الكتاب المقدس باللغة العربية + الإنجيل بكل اللغات + دراسات في كتاب مقدس + البحث في الكتاب المقدس الاجبية.. كتاب السبع صلوات | الأجبية باللغة العربية | الأجبية باللغة الإنجليزية | الفرنسية وصلات كل المواقع القبطية - سجل مواقع الكنائس القبطية الأرثوذكسية - دليل السايتات المسيحية الموقع باللغة الإنجليزية St-Takla.org in English ما الجديد؟ أخبار ويب سايت الأنبا تكلا وتحديثاته والجديد المضاف به الإيمان | اللاهوت | العقيدة القبطية الأرثوذكسية | طقوس الكنيسة المسيحية في مصر ركن الأطفال - ترانيم - تلوين - ألعاب - قصص Saint Takla Dot Org Web Site - Homepage لوجو موقع القديس الأنبا تكلا هيمانوت (سانت تكلا دوت أورج)- الإسكندرية - جمهورية مصر العربية | الموقع الرسمي | بطريركية الأقباط الأرثوذكس Coptic Orthodox Church راسلنا - اتصل أن | اكتب لنا رأيك - أضف موقعًا - الأفكار - المقترحات... إرسل كروت وبطاقات تهنئة مسيحية وقبطية إلى أصدقائك في كل المناسبات اتصل بنا.. رأيك يهمنا - العنوان - التليفونات - الخريطة - الدعم الفني الفوري سنوات مع إيميلات الناس | أسئلة وأجوبة في الكتاب المقدس، الشباب والأسرة، الإيمان واللاهوت والعقيدة، الروحيات، ويب سايد سانت تكلا الصفحة الرئيسية من الموقع الرسمي للأنبا تكلاهيمانوت الحبشي القس بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية - بطريركية الأقباط الأرثوذكس معرض الصور: السيد المسيح - السيد العذراء - القديسين - الأنبا تكلا هيمانوت - الكهنة - الكتاب المقدس - الخدمات الوسائط المتعددة: ترانيم - ألحان - عظات - أجبية مسموعه - ملفات ميدي - فيديوهات - تسبحة نصف الليل - قداسات قسم التحميل: أشكال برنامج وين آمب | خطوط قبطية | ترانيم | برامج متنوعة، وبرامج مسيحية | أيقونات | معرض الصور تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عبر العصور | التاريخ المسيحي مكتبة كتب قبطية أرثوذكسية | الكتب المسيحية في مختلف المجالات والمواضيع | كتب بطاركة، أساقفة، كهنة، علمانيين  

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب

مزمور 59 - تفسير سفر المزامير

أنت ملجأي من الكامنين لنفسي

 

* تأملات في كتاب المزامير ل داؤود (مزامير داوود):
تفسير سفر مزمور: فهرس المزامير بالرقم | مقدمة سفر المزاميرمزمور 1 | مزمور 2 | مزمور 3 | مزمور 4 | مزمور 5 | مزمور 6 | مزمور 7 | مزمور 8 | مزمور 9 | مزمور 10 | مزمور 11 | مزمور 12 | مزمور 13 | مزمور 14 | مزمور 15 | مزمور 16 | مزمور 17 | مزمور 18 | مزمور 19 | مزمور 20 | مزمور 21 | مزمور 22 | مزمور 23 | مزمور 24 | مزمور 25 | مزمور 26 | مزمور 27 | مزمور 28 | مزمور 29 | مزمور 30 | مزمور 31 | مزمور 32 | مزمور 33 | مزمور 34 | مزمور 35 | مزمور 36 | مزمور 37 | مزمور 38 | مزمور 39 | مزمور 40 | مزمور 41 | مزمور 42 | مزمور 43 | مزمور 44 | مزمور 45 | مزمور 46 | مزمور 47 | مزمور 48 | مزمور 49 | مزمور 50 | مزمور 51 | مزمور 52 | مزمور 53 | مزمور 54 | مزمور 55 | مزمور 56 | مزمور 57 | مزمور 58 | مزمور 59 | مزمور 60 | مزمور 61 | مزمور 62 | مزمور 63 | مزمور 64 | مزمور 65 | مزمور 66 | مزمور 67 | مزمور 68 | مزمور 69 | مزمور 70 | مزمور 71 | مزمور 72 | مزمور 73 | مزمور 74 | مزمور 75 | مزمور 76 | مزمور 77 | مزمور 78 | مزمور 79 | مزمور 80 | مزمور 81 | مزمور 82 | مزمور 83 | مزمور 84 | مزمور 85 | مزمور 86 | مزمور 87 | مزمور 88 | مزمور 89 | مزمور 90 | مزمور 91 | مزمور 92 | مزمور 93 | مزمور 94 | مزمور 95 | مزمور 96 | مزمور 97 | مزمور 98 | مزمور 99 | مزمور 100 | مزمور 101 | مزمور 102 | مزمور 103 | مزمور 104 | مزمور 105 | مزمور 106 | مزمور 107 | مزمور 108 | مزمور 109 | مزمور 110 | مزمور 111 | مزمور 112 | مزمور 113 | مزمور 114 | مزمور 115 | مزمور 116 | مزمور 117 | مزمور 118 | مزمور 119 - مقدمة مز 119 - (قطعة: أ - ب - ج - د - ه - و - ز - ح - ط - ي - ك - ل - م - ن - س - ع - ف - ص - ق - ر - ش - ت) | مقدمة مزامير المصاعد | مزمور 120 | مزمور 121 | مزمور 122 | مزمور 123 | مزمور 124 | مزمور 125 | مزمور 126 | مزمور 127 | مزمور 128 | مزمور 129 | مزمور 130 | مزمور 131 | مزمور 132 | مزمور 133 | مزمور 134 | مزمور 135 | مزمور 136 | مزمور 137 | مزمور 138 | مزمور 139 | مزمور 140 | مزمور 141 | مزمور 142 | مزمور 143 | مزمور 144 | مزمور 145 | مزمور 146 | مزمور 147 | مزمور 148 | مزمور 149 | مزمور 150 | مزمور 151 | ملخص عام لسفر المزامير

نص سفر مزمور: مزمور 1 | مزمور 2 | مزمور 3 | مزمور 4 | مزمور 5 | مزمور 6 | مزمور 7 | مزمور 8 | مزمور 9 | مزمور 10 | مزمور 11 | مزمور 12 | مزمور 13 | مزمور 14 | مزمور 15 | مزمور 16 | مزمور 17 | مزمور 18 | مزمور 19 | مزمور 20 | مزمور 21 | مزمور 22 | مزمور 23 | مزمور 24 | مزمور 25 | مزمور 26 | مزمور 27 | مزمور 28 | مزمور 29 | مزمور 30 | مزمور 31 | مزمور 32 | مزمور 33 | مزمور 34 | مزمور 35 | مزمور 36 | مزمور 37 | مزمور 38 | مزمور 39 | مزمور 40 | مزمور 41 | مزمور 42 | مزمور 43 | مزمور 44 | مزمور 45 | مزمور 46 | مزمور 47 | مزمور 48 | مزمور 49 | مزمور 50 | مزمور 51 | مزمور 52 | مزمور 53 | مزمور 54 | مزمور 55 | مزمور 56 | مزمور 57 | مزمور 58 | مزمور 59 | مزمور 60 | مزمور 61 | مزمور 62 | مزمور 63 | مزمور 64 | مزمور 65 | مزمور 66 | مزمور 67 | مزمور 68 | مزمور 69 | مزمور 70 | مزمور 71 | مزمور 72 | مزمور 73 | مزمور 74 | مزمور 75 | مزمور 76 | مزمور 77 | مزمور 78 | مزمور 79 | مزمور 80 | مزمور 81 | مزمور 82 | مزمور 83 | مزمور 84 | مزمور 85 | مزمور 86 | مزمور 87 | مزمور 88 | مزمور 89 | مزمور 90 | مزمور 91 | مزمور 92 | مزمور 93 | مزمور 94 | مزمور 95 | مزمور 96 | مزمور 97 | مزمور 98 | مزمور 99 | مزمور 100 | مزمور 101 | مزمور 102 | مزمور 103 | مزمور 104 | مزمور 105 | مزمور 106 | مزمور 107 | مزمور 108 | مزمور 109 | مزمور 110 | مزمور 111 | مزمور 112 | مزمور 113 | مزمور 114 | مزمور 115 | مزمور 116 | مزمور 117 | مزمور 118 | مزمور 119 | مزمور 120 | مزمور 121 | مزمور 122 | مزمور 123 | مزمور 124 | مزمور 125 | مزمور 126 | مزمور 127 | مزمور 128 | مزمور 129 | مزمور 130 | مزمور 131 | مزمور 132 | مزمور 133 | مزمور 134 | مزمور 135 | مزمور 136 | مزمور 137 | مزمور 138 | مزمور 139 | مزمور 140 | مزمور 141 | مزمور 142 | مزمور 143 | مزمور 144 | مزمور 145 | مزمور 146 | مزمور 147 | مزمور 148 | مزمور 149 | مزمور 150 | مزمور 151 | المزامير كامل

يمثل هذا المزمور مرثاة شخصية لإنسان بار يدخل في ضيقة تصدر عن أصدقاء له ومواطنين معه، حيث يقدمون ضده اتهامات باطلة. لكن تتحول المرثاة إلى تسبحة شكر لله الذي يخلصه من الضيق.

سجل داود النبي هذا المزمور عندما حاصر شاول الملك بيته، ليقبض عليه ويقتله. لكن زوجته ميكال -ابنة شاول- أنقذته من القتل، إذ دلَّته من السور (1 صم 19: 12)، وذلك كما جرى لبولس الرسول في دمشق (أع 9: 25). قالت ميكال للحراس إن داود مريض، فكانوا يحرسون الباب الليل كله، منتظرين قيامه من سرير مرضه، وفي النهار عرف الملك وجواسيسه حيلة ميكال.

يرى البعض في هذا الحدث نبوة عما يحدث مع السيد المسيح، حيث كان الحراس واقفين حول القبر، وكان الحجر مختومًا، وفي فجر الأحد وجدوا الأكفان والقبر فارغًا. لقد قام من الأموات كما من الرقاد، وذلك بقوة لاهوته.

 

1. طلب الخلاص من الأشرار

 

1-7.

2. ثقة المرتل في الله المخلص

 

8-10.

3. هلاك الأشرار

 

11-15.

4. تسبيح لله المخلص

 

16-17.

من وحي مز 59    

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

العنوان

لإِمَامِ الْمُغَنِّينَ.

عَلَى لاَ تُهْلِكْ.

مُذَهَّبَةٌ لِدَاوُدَ لَمَّا أَرْسَلَ شَاوُلُ،

وَرَاقَبُوا الْبَيْتَ لِيَقْتُلُوهُ.

قدم المرتل هذه الصلاة أو الصرخة نحو الله لإنقاذه، إذ كانت عداوة شاول له في بدايتها. لقد بدأ حقد شاول ينفجر، فارتبك داود في حزنٍ ومرارةٍ، لكنه كان رابط الجأش، يؤمن أن طريق الخلاص الوحيد هو الالتجاء إلى الله بالصلاة والشركة معه، والتسبيح له.

جاء في العنوان حسب الترجمة السبعينية: "لداود لنقش على عمود By David for pillar inscription".

يرى القديس أغسطينوس في هذا العنوان التطلع إلى الصليب لنرى النقش أو العنوان الذي على صليب السيد المسيح، حيث نجد عنوان علته مكتوب بثلاث لغات، حتى يقرأه العالم كله، ويدرك أنه يملك علينا.

وبالقول: "لا تهلك" يشير المرتل إلى اليهود الذين احتجوا على هذا العنوان لدى بيلاطس بنطس، فلم يرد أن يغير العنوان أو يبدد ما كتبه، بل قال: "ما كتبت قد كتبت" (يو 19: 22). يختم القديس أغسطينوس حديثه بالقول: [لندرك هنا أيضًا الآم الرب، وليتحدث إلينا المسيح: الرأس والجسد].

هكذا يرى القديس أغسطينوس في عنوان المزمور حديثًا موجهًا إلينا بخصوص ابن داود الملك المصلوب، كما يخص الكنيسة الملكة المتألمة بكونها جسد المسيح الرأس.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

1. طلب الخلاص من الأشرار

أنْقِذْنِي مِنْ أَعْدَائِي يَا إِلَهِي.

مِنْ مُقَاوِمِيَّ اَحْمِنِي [ع1].

إن كانت ميكال ابنة شاول قد قامت بإنقاذ داود زوجها من يد أبيها، فإن داود من جانبه أدرك أن الخلاص ما كان يمكن أن يتحقق دون تدخل العناية الإلهية. الله وحده قادر أن يرفعه فوق حقد شاول وكل خططه.

لقد وضع شاول الملك خطة مُحكمة لقتل داود صباحًا عند خروجه من بيته. فقد أرسل عددًا كافيًا لمحاصرة البيت من كل جانب، واختار أشخاصًا أقوياء لن يقدر داود على مقاومتهم والإفلات من أياديهم، وبهذا تأكد شاول من تحقيق ما في قلبه (1 صم 19: 11). لكن الله استخدم ميكال زوجة داود الأمينة وابنة شاول لكي ينزل من طاقة في البيت (1 صم 19: 12)، فتحققت طلبة داود في المزمور، لقد دلته ميكال من طاقة ليهرب. لكن داود شعر كأن الله قد رفعه إلى برجٍ عالٍ لا تقدر الأيادي أن تبلغ إليه وتلمسه.

يرى البعض مثل آدم كلارك أن هذا المزمور يناسب أحداث بناء أسوار أورشليم على يديّ نحميا، مع مقاومة سنبلَّط وطوبيا وجشم ضد نحميا والعاملين معه، حتى لا يقوموا ببناء أسوار أورشليم.

ضاقت نفس داود، فقد كرَّس الملك شاول طاقاته لقتله. "وكلم شاول يوناثان ابنه وجميع عبيده أن يقتلوا داود" (1 صم 19: 1).

حقًا لقد خططت ميكال ابنة شاول لإنقاذ رجلها داود، لكن داود، وقد ركزَّ عينيه على الله، أدرك أن الخلاص لن يتحقق إلاَّ من عند الرب. "يا رب إلهي، عليك توكلت؛ خلصني من كل الذين يطردونني ونجني" (مز 7: 1).

"احمني": الكلمة العبرية تعني "ارفعني". فإن كان العدو الذي سقط من السماء يبذل كل الجهد ليحدر البشرية معه إلى الهاوية، فإن المخلص السماوي يخلص مؤمنيه برفعهم معه كما إلى السماء.

يشبه القديس جيروم المؤمن الحقيقي بطائر يطير في الأعالي، فلا تقدر الحية التي تزحف على الأرض أن تثب وتبتلعه.

ما يشغل قلب المؤمن ليس أن يخلص من الشباك التي يخفيها العدو في التراب، والمصائد التي على الأرض، وإنما بالأكثر أن يرتفع بروح الله، ليحلق كما في السماء. هكذا تتحول الضيقة إلى فرصة جديدة لانطلاق أعماق الإنسان إلى السماء! "ليستجب لك الرب في يوم الضيق، ليرفعك اسم إله يعقوب" (مز 20: 1). "لأنه تعلق بي أنجيه، أرفعه لأنه عرف اسمي" (مز 91: 14). في وسط الضيق تنطلق النفس لتنال معرفة جديدة باسم الرب، وخبرة جديدة للشركة معه.

يترجم البعض النص العبري: "ارفعني في الأعالي". فإن كان الأعداء قد قاموا عليه في تشامخٍ كما من العلو لقتله، وكان في تقديرهم أنه لن يفلت من أيديهم، إذا بالمرتل يطلب ممن هو في الأعالي أن يرفعه كما في برجٍ سماويٍ، ليس من عدو يقدر أن يلحق به، إذ أن الله نفسه هو برجه وملجأه وحصن حياته.

نَجِّنِي مِنْ فَاعِلِي الإِثْم،ِ

وَمِنْ رِجَالِ الدِمَاءِ خَلِّصْنِي [ع2].

كثيرًا ما نشتكي وأحيانًا نتذمر، لأن الظلم قد حلّ علينا. هنا يعلق المرتل أن هذه المظالم طبيعية، فقد صار الأشرار بطبيعتهم التي أفسدوها متعطشين إلى سفك الدماء، واغتصاب حقوق الآخرين، واتهام الغير ظلمًا. "أهل الدماء يبغضون الكامل. أما المستقيمون فيسألون عن نفسه" (أم 29: 10).

"فاعلو الإثم" هم شاول الملك ومشيروه الذين في نوعٍ من المداهنة للملك، قدموا له الخطة لقتل داود. أما "رجال الدماء" فهم الذين يجدون مسرتهم في تعذيب الأبرار والصديقين وسفك دمائهم.

يرى الأب أنثيموس الأورشليمي أن أعداء المرتل هنا هم شاول ورجاله، وأيضًا الرئاسات وسلاطين ظلمة الشيطان وجنوده الذين يثيرون الظلام على رجال الله. كما يرى أن الحديث هنا فيه دعوة النبي لابن الله مخلص العالم أن يأتي. ويرى أيضًا أنه حديث السيد المسيح نفسه حيث يطلب من الآب عن جماعة المؤمنين بكونهم جسده.

إن كان الله يسمح حتى لإبليس وقواته أن تحاصرنا، وتطلب نفوسنا، إنما لكي نقضي كل حياتنا نصرخ إلى الله، فننعم بالاتحاد معه، والتمتع بالنصرة. ليس من سلاح يسندنا لنوال النصرة مثل الصلاة والصراخ إلى الله.

يرى القديس أغسطينوس في هذه العبارة صرخة الكنيسة المضطهدة، وصرخة كل مؤمن تُقدم للآب في السماء خلال المسيح رأس الكنيسة.

*     حدث هذا الأمر في جسد المسيح، إنه يتحقق أيضًا فينا. فإن أعداءنا، أي الشيطان وملائكته، لا يكفوا عن الثورة علينا كل يوم. وأن يقوموا بالتسلية بضعفنا وعجزنا، بخداعاتهم واقتراحاتهم وتجاربهم، وبالشباك من كل نوع التي ينصبوها لاصطيادنا، مادمنا نعيش على الأرض. لكن صوتنا يُوجه إلى الله ويصرخ في أعضاء المسيح، خلال الرأس الذي في السماء، القائل: "نجني من فاعلي الإثم، يا إلهي، ومن رجال الدماء خلصني".

القديس أغسطينوس

*     بقوله "افدني" (احمني) يلتمس حضور ابن الله، الذي جعل نفسه فدية عن العالم. وأيضًا هذا القول موجه كما من قبل ربنا، إذ يطلب من الله أبيه خلاصًا لجماعة المؤمنين الذين هم جسده من الأعداء المنظورين، ومن الذين يصنعون الإثم، ومن سافكي الدماء الذين يهيمون واثبين على قتله، وقتل رسله من بعده، وقتل من يتبعهم. وأيضًا يطلب خلاصهم وتبريرهم من فعلة الإثم والقتل. لكن طلبته لدى الآب، وتضرعه إليه، ليس عن ضعفٍ ولا عن نقص سلطانه أو سيادته عن سيادة الآب، حاشا! وإنما فقط لكي يعلن عن كمال ناسوته، وليعلمنا أن نستغيث بالله عند ورود الشدائد.

الأب أنثيموس الأورشليمي

*     كانوا بالحقيقة رجال دماء، هؤلاء الذين قتلوا البار، ذاك الذي لم يجدوا فيه أي إثمٍ. كانوا رجال دماء، لأنه عندما غسل الغريب (بيلاطس) يديه، وأراد أن يطلق المسيح، صرخوا: أصلبه، أصلبه. كانوا رجال دماء هؤلاء الذين لما أتهموا بجريمة سفك دم المسيح، أجابوا: "دمه علينا، وعلى أولادنا" (مت 27: 25)، مقدمين ذلك لنسلهم كي يشربوه. لكن لم يكف رجال الدماء عن الثورة ضد جسده، فإنه حتى بعد قيامة المسيح وصعوده، عانت الكنيسة من الاضطهادات، وهي بالحقيقة بدأت من الشعب اليهودي الذي منه أيضًا خرج رسلنا.

القديس أغسطينوس

لأَنَّهُمْ يَكْمُنُونَ لِنَفْسِي.

الأَقْوِيَاءُ يَجْتَمِعُونَ عَلَيَّ،

لاَ لإِثْمِي، وَلاَ لِخَطِيَّتِي، يَا رَبُّ [ع3].

عندما يجتمع الأشرار علينا، ويكمنون لنفوسنا، لنذكر ما حدث مع داود النبي، ونقتنِ إثر خطواته. كما نذكر كيف ذكره الرب، وخلصه من أيدي الأقوياء المجتمعين ضده.

يجتمع الأشرار معًا في الشر، ويتهللون معًا بالظلم. يحملون عداوة نحو الصِديقين، لا لضرر أصابهم منهم، وإنما لأن حياة الصِديقين تشهد ضد الأشرار!

وإن كان داود يعترف بخطيته أمام الله، لكن ما يفعله هؤلاء الأشرار ليس لخطية ارتكبها، ولا لتأديب من قبل الله، إنما لأنهم يجدون لذتهم ومسرتهم في قتل رجال الله الأبرار.

من هم الأقوياء الذين يكمنون لنفس البار، ويجتمعون معًا عليه، لا لشرٍ ارتكبه، ولا إثم اقترفه؟ إنهم قوات الظلمة التي لا تقبل النور، فعدو الخير وملائكته يعملون دومًا لتحطيم خائفي الرب، لا لشيء إلاَّ لانتسابهم لله أبيهم، النور الحقيقي والقدوس بلا خطية.

هؤلاء الأقوياء أيضًا هم أصحاب السلاطين في كثير من العصور، يستخدمون سلطانهم وإمكانياتهم لمقاومة الصِديقين.

هؤلاء الأقوياء هم القيادات التي ثارت على ربنا لصلبه، لعلهم يخلصون منه.

هؤلاء الأقوياء هم أيضًا الخطايا التي تنتهز كل فرصة لكي تنحدر بالإنسان إلى الفساد. فقد قيل عن الخطية إنها عار الشعوب، تقيم من الإنسان عبدًا لها عاجزًا عن التصرف حسب إرادته، فيعمل لا ما يريده، بل ما تريده الخطية الساكنة فيه، أما ثمرها فهو الموت، فإن صار لها موضع فيّ، تعيش هي في داخلي وأموت أنا. إنها مخادعة وقتّالة؛ ناموسها يحارب ناموس ذهني، فأسلك كمن هو بغير وعي. وأما مقاومتها، فتحتاج إلى جهاد حتى الدم. أخيرًا فإن من يمارسها هو من إبليس. هذه هي الخطية العنيفة كما يصورها الكتاب المقدس.

*     إن أردنا أن نعرف من هم الأقوياء، فإن الأول هو الشيطان نفسه، فقد دعاه الرب قويًا، إذ يقول: "لا يستطيع أحد أن يدخل بيت قوي وينهب أمتعته، إن لم يربط القوي أولًا، وحينئذٍ ينهب بيته" (مر 3: 27). إنه يربط القوي بقيود سلطانه، فتُحمل أمتعته خارجًا، ويجعلها أمتعة (المسيح). فإن جميع الأشرار كانوا آنية للشيطان...

*     بالحقيقة هؤلاء الأقوياء، أي الذين يبدون كأنهم أبرار، على أي أساس يمكنهم أن يضطهدوا المسيح إلا إذ كان يبدو لهم كأنه خاطي؟

على أي الأحوال، لينظروا كيف أنهم أقوياء في عنف الحمى، وليس في حيوية الصحة السليمة.

لينظروا كيف أنهم أقوياء كما لو كانوا أبرارًا، يثورون ضد شرير. ولكن "ليس من إثم هو لي، ولا من خطية، يا رب. إني أجري بدون إثم..." لهذا لا يقدر هؤلاء الأقوياء أن يتبعونني راكضين. لهذا يعتقدون أني خاطئ، إذ لا ينظرون خطواتي.

القديس أغسطينوس

*     "الأعزاء" (الأقوياء) هنا هم شاول وأنطيوخس (أبيفانس) وغيرهما من الملوك. وأيضًا هم رؤساء اليهود وأحباؤهم الذين بشدة عزمٍ كانوا يصطادون ربنا ليقتلوه، وأيضًا الخطية التي تصيد بلذتها نفس الإنسان لتقتلها، والصيد تقوم به الأبالسة.

الأب أنثيموس الأورشليمي

بِلاَ إِثْمٍ مِنِّي يَجْرُون،

وَيُعِدُّونَ أَنْفُسَهُمُ.

اسْتَيْقِظْ إِلَى لِقَائِي، وأنْظُرْ [ع4].

يعاني أحيانًا الصِديق من ضيقة نفسه بسبب تجمهر الأشرار عليه، وإصرارهم على أن يكمنوا لنفسه، وكأنهم أقوياء يلهون بفريسة ضعيفة عاجزة عن الدفاع عن نفسها. هنا يبدو له كأن الأشرار الأقوياء لا ينامون الليل لتحقيق مكائدهم، بينما يبدو كأن الله نائم لا ينظر إلى المسكين المظلوم. لذا يصرخ المرتل: "استيقظ إلى لقائي واُنظر!"

إنهم يركضون (يجرون) كمحاربين مسلحين، يندفعون في المعركة (مز 18: 29). يعدون أنفسهم، فلا يتحركون اعتباطًا، إنما وُضعت خطة، وأعدوا أنفسهم لتنفيذها بكل دقة، كقوات تقتحم مدينة (أي 30: 14). إنهم لم يتركوا حجرًا لم يقلبوه رأسًا على عقب لدماري تمامًا.

يدعو المرتل الله أن يستيقظ ليلتقي معه، ويمده بعونه، فالأمر يمس حياة المرتل، أي في غاية الخطورة. شعر المرتل كأن الله نائم من جهة سلامه (مز 44: 13)، لا يشعر بعنف الأشرار ضد داود، والخطر الذي يحدق بمؤمنيه.

ربما يتساءل أحد كيف يطلب داود المرتل من الله أن يلتقي به لينظر أنه يسلك بلا إثم، ويجري بلا خطية. هل يحتاج الله إلى اللقاء معه لينظر ما في داود؟ يفسر لنا القديس أغسطينوس هذا بأنه عندما ينظر إليه ليرى، إنما يُقصد به أنه يُعلن لنا ما يراه هو.

*     هذا يشبه تمامًا لو كنت سائرًا في طريقٍ، ويوجد من بعيد شخص لم تستطع أن تتعرف عليه، فإنك تدعوه، قائلًا له: قابلني، وانظر كيف أنا سائر، فإنك إذ تلمحني من بعيد لا تقدر أن ترى خطواتي. هل هكذا بالنسبة لله إن لم يقابل الشخص لا يراه ولا يدرك أنه يسير بلا إثم ويجري بلا خطية؟ يمكننا أن نقبل التفسير التالي، وهو: "قم وقابلني:، بمعنى "لتعينني". أما عن الإضافة: "وأنظر"، فيلزم أن تُفهم هكذا: "أنظر إنني أجري؛ لأكون موضع رؤية بأنني أسلك بإرشاد. بحسب هذا التفسير أيضًا قيل لإبراهيم: الآن علمت أنك خائف الله" (تك 20: 6). يقول الله: "الآن علمت"، ماذا تعني سوى: "إنني أجعلك تعلم"؟

القديس أغسطينوس

*     الذي يجري بسرعة لا يظهر كمن يلمس الأرض، بل يبدو كما لو كانت له أجنحة. (يقول أيوب) "حياتي أسرع من عدَّاء" (أي 9: 25) إني أتطلع إلى فوق! "لست أركض عن غير هدفٍ" (راجع 1 كو 9: 26). إنني لا ألمس الأرض". إذ يريد الأبرار أن يبلغوا الخط النهائي، يستمرون في الجري، حتى وإن ركضوا وسط عوائق. كمثال عندما تحل بهم ضيقة يستمرون في الركض. حتى داود ركض، إذ قال: "ركضت بدون إثم، مستمر في الركض باستقامة إلى الأمام" (راجع مز 59: 4)[182].

القديس ديديموس الضرير

وَأَنْتَ يَا رَبُّ إِلَهَ الْجُنُود،ِ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ،

انْتَبِهْ، لِتُطَالِبَ كُلَّ الأُمَمِ.

كُلَّ غَادِرٍ أَثِيمٍ لاَ تَرْحَمْ. سِلاَهْ [ع5].

إن كان الأشرار قد ظنوا أنهم أقوياء، وفي ضعف يحسبهم الصِديق هكذا، لكنه إذ يتطلع إلى إلهه يدرك أنه ليس من خليقة تقدر أن تقف أمامه. هو رب القوات، وفي نفس الوقت "إله إسرائيل"، أي الإله المحب لشعبه ومؤمنيه؛ كليّ القدرة وكليّ الحب، يحمي أولاده من كل الأمم الشريرة!

"إله الجنود" أو "رب القوات": يُستخدم مثل هذين التعبيرين حينما يشعر المؤمن (أو الشعب) أنه مُحاط بجيوش، وصار في خطرٍ، فيطلب الله رب الجيوش السماوية التي لا تقدر جيوش العالم أن تقف أمامها.

"إله إسرائيل"، أو إله الشعب العبراني، سلالة يعقوب أو إسرائيل، الإله المدافع عن شعبك، قم وخلصني، فإنني أحد أعضاء شعبك الذي دخلت أنت معه في عهدٍ، وقدمت له وعود خاصة بحمايته. يطلب منه أن يطالب كل الأمم أو يفتقدهم بالعقوبة أو التأديب. ولعله حسب مقاوميه الأشرار، المملوءين عنفًا وعدم أمانة أشبه بالأمم الوثنية. هذا الاصطلاح كثيرًا ما استخدمه داود النبي.

ليس من أمر مخفي عنه، لكنه طويل الأناة، يطالب كل الأمم، إذ هو ديان الأرض كلها. إذ يُحاكم البشرية، يسقط الأشرار تحت عدم الرحمة، لأنهم لم يمارسوها ولا عرفوها. فمن لا يرحم أخاه لا يتمتع بالرحمة الإلهية.

يرى بعض الآباء أن العبارة هنا لا تعني الانتقام من الأمم، بل دعوة الأمم لقبول الإيمان الذي رفضه إسرائيل أو اليهود في أيام السيد المسيح.

كثيرًا ما يتحدث داود النبي عن كثرة الأعداء المقاومين له (مز 27: 3؛ 118: 10-12). وها هو هنا يضع الله أمام عينيه كديان لكل الأمم الوثنية، معلنًا أنه لن يعود يضطرب، لا لكثرة العدد، ولا لقدرتهم، مادام الله يتدخل في الأمر.

*     إنه لقول صادق، لم يُقل بلا هدف، ولا يمكن تجاهله بأية وسيلة: "كل غادرٍ أثيم لا ترحم". لكنه رحم بولس، الذي كان قبلًا يعمل إثمًا كشاول. فإنه أي عمل صالح فعله حتى يصير متأهلًا للرحمة...؟ ألم يكره قديسيه حتى الموت؟ ألم يحمل رسائل من رئيس الكهنة بقصد أن يعاقب كل من يجدهم من المسيحيين، مسرعًا بهم إلى العقوبة؟ إذ انكب على هذا ألم يكون قاتلًا ينفث مهددًا، كما يشهد عنه الكتاب المقدس؟ ألم يصدر من السماء صوت قديم يستدعيه، ويطرحه أرضًا، ويقيمه؛ يعميه ويهبه استنارة، يقتله ويحييه، يحطمه ويصلحه؟ في مقابل أي استحقاق حدث هذا؟ لا نقل شيئًا سوى ما نسمعه. إنه يقول: "أنا الذي كنت قبلًا مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا، لكنني رُحمت" (1 تي 1: 13). بالتأكيد: "كل غادر أثيم لا ترحم" يمكن تفسيرها بطريقتين، إما أنه بالحقيقة لا توجد خطية بدون عقاب (مادام الإنسان لم يتب عنها)، أو أنه يوجد نوع من الإثم لا يرحم الله فاعله (وهو الإثم المتعمد مع معرفة ذلك دون التوبة).

القديس أغسطينوس

يَعُودُونَ عِنْدَ الْمَسَاءِ،

يَهِرُّونَ مِثْلَ الْكَلْب،ِ

وَيَدُورُونَ فِي الْمَدِينَةِ [ع6].

إن كان الله مخلصه هو رب الجنود، كليّ الحب، وديان الأرض كلها، فكيف يُمكن للأشرار أن يقفوا أمامه. إنهم يشبهون الكلاب التي تجول ليلًا في وسط القرى، وتجتمع أحيانًا لتفتعل معارك فيما بينها.

يشبه داود النبي أعداءه الذين كانوا يدبرون تنفيذ قتله بالكلاب السعرانة النجسة (مز 22: 16-20). تجول في المساء في الشوارع، تأكل الفضلات الدنسة، كما تبحث عن فريسة تقفز عليها وتقتلها. ربما كان هؤلاء الأعداء يخرجون بالليل من يومٍ إلى يومٍ يتجسسون تحركات داود الليلية حتى يضعوا الخطة محكمة.

كثيرًا ما يشبه الكتاب المقدس الأشرار بالكلاب (مز 22: 16، 20؛ مت 7: 6؛ في 3: 2؛ رؤ 22: 15)، لأنها تنبح وتبدو كما في موقف القوة والهجوم، لكنها تخاف متى هاجمها أحد بغير خوف. هذا وكانت الكلاب من الحيوانات النجسة (1 مل 14: 11) عند اليهود. وأيضًا يشبههم الكتاب المقدس بالخنزير، والحمار، والحمامة الحمقاء.

بينما ينام الأبرار في الليل في سلام عميق، إذا بالأشرار يجتمعون معًا بالليل للتخطيط بالشر على الإنسان البار.

"يهرون مثل الكلب"، إذ يحدثون أصوات كلاب مزعجة في معارك طول الليل، الأمر الشائع إلى الآن في بعض قرى مصر. فالأعداء كانوا يختفون في النهار، ويخرجون بالليل، ويلتقون معًا لعمل تداريب فيما بينهم كيف يصطادون داود ويقتلونه.

*     معنى المساء هو نهاية النهار، ويدل على حلول ربنا بالجسد في نهاية الزمان.

إذ يقول النبي بأن اليهود يجوعون لعدم قبولهم الخبز الإلهي النازل من السماء، ويصيرون وقحين مثل الكلاب. وقد جاء عنهم في إشعياء أنهم جميعًا ذئاب عميان وجهلاء مثل كلابٍ بُكم لا تقدر أن تنبح (إش 56: 10)... وقد دعاهم كلابًا، لأن عند تسليم ربنا كانوا يصرخون عليه بسفاهة، ولا يعرفون ماذا يقولون. لهذا حرمهم الله من جميع المواهب التي كانت لهم، وصاروا يطوفون جياعًا من خيرات الله مثل الكلاب، وأما مدينتهم التي دنسوها بقتلهم (البار)، فطُردوا منها، وعادوا يدورون حولها، ولا يُسمح لهم بالسكنى فيها كما كانوا سابقًا.

الأب أنثيموس الأورشليمي

*     لنطلب الشهادات الخاصة بآلام المسيح... لقد تقبلت مني الشهادات الخاصة بمجيئه وبسيره على البحر، إذ كتب: "في البحر طريقك" (مز 77: 19). لنبدأ الآن بالألم. كان يهوذا خائنًا، ووقف ضد المسيح. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فمع أنه كان يحدثه بكلمات السلام، كان يدبر حربًا. لهذا يقول المرتل: "أحبائي وأصحابي يقفون تجاه ضربتي" (مز 38: 11). وأيضًا: "ألْيَن من الزيت كلماته، وهي سيوف مسلولة" (مز 55: 21). قال: "السلام، يا سيدي" (مت 26: 49) وهو يخون سيده إلى الموت. إذ لم يرتدع من تحذير سيده، القائل: "يهوذا، أبقبلة تُسلم ابن الإنسان؟!" (لو 22: 48).

إن ما قاله الرب له هو تأويل اسم "يهوذا" الذي يعني "اعتراف". لقد تآمرتَ، وقبضتَ الثمن، اعترف بسرعة.

"يا إله تسبيحي، لا تسكت. لأنه قد انفتح عليّ فم شرير، وفم الغش. تكلموا معي بلسان كذب. بكلام بُغض أحاطوا بي، وقاتلوني بلا سبب" (مز 109: 1-3). كان بعض رؤساء الكهنة حاضرين، وقد تم القبض عليه عند أبواب المدينة، وبهذا تحقق قول المزمور: "يعودون عند المساء، يهرون مثل الكلاب، ويدورون في المدينة" (مز 59: 6)[183].

القديس كيرلس الأورشليمي

*     كانت توجد مجاعة، ليس في موقعٍ معينٍ وحده، بل في العالم كله، إذ لم يوجد من يصنع صلاحًا. لذلك فإن الرب يسوع المسيح، إذ تحنن على جائعي العالم، فتح خزائن القمح، وكشف عن مخازن الأسرار السماوية الخفية التي للحكمة والمعرفة، حتى لا يعتاز أحد إلى قوتٍ. إذ قالت الحكمة: "تعالوا كلوا خبزي" (أم 9: 5)؛ من يمتلئ بالمسيح، هو وحده يقدر أن يقول: "الرب يقوتني، فلا اعتاز إلى شيءٍ" (راجع مز 23: 1)[184].

القديس أمبروسيوس

يتطلع القديس أغسطينوس إلى الكلاب كحيوانات للحراسة، فيقدم تفسيرًا رمزيًا لهذه العبارة (مز 59: 6). يقول بأنه بعد سفك دم المسيح تغفر لنا خطايانا، فنتغير "عند المساء"، وذلك بنعمة الله.

نصير مثل شاول الطرسوسي الذي كان أشبه بذئبٍ مفترسٍ عنيفٍ، وتحول إلى شبه كلب ضعيف يدور حول مدينة هذا العالم في جوعٍ شديدٍ إلى خلاص كل نفسٍ، يجري من هنا وهناك ليكسب كل نفسٍ للسيد المسيح.

هُوَذَا يُبِقُّونَ بِأَفْوَاهِهِمْ.

سُيُوفٌ فِي شِفَاهِهِمْ.

لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ سَامِعٌ؟ [ع7].

تمتلئ أفواه الأشرار بالظلم والاتهامات الباطلة والتهديدات والتجاديف وكأنها سيوف قاتلة. وفي هذا كله يظنون أن الله لا يبالي بمؤمنيه: "مَنْ سامع؟" وكما يقول المرتل: "الشرير حسب تشامخ أنفه يقول لا يُطالب. كل أفكاره أنه لا إله... قال في قلبه إن الله قد نسي. حجب وجهه. لا يرى إلى الأبد" (مز 10: 4، 11).

إنهم ينفثون لهيبًا من أفواههم، إذ يقذفون وابلًا من الاتهامات الباطلة والافتراءات دون توقف (مز 94: 9). يشبه المرتل افتراءاتهم وتهكماتهم وسخريتهم بمجرى أو ينبوع يفيض بلا توقف.

"لأنهم يقولون: مَنْ سامع؟" إذ يطيل الله أناته عليهم لعلهم يرجعون بالتوبة إليه، فلا يتممون خطتهم الشريرة، يستهينون به، كأنه غير سامع مناقشاتهم في تدبير الخطة، وبالتالي لن يعاقبهم على افتراءاتهم الحادة كالسيوف القاتلة (مز 57: 4).

*     بقولهم "بأفواههم" يعني بصراخ أفواههم إلى بيلاطس عن المسيح: اِرفعه، اِرفعه! اُصلبه! وبما نطقت بهم شفاههم طعن جنود بيلاطس جنبه، فكانت الحراب في شفاههم.

الأب أنثيموس الأورشليمي

*     هنا يوجد سيف يُشحذ مرتين، يقول عنه الرسول: "والروح الذي هو كلمة الله" (أف 6: 17). لذلك يُشحذ مرتين. لماذا إلا أنه يُضرب من العهدين؟ بهذا السيف يُذبح أولئك الذين قيل عنهم لبطرس: "قم واذبح" (أع 10: 13) "وسيف على شفاههم، فمن يسمع؟" جميعهم يتكلمون في فمهم: "من يسمع؟" بمعنى أنهم يكونون غاضبين على البشر المبطئين في الإيمان. أولئك الذين منذ قليل هم أنفسهم كانوا غير راغبين في الإيمان يشعرون باشمئزاز من الذين لا يؤمنون. الأمر هكذا يا إخوة.

القديس أغسطينوس

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

2. ثقة المرتل في الله المخلص

أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ، فَتَضْحَكُ بِهِمْ.

تَسْتَهْزِئُ بِجَمِيعِ الأُمَمِ [ع8].

مهما بلغ عدد المقاومين، حتى إن اِتفقت جميع الأمم على الله، فيقاومون أولاده، فإن الله يضحك بهم. لهذا يحول المرتل عينيه عن التطلع إلى الأشرار وإلى اِجتماعاتهم وتدابيرهم الشريرة وإمكانياتهم، كما إلى الله الذي لا تقف قوة أمامه!

إذ يحسب المرتل داود مقاوميه الأشرار أممًا وثنية، فإنه يهزأ بهم، ويجعل من تحركاتهم وخططهم سخرية واستخفافًا.

هكذا كان داود النبي واثقًا أن الله يتابع خطواتهم، ويسمع همساتهم، ويجعل كل أعمالهم ضده باطلة، منقذًا إياه من كل مكيدة.

*     قال النبي سابقًا (59: 5): انتبه لتفتقد كافة الأمم، والآن يقول: ترذل كافة الأمم، فهل في هذا القول تناقض للقول السابق؟ كلاَّ، لأن الذهبي الفم يقول: بالكلام السابق يعني جماعة الأمم وشعوبها، الذين آمنوا بالمسيح، وأما هنا فيتحدث عن الأمم من جماعة الأبالسة، وعن صانعي أعمال الأمم الشنيعة، وعن الذين يضطهدون إيمان المسيح.

الأب أنثيموس الأورشليمي

*     كل الأمم يصيرون مسيحيين، وأنت تقول: كم يسمع؟ ما هو الذي يسخر منهم؟ إنك تحسب كل الأمم كلا شيء. سيكونوا كلهم كلا شيء، فإن الأمر سهل للغاية أن تؤمن كل الأمم بك.

القديس أغسطينوس

مِنْ قُوَّتِهِ إِلَيْكَ أَلْتَجِئُ،

لأَنَّ اللهَ مَلْجَأي [ع9].

وإن كان كل ما يفعله العدو يستخف به الله، لكن داود لا ينكر قوة العدو، إنما يثق في الله مخلصه، فيقف منتظرًا خلاصه، لأنه هو ملجأه الذي يحتمي فيه.

يصرخ داود من قوة شاول الخطيرة، التي هي فوق كل إمكانياته؛ لا يقدر أن يقاومها. فليس له ملجأ سوى الله القدير؛ يتطلع إليه منتظرًا عمله الإلهي.

الله هو ملجأ داود، المكان الآمن الذي فيه يختبئ، والموضع السامي العالي، فيه يرتفع فلا تقدر الشباك أن تصطاده، إذ جاءت الكلمة بترجمتها الحرفية "مكان مرتفع".

يرى البعض أن كلمة "التجئ" جاءت هنا لتعني حرفيًا: "أراقبك"؛ فإن كان شاول قد أرسل من يراقب تحركات داود ليقتله، فإن داود بدوره يراقب تحركات الله القدير ليبدد خطة شاول. إن كان شاول قويًا، فالله قدير. لهذا لن يتوقف المرتل عن القول عن الله: "قوتي".

جاءت كلمة "قوته" في الترجمة السبعينية: "من قوتي".

بحسب النص العبري: "من قوة شاول أو قوة العدو كان المرتل يتطلع إليه لكي يحميه". وبحسب الترجمة السبعينية: يقول المرتل إنني أحفظ قوتي لك، لتستخدمها أنت يكونك ملجأي والعامل فيَّ وبي. يلجأ المرتل إلى الله من كل قوة الأشرار لأن الله نفسه هو قوة المرتل، وفي الالتجاء إلى الله ملجأه، يجده كفيلًا بحمايته.

أحبك يا رب يا قوتي (مز 18: 1).

أما أنت يا رب فلا تبعد يا قوتي، أسرع إلى نصرتي (مز 22: 19).

يا قوتي لك أرنم، لأن الله ملجأي، إله رحمتي (مز 59: 17).

على الله خلاصي ومجدي صخرة قوتي، محتماي في الله (مز 62: 7).

قوتي وترنمي الرب، وقد صار لي خلاصًا (مز 118: 14)،

*     إن داود مسحه صموئيل النبي ملكًا من قبل الله، وهو أيضًا بروح النبوة كان عارفًا أنه سيخلف الملك شاول، لكنه لم يرد هلاك شاول، لئلاَّ يكون قد أخذ المُلك اغتصابًا وقهرًا، بل احتمل اضطهاداته، منتظرًا الفرج من قبل الله. فيقول: أنا أحفظ عزي لديك، أي ادخرت المُلك عنك إلى حين تتحقق إرادتك. ونحن المؤمنين أيضًا نستودع حياتنا ومُلكنا لدى المسيح إلهنا.

الأب أنثيموس الأورشليمي

*     فإن هؤلاء الأقوياء يسقطون للسبب التالي: لأنهم لا يحفظون قوتهم لك. بمعنى أنهم يقومون عليّ ويهجمون، متكلين على ذواتهم. أما أنا فأحفظ قوتي لك، لأنني إن انسحبت (عنك) أفشل. إن اقتربت إليك أصير أكثر قوة.

انظروا يا إخوة، ماذا في النفس البشرية. ليس فيها نور من ذاتها، ليس فيها قوات؛ بل وليست حكيمة بذاتها، ولا قوية بنفسها، ولا هي نور من ذاتها، ولا هي فضيلة بذاتها...

اقتربوا إليه فتصيروا نورًا. فإنه بالانسحاب عنه تصيرون ظلمة. لهذا فإن "قوتي أحفظها لك"، فلا أنسحب منك، ولا أعتمد على ذاتي. أين كنت أنا، والآن أين أنا؟ إلى أين أنت رفعتني؟ أية آثام لي قد غفرتها؟

القديس أغسطينوس

إِلَهِي رَحْمَتُهُ تَتَقَدَّمُنِي.

اللهُ يُرِينِي بِأَعْدَائِي [ع10].

كثيرًا ما يطلب المرتل من الله أن يتقدمه، إذ يقول: "تقدمت فرأيت الرب أمامي في كل حين". الآن يطلب منه أن تتقدمه الرحمة الإلهية، فهو في عينيه ليس بلا خطية، إنما محتاج إلى مراحم الله لتغفر له خطاياه. وبهذا لا يكون للعدو سلطان عليه.

يقدم لنا السيد المسيح نفسه الراعي الصالح الذي يتقدم قطيعه، والخراف تتبعه (يو 10: 4)، فلا تقدر الذئاب أن تقترب إليها، كما يُمكن للخراف أن تسلك طريق الحق بلا انحراف.

جاء في بعض الترجمات "إله رحمتي يتقدمني"، إذ يتطلع المرتل إلى الله بكونه إلهه، يهبه الرحمة ويتقدم خطواته، يفيض عليه بالرأفات، ويسدد كل احتياجاته، يعينه في كل أموره.

"الله يريني بأعدائي"؛ يُظهر لي إياهم في ارتباك، وقد أُحبطت خططهم. هذا القول يعادل: "الله يهبني النصرة عليهم"، أو "لن يسمح لهم بالانتصار عليّ".

بقوله "يريني بأعدائي" تعني: :يريني كيف أتعامل هو معهم.

*     "إلهي رحمته تتقدمني".

انظروا ما هذا، "قوتي، لك أحفظ"، بكل الطرق لن أتكل على قوتي. فإنه أي صلاح أنا قد جلبته، حتى تجلب رحمتك عليّ وتبررني؟

ماذا وجدت فيَّ سوى خطاياي وحدها؟

منك لا توجد سوى الطبيعة التي خلقتها، أما بقية الأمور التي لي فهي شرور أنت تمحوها.

القديس أغسطينوس

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

3. هلاك الأشرار

لاَ تَقْتُلْهُمْ لئلاَّ يَنْسَى شَعْبِي.

تَيِّهْهُمْ بِقُوَّتِكَ،

وَأَهْبِطْهُمْ يَا رَبُّ، تُرْسَنَا [ع11].

يسأل الرب ألا يزيل الأعداء مرة واحدة، بل يسمح ببقية لهم تتشتت، كشهادةٍ وتذكارٍ لعمل الله، فلا ينسى الشعب عمل الله وحفظه لهم من الأعداء. لقد طلب من الله أن يشتتهم فقط، فيصيروا بلا قوة للمقاومة

يطلب من إلهه أن يهبطهم، أي أن ينزل بهم من تشامخهم، ليدركوا أنهم بلا قوة لمقاومة الله.

عندما قتل قايين هابيل لم يعاقبه الله بالقتل فورًا، إنما تركه حيًا يجول في تيهٍ (تك 4: 12-14). كشهادة لثمرة الخطية، وتحقيق نوع من العدالة الإلهية. يرى كثير من الآباء أن هذا القول يشير إلى اليهود الذين صلبوا رب المجد، فصاروا في تيهٍ في العالم.

ربما يتساءل البعض: لماذا لم يعاقب الله الشيطان وملائكته، فيستريح المؤمنون من هجماتهم. بقاء الشياطين يعطي الفرصة لدخولنا في معارك مستمرة، وبالتالي لارتباطنا بالله ملجأنا، وتمتعنا بالنصرة ونوال الإكليل. لنفس السبب يترك الله الأشرار، ويطيل أناته عليهم، لتزكية الصِديقين، وإعطاء فرصة للتوبة للأشرار حيث يلمسون أن الله يدافع عن مؤمنيه.

كثيرًا ما يترك الله الأشرار، لكنهم يعيشون كمن في تيه، بلا سلام. فيرى المؤمنون ذلك لا ليشمتوا فيهم، وإنما لكي يثبت إيمانهم بالله.

"أهبطهم يا رب ترسنا!" بينما يرتفع المؤمن وسط الضيقات، وتنفتح أمامه أبواب السماء، إذا بالأشرار يهبطون مع أبيهم. "وأنت يا الله تحدرهم إلى جب الهلاك. رجال الدماء والغش لا ينصفون أيامهم" (مز 55: 23).

جاء تعبير: "تيههم بقوتك" في الترجمة السبعينية: "شتتهم بقوتك". يرى العلامة ترتليان أن المرتل هنا يصرخ إلى الله وهو يتطلع إلى صالبي السيد المسيح، سائلًا إياه أن يضرب الصالبين بالمسيح يسوع كسيفٍ لا يقتل بل يُشتت، وبهذا تشتت اليهود بسبب صلبهم للسيد.

*     من أين نثبت أن السيف هو المسيح؟ بما جاء في المزمور أنه لا يسمع لهم، بل يطلب من الآب تشتيتهم، قائلًا: "شتتهم في قوتك" (مز 59: 11 LXX)[185].

العلامة ترتليان

*     "شتتهم بقوتك" [11]. لقد تحقق هذا الآن، فقد تشتت اليهود بين كل الأمم، شهادة عن إثمهم وعن الحق الذي لنا.

القديس أغسطينوس

*     أطلقوا لسانهم الذي لا يُكبح جماحه ضد المسيح، وهكذا تحدثوا إذ تشامخوا برفع قرنهم، ونطقوا بالإثم على الله، كما هو مكتوب، سقطوا في كبريائهم[186].

القديس كيرلس الكبير

يقف المرتل متأملًا في مراحم الله العجيبة العاملة لخلاصه من الأشرار، وما يحل على الأشرار المصرين على مقاومتهم للحق الإلهي من تشتيت ومتاعب، فيقارن بينهم، مظهرًا أن الفارق علته قبول الاقتراب من الله أو الإصرار على اعتزاله.

*     يا لعظم الرحمة التي يقدمها لي، ويظهرها لأعدائي. ليقارن الإنسان نفسه بالناس الذين يهجرهم (الله)، المختار بالمرذولين، إناء الرحمة بآنية الغضب. لينظر كيف أن الله يصنع من كتلة واحدة إناءً للكرامة وآخر للهوان (رو 9: 21).

*     إنه يُظهر رحمته لزيتونة البرية المطعمة (رو 11: 17) بأغصان قُطعت بسبب الكبرياء. انظروا أين يسقطون إذ كانوا متكبرين، وأين أنتم طُعمتم عوض الذين سقطوا. لا تتكبروا لئلا تتأهلوا للقطع (يو 11: 24).

القديس أغسطينوس

خَطِيَّةُ أَفْوَاهِهِمْ هِيَ كَلاَمُ شِفَاهِهِمْ.

وَلْيُؤْخَذُوا بِكِبْرِيَائِهِمْ،

وَمِنَ اللَعْنَةِ وَمِنَ الْكَذِبِ الَّذِي يُحَدِّثُونَ بِهِ [ع12].

هنا يتحدث عن خطيتين خطيرتين:

الأولى: خطية اللسان، حيث تنطق شفاههم باللعنات مع الكذب والافتراءات والتهديدات. قدر ما كثرت كلماتهم ازدادت خطاياهم.

الثانية: الكبرياء، إذ يثقون أن خططهم لن تفشل، فتتشامخ قلوبهم، بتأكدهم من النجاح والنصرة. لكن وهم في كبريائهم يُلقى القبض عليهم ويُعتقلون.

هذا ينطبق على شاول الملك في مقاومته لداود، حاسبًا أن الخلاص منه أمر أكيد، لاعنًا إياه، ومتهمًا إياه بافتراءات كثيرة.

بشفاههم يبسط الأشرار شباكهم، ليصطادوا الصِديقين، فإذا بهم يسقطون فيها. في كبريائهم يترقبون اصطياد الأبرار، فيؤخذ الأشرار في ذات الشباك التي ينصبونها. "تورطت الأمم في الحفرة التي عملوها. في الشبكة التي أخفوها، أنشبت أرجلهم" (مز 9: 15). "برّ المستقيمين ينجيهم، أما الغادرون فيؤخذون بفسادهم" (أم 11: 6).

*     ما هو الذي تريد أن تذبحه فيهم؟ ما صرخوا به: "أصلبه، أصلبه"، وليس الصارخين أنفسهم. فإنهم أرادوا أن يمحوا المسيح ويقطعوه ويدمروه، أما أنت فبقيامة المسيح الذي أرادوا هلاكه تقتل معاصي فمهم، ومنطوقات شفاههم. فإنه في ذاك الذي صرخوا أن يُقتل يحيا وهم يرتعبون. أليس ذاك الذي استخفوا به على الأرض تتعبد له كل الأمم في السماء، وهم يتشتتون، بهذا تُقتل معاصيهم ومنطوقات كبريائهم؟

*     لا يسمح الكبرياء للإنسان أن يصير كاملًا، ليس مثله ما يعوق الكمال...

كيف يمكنني أن أتحدث بتوسعٍ عن مدى الشرور التي في الكبرياء؟ فإن الشيطان يُعاقب بسبب هذا وحده. باختصار هو رأس كل الخطاة، هو المجرب بالخطية، لا يُنسب له الزنا ولا السُكر بالخمر ولا الفسق، ولا سلب الآخرين، وإنما بالكبرياء وحده سقط.

القديس أغسطينوس

أَفْنِ بِحَنَق،ٍ أَفْنِ وَلاَ يَكُونُوا،

وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مُتَسَلِّطٌ فِي يَعْقُوبَ

إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ. سِلاَهْ [ع13].

بقوله: "ولا يكونوا" يعني أن لا يدخلوا أرض الأحياء، الخاصة بالصديقين.

إن كان قد سبق فطلب ألا يقتلهم دفعة واحدة، لكن هنا إذ تتنبأ عن مصير بيت شاول يقول: "أفن بغضبٍ أو سخطٍ" أي خلال العدل الإلهي، لأنهم ليسوا أهلًا للرحمة. كما تحمل نبوة عن ضد المسيح وأتباعه في الأيام الأخيرة[187].

إذ يسخط الله على ضد المسيح وأتباعه، يدركون بحق أن الله صاحب سلطان، وملك على يعقوب الجديد، أو كنيسة العهد الجديد الممتدة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها.

تبدو كلمة "أفنِ" تعني الحرق بالنار، لكن لا يعني هذا أن النار هي وسيلة هلاكهم، إنما هو نار غضب الله على ضد المسيح وأتباعه. جاء تكرار كلمة "أفنِ" لأجل التأكيد، ولكي يتحقق الهلاك تمامًا وبالكامل.

يطلب المرتل من الله أن يفني الأشرار بغضبه الإلهي، ليدركوا أن الله ضابط الكل.

وَيَعُودُونَ عِنْدَ الْمَسَاءِ.

يَهِرُّونَ مِثْلَ الْكَلْبِ،

وَيَدُورُونَ فِي الْمَدِينَةِ [ع14].

يكرر ما ورد في العدد 6، مع إضافة حرف العطف "و"، مظهرًا أنهم يدورون هنا وهناك، متعطشين إلى سفك الدم، وفاقدين السلام. لأن الأشرار إذ يكتشفون الله القدير هو ملك الكنيسة والمدافع عنها يدورون كالكلاب النجسة حول المدينة، كمن في حالة احتضار، يطلبون أن يغتصبوها ويفترسوها، إذ ليسوا مكتفين ولا هم شعبي.  هنا يسخر المرتل بضد المسيح ورجاله، فيطلب ليعودوا ويدوروا مثل الكلاب، فإنهم لن يقدروا أن يصيبوا كنيسة المسيح بضررٍ، كما لم يقدر شاول ورجاله أن يصيبوا داود ورجاله بأذيةٍ ما.

*     يخص النبي هنا أعداء المسيح ويدعوهم أعداءه، لكون المسيح الإله يأتي من نسله. إنه يطلب من أجلهم بأن لا يقتلهم موتًا، بل يُشتّتهم مبددًا إياهم. وذلك لئلاَّ تنسى الشعوب عدل الله وحق شريعته، لأنه لو أباد اليهود الذين صلبوا المسيح بالكلية، لكان مع مرور الزمن قد اندثر ذكرهم وتعليمهم.

الأب أنثيموس الأورشليمي

*     كيف ترى هيئة ذوات الأربع؟ إن رأسها منحنٍ صوْب الأرض، وهي تنظر إلى بطنها، تفتِّش عن الأشياء التي تتلذذ بها. أما أنت أيها الإنسان، فرأسك مرتفع نحو السماء، وعيناك تنظران إلى العُلى، فإذا كنت تتلطَّخ بشهوات الجسد، وتتعبَّد للذَّات الجوف، وللَّذَّات السُفلية، فأنت بهذا تقترب من الحيوانات التي لا تعقل وتتشبه بها (مز 58: 13). إني أعرض عليك الاهتمام بأمر آخر يليق بك: "اُطلب الأشياء السامية، حيث المسيح" (كو 3: 1). وارتفع فوق أعراض الدنيا الفانية، وتعلَّم من تكوينك الجسدي، وأجعله قانونًا لحياتك: فمدينتك هي السماء، ووطنك الحقيقي هو أورشليم العليا، ومواطنوك هم الأبكار، الذين كُتبت أسماؤهم في السماوات[188].

القديس باسيليوس الكبير

*     أناشدكم إذًا أن تتجددوا (أف 4: 20-24؛ رو 12: 1-2). فلتتعلموا أن في الإمكان أن تتجددوا, وتلقوا عنكم هيئة (الخنزير) التي هي صفة النفس غير النقية, وهيئة (الكلب), التي تصف من ينبح ويعوي, ويتحدث بالبذاءات.

في الإمكان التحول, حتى عن هيئة (الأفعى), حيث يخاطَب الأشرار بالقول: "أيها الحيات أولاد الأفاعي" (مت 23: 33). فإذا ما اقتنعنا أن في مقدورنا التحول عن شبه الأفاعي والخنازير والكلاب, دعنا نتعلم من الرسول, كيف يتم هذا التحول, الذي يعتمد علينا. فهو يعبر عن ذلك في قوله: "ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف, نتغير إلى تلك الصورة عينها, من مجدٍ إلى مجدٍ, كما من الرب الروح" (2 كو 3: 17). فإن كنت قبلًا نابحًا، ثم شكَّلتك الكلمة وغَيَّرَتك, فقد تحوَّلت من كلبٍ إلى إنسانٍ. وإن كنت قبلًا غير طاهر, ولمسَت الكلمة نفسك, فقدمت ذاتك لها لتشكِلك, فقد تحوّلت من خنزيرٍ إلى إنسانٍ. وإن كنت قبلًا وحشًا شرسًا، واستمعت إلى الكلمة التي تستأنس وتروِّض, فحوَّلتك بمشيئتها إلى إنسانٍ, فلن تُخاطَب فيما بعد: "أيها الحيات أولاد الأفاعي" (مت 23: 33).

فإن أهملنا الدرس, نفقد الحقيقة التي نملكها بالفعل, جاذبيتها, كما يحذرنا كاتب المزامير.

العلامة أوريجينوس

سبق أن رأينا كيف يتطلع القديس أغسطينوس إلى الكلاب بنظرة موقرة فيرى عودتها بالليل لتطوف في المدينة إشارة إلى عودة الأشرار بالتوبة للشهادة لله مخلصهم، حتى وإن بدا كأنهم عائدون بالليل في وقت متأخر من حياتهم.

*     "ويهتدون (ويعودون) عند المساء" [14]، بمعنى وإن كان الوقت متأخرًا، أي بعد قتل ربنا يسوع المسيح، "يعودون عند المساء، ويجوعون كالكلاب". لكنهم كالكلاب وليس كالقطيع والثيران... يعرفون خطيتهم أنهم كان يظنون أنهم أبرار... حسن للخاطي أن يتواضع، وليس أمر يستعصي شفاؤه مثل أن يظن الإنسان في نفسه أنه كامل.

القديس أغسطينوس

هُمْ يَتِيهُونَ لِلأَكْلِ.

إِنْ لَمْ يَشْبَعُوا وَيَبِيتُوا [ع15].

يشبه المرتل الأشرار المصممين على الشر بالكلاب الجائعة التي لا تقدر أن تسكت، بل تنطلق في الظلام تطلب طعامًا. إنها تدور في المدينة، لكنها باطلًا تتعب الليل كله، إذ لا تحقق أي نصيب من خطتها. هكذا لا يمكن للشر أن يعطي شبعًا لفاعليه، بل يكونوا دومًا في حالة جوعٍ وعطشٍ.

هذا ومن جانب آخر فإن خطايا الأشرار تحرمهم من السلام والهدوء الداخلي، فيدورون بلا نفع، وبلا شبع داخلي.

إذ يرى القديس أغسطينوس في الكلاب العائدة في المساء صورة مجازية للخطاة الذين يعودون إلى الحق معترفين بخطاياك، ولو في وقت متأخر من حياتهم، لذا يتحدث عنهم كجائعين. أي طعام يطلبونه؟ رجوع الخطاة إلى الحق، يقول: ["يتشتتون (يتيهون) للأكل" بمعنى أن يطلبوا كسب الغير، حتى في جسدهم يصيرون مؤمنين.] هكذا إذ يكتشف الإنسان خطاياه، وفي تواضع يتمتع بالاهتداء للحق، يشتهي أن يشاركه العالم كله ذات الخبرة المفرحة.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

4. تسبيح لله المخلص

أَمَّا أَنَا فَأُغَنِّي بِقُوَّتِكَ،

وَأُرَنِّمُ بِالْغَدَاةِ بِرَحْمَتِكَ،

لأَنَّكَ كُنْتَ مَلْجَأً لِي،

وَمَنَاصًا فِي يَوْمِ ضِيقِي [ع16].

"بالغداة" أو في الصباح". فالأشرار يدورون في ظلام الليل بلا شبعٍ وبلا سلامٍ، أما الصديقون فينعمون برحمة الله في نور الصباح بروح التسبيح والترنم، إذ يتمتعون بقوة الله. يعبر ليل الضيقات والمتاعب، ويحل صباح الفرح. "عند المساء يبيت البكاء، وفي الصباح ترنم" (مز 30: 5).

بالنسبة للمرتل تتحول مزامير الصراخ للخلاص إلى مزامير شكر وتسبيح لله.

*     إنهم يتفرقون في العالم، كما تتفرق القلوب في الليل بسبب جوعها، ويطلبون غذاءً روحيًا ولا يجدون، فيضجرون كما هي عادتهم، ألا وهي الضجر والتقمقم.

الأب أنثيموس الأورشليمي

*     في الصباح عندما تُهزم التجارب؛ في الصباح عندما يعبر ليل هذا العالم، في الصباح حيث لا يتوقع هجوم اللصوص والشيطان وملائكته الذين نخافهم؛ في الصباح حيث لا نسير بعد بسراج النبوة، بل نتأمل كلمة الله نفسه بكونه الشمس. "وأرنم بالغداة برحمتك".

إذ قيامة الرب نفسه كانت في الفجر، فقد تحقق القول الذي ورد في مزمور آخر: "عند المساء يبيت البكاء، وفي الصباح نرنم" (مز 30: 5). ففي المساء حزن التلاميذ على ربنا يسوع كميتٍ، وفي الفجر عند قيامته ترنموا. "لأنك كنت ملجأ لي، ومناصًا في يوم ضيقي".

القديس أغسطينوس

يَا قُوَّتِي، لَكَ أُرَنِّمُ،

لأَنَّ اللهَ مَلْجَأي، إِلَهُ رَحْمَتِي [ع17].

يغني المرتل: الله هو قوتي! الله هو ملجأي، أي يرفعني، ويسمو بي إلى فوق! الله هو رحمتي! ليس من صلاح أتمتع به إلا من قبل الله. كل شيءٍ صادر عن سكناه فيّ! لهذا يليق بي أن أقدم له كل المجد إلى الأبد.

هذه هي خبرة داود النبي حينما يواجه أعداء كثيرين أقوياء! إنها خبرة الكنيسة في كل العصور، وخبرة المؤمن الحقيقي أن يتكئ على صدر الله.

*     هذا القول من قِبل جماعة المؤمنين القائلة: أما أنا فأسبح قدرتك بابتهاجٍ وسرورٍ على رحمتك، ومتى صنعتها لي بعد قيامتك من الأموات بإشراق نور إيمانك على العالم كله.

الأب أنثيموس الأورشليمي

*     أخيرًا، إذ نفكر في كل الصالحات التي لنا، سواء بالطبيعة، أو عن عمدٍ، أو في التغيير نفسه، في الإيمان، في المحبة، في السلوكيات الصالحة، في البرّ، في مخافة الله، هذه كلها ليست إلا عطاياه. لهذا يختم بالقول: "إلهي رحمتي". إذ امتلأ بخيرات الله الصالحة لم يجد ما يقوله عن الله سوى "رحمتي". يا له من اسم، خلاله لا يليق بأحد أن ييأس. إن كنت تقول: "ملجأي"، فأدرك أنك تجد فيه ملجأ لك. إن كنت تقول: "قوتي"، أدرك أنه يعطيك قوتك. أما "رحمتي"، فماذا تعني؟ "كل ما أنا عليه إنما هو من رحمتك"!

القديس أغسطينوس

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

من وحي مز 59

اِرفعني إليك فلا أسقط في الشباك!

 

*     هوذا قد كثر الذين يحزنوني.

أخفوا لي شباك ومصائد في التراب.

تحالفوا معًا، لكي يحدروني معهم إلى الهاوية.

لكنك نزلت من أجلي،

وجعلتني عضوًا في جسدك.

وهبتني روحك القدوس السماوي.

ليرفع قلبي وفكري وكل أحاسيسي إليك.

*     مع كل ضيقة ترتفع نفسي!

مع كل ضيقة أتعرف بالأكثر عليك.

*     الأشرار يستعذبون مضايقتي،

من يقدر أن يطردهم عني سواك؟

*     في ضعفي أشعر كأن الأشرار أقوياء،

لا يعرفون النوم،

إذ يسهرون لوضع مكائد.

أراك كأنك نائم لا تتطلع إلى ضعفي.

قم، وانظر، ليس لي ملجأ سواك.

أنت إله الجنود السمائيين.

أنت ديان الأرض كلها.

أنت لا ترحم كل غادر لا يرحم أخاه،

وكل أثيم متعطش لسفك الدماء!

*     هل يقدر الأشرار أن يقفوا أمامك؟

إنهم كالكلاب التي تجول في ظلمة الليل.

يفتعلون معارك فيما بينهم للتسلية.

يصدرون أصوات عويلهم وسط الظلمة.

*     من يقدر أن يقف ضدك؟

إن وقف العالم كله لمقاومتك،

تعلن بقوة: "أنا قد غلبت العالم"!

لقد غلبت، وتبقى تغلب في أولادك!

يحملونك فيهم وينعمون بنصرتك!

هب لي أن ألجأ إليك، يا واهب النصرة!

*     ليفتخر الأشرار بشرهم وقوتهم وخبثهم وكثرة عددهم.

أما أنا فيكفيني أن أنظر إليك.

لأختفِ فيك،

فأنت القادر وحدك على الخلاص.

ترفعني ليسقط إبليس وكل قوات الظلمة تحت قدميّ.

بك تعجز الخطية عن أن تسيطر عليّ!

*     لتتقدم يا رب خطواتي، فأتبع خطاك.

تحت ظلك أحتمي،

فلا يقترب العدو مني.

يحاول أن يخدعني،

لكن ليس له أن يقيم في داخلي.

بصليبك أطرده،

فلا يكون له موضع فيّ!

*     لينصب الأشرار لي شباكهم.

فإنك تنجيني منها.

وهم يسقطون في ما نصبوه لي.

لك الحمد والشكر،

يا من بخلاصك تملأ حياتي بالبهجة.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات مزامير: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57 | 58 | 59 | 60 | 61 | 62 | 63 | 64 | 65 | 66 | 67 | 68 | 69 | 70 | 71 | 72 | 73 | 74 | 75 | 76 | 77 | 78 | 79 | 80 | 81 | 82 | 83 | 84 | 85 | 86 | 87 | 88 | 89 | 90 | 91 | 92 | 93 | 94 | 95 | 96 | 97 | 98 | 99 | 100 | 101 | 102 | 103 | 104 | 105 | 106 | 107 | 108 | 109 | 110 | 111 | 112 | 113 | 114 | 115 | 116 | 117 | 118 | 119 | 120 | 121 | 122 | 123 | 124 | 125 | 126 | 127 | 128 | 129 | 130 | 131 | 132 | 133 | 134 | 135 | 136 | 137 | 138 | 139 | 140 | 141 | 142 | 143 | 144 | 145 | 146 | 147 | 148 | 149 | 150 | 151

 

صفحات ذات علاقة بنفس الموضوع

* البحث في الكتاب المقدس
* قسم سنوات مع إي ميلات الناس - أسئلة وأجوبة عن الكتاب المقدس
قاموس الكتاب المقدس الكامل

* صور من الكتاب المقدس
* تحميل النص الكامل للكتاب المقدس
* أطلس الكتاب المقدس (خرائط الإنجيل)
* قسم العظات وبه تفسير لعشرات من أسفار الكتاب المقدس

إرسل هذه الصفحة لصديق

تفسير ا‌‌‌‌‌‌‌‌لأصحاح السابق من سفر المزامير بموقع سانت تكلا همنوتموقع الأنبا تكلا هيمانوت - الصفحة الرئيسية

Like & share St-Takla.org


© موقع الأنبا تكلا هيمانوت: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - الإسكندرية -مصر / URL: http://St-Takla.org / اتصل بنا على:

http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/21-Sefr-El-Mazameer/Tafseer-Sefr-El-Mazamir__01-Chapter-059.html