رائعة لحب الله الفائق للإنسان، فهو يحرك الطبيعة حتى ضد قوانينها لخدمة الإنسان، فيسمح بالنار تلتهب وسط البَرَْدْ والأمطار الغزيرَّ. الإنسان موضع اهتمام الله، فيضع له خطة ويقدم له رسالة، ويحول كل الأمور لخيره إن أحب الله (رو 8: 28).

في حين أن هذه النار كانت تَنسى حتى خاصَّتها،

ليستطيع الأبرار أن يتغذوا. [23]

كأن الطبيعة في شوقها لخدمة الإنسان - موضع حب الله ورعايته - مستعدة أن تتجاهل سماتها وتنسى خصائصها، لتعمل لصالح المؤمنين الأبرار، ولو على خلاف قوانينها.

فإن الخليقة التي في خدمتِك أنت صانعها،

تتوترُ لمعاقبةِ الظالمين،

وترتخي للإحسان إلى المتوكلين عليكَ. [24]

لا تعمل الطبيعية حسب قوانينها بطريقة عمياء، لكن مع التزامها بالقوانين الطبيعية التي هي من عمل الله، تتحرك وتتفاعل حسب خطة الخالق، فتعمل لصالح مؤمني الرب الأبرار، وتقسو على غير المؤمنين لتأديبهم بالقدر الذي يسمح به الخالق.

فالنار التي لم تكن تقدر أن تذيب المن عند طبخة بواسطة المؤمنين في البرية، لم توذِ الحشرات والحيوانات المرسلة لتأديب الوثنيين المصريين أثناء الضربات. النار التي لم تحرق الثلاثة فتية القديسين في بابل هي التي قتلت الجنود الذين ألقوا بالفتية فيها، وهي التي أضرت المصريين ومحاصيلهم وزراعاتهم في أثناء الضربات.

لذلك كانت حينئذ تتحولُ إلى كل شكلٍ،

فتكون في خدمة عطيَّتك المغذِّيةِ الجميع،

حسبما يشاءُ الذين يحتاجون إليها. [25]

بحكمته خلق الله الإنسان ليسوس العالم بالبُر والقداسة، فإنه متى ارتبط بخالقه يحرك الله الطبيعة لتعمل لخدمته حسبما يطلب ويشتهي.

فعلِمَ بَنوكَ الذين أحببتَهم يا رب،

أن ليس محصول الثمار يغذي الإنسان،

بل كلمتُكَ هي التي تحفَظُ المتكلينَ بكَ. [26]

اعتاد الكتاب المقدس أن يدعو المؤمنين بمحبوبي الرب. إنهم موضوع حبه واهتمامه. لهذا فإن ما تقدمه الطبيعة لهم هو من يد الله حسب كلمته أو وعوده الإلهية.

لأن ما لم تكن النارُ تُفنيه،

كانت شُعاعةٌ يسيرة من الشمس تُحميه فيذوب. [27]

يتعجب الحكيم إذ يتطلع إلى المن المُرسل إليهم من قبل الله، لأنه لا يحتمل أشعة الشمس حتى في الصباح المبكر. فإن تأخر إنسان في نومه لا يقدر أن يجمع منًا، إذ يجده قد ذاب من أشعة الشمس. ونفس الوقت الذي يجمع المن يقوم بطهيه، فلا تذيبه الحرارة ولا تفسده، بل يصير صالحًا للأكل.

حتى يُعلم أنه يجب أن نسبقَ الشمس إلى حمدِكَ

وأن نلتقيَ بك عند شروق النور. [28]

يحثنا الحكيم أن نبكر إلى الله، فيكون هو البداية في كل أيام حياتنا، وقبل كل عملٍ، تكون له الأولوية في قلوبنا فيفيض علينا بغنى عطاياه الفائقة. فمن لا يسرع قبل شروق الشمس لا يستطيع أن يجمع المنّ، يبقى يومه كله جائعًا؛ فالله يشبع النفس من الطعام السماوي متى بكَّرت إليه.

*     بخصوص موضع (الصلاة): "أريد أن يصلي الرجال في كل مكان" (1 تي 2: 8). بخصوص اتجاه (الصلاة) جاء في حكمة سليمان: "حتى يُعلم أن يجب أن نسبق الشمس إلى حمدك، وأن نلتقي بك قبل (عند) شروق النور" (حك 16: 28)[601].

العلامة أوريجينوس

لأن رجاءَ جاحد الجميل يذوب كالصقيع الشتويّ،

ويجري كماءٍ لا منفعة منه. [29]

يرى الحكيم في المبكرين لجمع المن قبل الشروق فئة الطائعين للوصية الإلهية بشكرٍ لله صانع الخيرات، وأما الذين في تهاون ينتظرون حتى شروق الشمس كمن لا يصدقون الكلمات الإلهية، فإنهم جاحدون وناكرو الجميل. الأولون يجدون طعامًا شهيًا يُقدم لهم مجانًا، يمكن دعوته "خبز الملائكة"، والآخرون يجدون المن قد صار ماء كالصقيع في برد البرية لا يصلح لشيءٍ، حيث لا يمكن جمعه للشرب ولا يروى نباتات، لأن البرية قفر.

*     أي شيء يطلبه (الرب) منا أعظم من أن نسأله أن نكون شاكرين مقابل رعايته الحانية هذه؟ إذن لنطع، ولنحفظ هذا في كل شيء. فإنه ليس شيء حطّم اليهود مثل نكرانهم للجميل، فقد حلت بهم ضربات تلو ضربات، لا لشيء إلاَّ لهذا السبب. بل وفوق هذه الضربات، هلكت نفوسهم وفسدت. "لأن رجاء ناكر الجميل يذوب كالصقيع الشتوي" (حك 16: 29). فإنه يشل النفس ويميتها كما يحدث مع الأجسام[602].

القديس يوحنا الذهبي الفم

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

من وحي الحكمة 16

من يشبعني غيرك يا حكمة الله؟

 

*     مع عظمة مواهب آبائي الفراعنة وقدراتهم،

سجدوا لأصنام حيوانات وحشرات،

فشربوا من ذات الكأس التي ملأوها.

ذاقوا المرارة من ضربات الضفادع والبعوض والذباب والجراد.

تحولت بيوتهم إلى مقابر مملوءة نتانة.

أجسامهم لم تجد راحة، بل آلام وعذاب.

وحياتهم صارت مملوءة نجاسة،

زرعهم أكله الجراد، فلم يجدوا قوتًا لهم.

 

*     هب لي أن ألتصق بك وسط برية هذا العالم.

لست أطلب خبزًا ولا لحمًا،

أنت هو شبعي ووليمتي!

أنت هو فرحي وتهليل قلبي!

 

*     تئن نفسي، لأنك تهبني كل شبعٍ،

بينما أرى الكثير من إخوتي في البشرية محرومين وفي دمار!

 

*     من يشفيني إلا أنت، يا طبيب النفوس والأجساد؟

لم يحتمل غير المؤمنين ضربات حشرات ضعيفة.

هلكوا بسبب البعوض والذباب،

وجاعوا بسبب الجراد.

أما المؤمنون فلم تستطع لدغات الحيات القاتلة أن تهلكهم.

تطلعوا إلى الحية النحاسية فشفوا.

لأنظر إلى صليبك، فأدرك أن قوات الظلمة قد تجردت من سلطانها.

مات الموت، وصار مستحيلًا عليه أن يتحرك.

تحولت لدغات الحيات القاتلة إلى شهادة حيَّة لرحمتك.

أنت طبيب نفسي العجيب.

أنت الدواء السماوي المنقذ!

من يشفيني سواك، يا مخلص العالم؟

 

*     يا لغنى حكمتك وحبك لي!

من أجلي خلقت الطبيعة بكل قوانينها الظاهرة والخفية.

 أعددتها لخدمتي، فإني محبوبك، وموضوع رعايتك.

ومن أجلي أيضًا تسمح بكسر قوانينها،

تارة لتشبع احتياجاتي، وأخرى لتأديبي.

كل أعمالك هي حب ورعاية فائقة.

بنارٍ تنزل من السماء لحرق سدوم وعمورة،

حتى يتعلم المؤمنون الطهارة ويخشوا النجاسة والرجسات.

 وسمحت للنار أن تصير ندى، فيتمشى فيها الثلاثة فتية القديسين.

 

*     يا للعجب إذ سقطت النيران على المصريين لتأديبهم،

 اشتهوا أن تسقط أمطار لتطفئها.

فسقطت أمطار بل وبَرَدْ، لكنها لم تطفئ النيران بل زادتها لهيبًا.

 

*     لم تستطع النار أن تذيب البَرَدْ النازل على الأشرار،

ولا أن تفسد المن الذي يجمعه المؤمنون لطهيه.

لم يكن ممكنًا للمن أن يحتمل حرارة أشعة الشمس في الصباح المبكر،

بينما كان يحتمل النيران المتقدة لطهيه.

 

*     ماذا أرد لك يا خالقي؟

فإنك تحرك كل شيء لبنياني!

لك المجد يا غني في الحب!

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات حكمة: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19

 

صفحات ذات علاقة بنفس الموضوع

* البحث في الكتاب المقدس
* قسم سنوات مع إي ميلات الناس - أسئلة وأجوبة عن الكتاب المقدس
قاموس الكتاب المقدس الكامل

* صور من الكتاب المقدس
* تحميل النص الكامل للكتاب المقدس
* أطلس الكتاب المقدس (خرائط الإنجيل)
* قسم العظات وبه تفسير لعشرات من أسفار الكتاب المقدس

إرسل هذه الصفحة لصديق

تفسير ا‌‌‌‌‌‌‌‌لأصحاح السابق من سفر الحكمة بموقع سانت تكلا همنوتموقع الأنبا تكلا هيمانوت - الصفحة الرئيسية

Like & share St-Takla.org


© موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي القس: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - الإسكندرية -مصر / URL: http://St-Takla.org / اتصل بنا على:

http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/25-Sefr-El-Hekma/Tafseer-Sefr-El-Hekmet-Solaiman__01-Chapter-16.html